لا تزال مدينة مضايا السورية إلى اليوم (7 يناير 2015) تكابد قسوة البرد وآلام الجوع ونيران الحصار الذي تضربه عليها قوات نظام بشار ومليشيات حزب الله اللبناني. أو بالأحرى، لا يزال من لم تحصد أرواحَهم الكارثةُ الإنسانية يبحثون عما يسدون به الرمق من أوراق الشجر ومن بقايا نفايات المزابل التي أضحت قبلة للساكنة التي يشهد المنتظم الدولي على انقراضها دون أن يحرك ساكنا.

وتترجم الصور المهربة من داخل المدينة وجها بشعا لحكام الزمان و”حكمائه” إن كانت تسري فيهم حكمة. وتنم عن حقيقة نموذج من حكام العرب والمسلمين الذين لا يضيرهم أن يصفوا معظم شعوبهم لتبقى لهم بقية باقية قليلة تحسن التصفيق للمستبد وتتقن فن الركوع له وتستهتر بالتسبيح بحمده.

صور ساكنة مضايا، أو “أشباح مضايا” الذين أصبحوا مجرد جلود تلتصق بعظام، وبقايا أرواح أو أشباه أرواح تتسلل عبر الأزقة والطرقات تنقب بين الألغام ومرامي القناصة عن أي شيء يمكن أن يصلح للمضغ يتجرعه ولا يكاد يسيغه. صور تفضح الإنسانية التي خلت منها قلوب من يدعون الوقوف مع الإنسان، وترفع الحجب عن الكرامة الزائفة التي يتغنون بالدفاع عنها وهم أول من يدسها في التراب.

أكثر من أربعين ألفا من الناس رضعا وأطفالا ونساء وشيوخا يموتون موتا بطيئا في انتظار ما يأتي أو لا يأتي من مساعدات يمتنع النظام السوري وحزب الله عن فتح أي باب تدخل منه، ويحاصران المدينة بالألغام وبالقناصة. نظام لم يعد يحفل بما يُتَّهَم به مما هو حقيقة ثابتة، وحزب يجتهد في دفع التهم بكلام لم يعد باستطاعته حجب الحقيقة التي تنبعث بقوة من مضايا يوما بعد يوم.

وفي انتظار ما يمكن أن تحدثه صور “أشباح مضايا” وضحاياها المرعبة من تحريك للمنتظم الدولي وللمدافعين عن حقوق الإنسان في هذا العالم اللاهي، وفي انتظار ما يمكن أن تسفر عنه المساومات في الكواليس المظلمة، ستبقى مضايا وسكانها الذين يتساقطون كما تتساقط أوراق الخريف، ستبقى هذه المدينة عنوانا لجرائم من يشرفون على تنفيذها، ولجرائم من يتواطؤون مع أصحابها، ولجرائم من يسكتون عنها، وعنوانا للصمود الكبير الذي يصمده شعب يطلب حياة الكرامة بالصبر على الموت البطيء.