بعد الطفرة التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة في موضوع التعليم الخصوصي وانتشاره الواسع وسعيه للهيمنة على الحقل التعليمي في البلاد، وكذا المكانة المجتمعية التي بات يحظى بها حاليا وتفوقه الظاهر على التعليم الرسمي للدولة حسب رأي شرائح واسعة من المغاربة، ما يزال السجال قائما بين أصحاب هذا الاقتناع وبين من يصر على التشبث بالمدرسة العمومية حول أي القطاعين منهما أفضل وأصلح لبلدنا.

الحقيقة أننا ندرك صعوبة عقد مقارنات حاسمة بين هذين القطاعين المدرسيين في غياب لأدوات منهجية من الطرفين وأرقام واضحة مع تكتم المغرب الرسمي المعهود وشحه في تقديم معطيات تفصيلية في هذا الصدد، لذلك لا ينبغي أن نسقط في مطب تغليب المواقف المسبقة، لاسيما أن التعليم العمومي ليس شيئا واحدا، فالمدرسة في الحواضر الكبرى ليست هي المدرسة في المدن الصغرى أو في العالم القروي، وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم الخاص، فليس كل تعليم مدفوع الأجر هو بذات المستوى من الجودة والكفاءة، ثم إن علينا مراعاة الفروق بين مراحل التعليم الابتدائي أو الثانوي الإعدادي أو التأهيلي، وهذا ما يجعل التريث مطلوبا وأية قراءة ينبغي أن تكون ناضجة وأن تتسم بالعمق.

لا يهمنا في هذا الموضوع الانتصار لطرف على حساب الآخر، وإنما نهدف إلى محاولة الاستقصاء والبحث عن الإضافة التي قدمها التعليم الخاص للمشهد التعليمي في البلاد، وهل استطاع الإجابة عن إخفاقات تعليم الدولة الرسمي وملأ بعضا من ثغراته باعتبار أن هذا خير جواب وأقوى مؤشر سيثبت نجاعة هذا النوع من التعليم من عدمه.

واضح بأن التعليم الخاص قد حاول بالفعل معالجة المشاكل التي يرزح فيها التعليم العمومي والانطلاق من هذا المعطى واستغلاله لتسويق نفسه، حيث عمل على محاربة التسيب وتأمين الزمن المدرسي حتى لو أدت صرامته تلك إلى تعسفات بحق موظفيه في كثير من الأحيان، كما أنه سعى إلى انتقاء مناهج دراسية حتى لو كانت خارج إطار وزارة التربية الوطنية بل وخارج التراب المغربي، ورغم أن دفتر تحملات الوزارة يمنع ذلك، فقد كان يتحايل لتصريف عدد من الكتب المدرسية الأجنبية في بعض المواد، وذلك بسبب ما يكتسيه المنهاج الدراسي المغربي وكتبه من ضعف، هذا دون أن ننسى عناية التعليم الخصوصي بفضاءات التعلم والتجهيز الجيد لها نسبيا، في وقت يتخبط فيه القطاع العمومي في مشاكل بنيوية كالاكتظاظ وتقادم البنيات التحتية وضعف الوسائل الديدكتيكية.

هذه الإجراءات والظروف التي يوفرها التعليم الخصوصي هي ما جعلته قبلة لهجرة واسعة لفئات محسوبة على الطبقة المتوسطة، بل إن كثيرا من الأسر الفقيرة تجهد نفسها وتتحمل مصاريفه الباهظة من أجل إلحاق أبناءها بمدارسه، وقلما يبقى في التعليم العمومي من هو مقتنع به، فالظرف المادي القاهر ما يمنع فقط.

للسلوك المجتمعي ما يبرره تجاه التعليم الخاص، فالحرص على تأمين مستقبل الأبناء والخوف عليهم من الضياع ومن تكوين يهوي بهم إلى شبح البطالة المرعب يجعل الآباء والأمهات يبحثون عن بدائل لقطاع يجمع الكل على أنه يتخبط في دركات الحضيض.

على أن حالة الإقبال على التعليم الخصوصي لا تعني بالضرورة أنه بدون مشاكل أو أنه قد حقق طفرة تتناسب مع مكانته المجتمعية، فرغم أنه حاول تقديم نفسه كبديل إلا أنه سقط في مطبات لا تقل سوءا عما يتخبط فيه التعليم العمومي، وذلك بسبب طبيعته الاستثمارية التي تقصي البعد التربوي للعملية التعليمية وتركز على القشور والجوانب الشكلية ولا تتعمق في معالجة المشاكل الحقيقية بل وتفتعل مشاكل أخرى تزيد في تعميق جراح المشهد التعليمي في البلاد.

وكمثال على هذا ما يصنع جل التعليم الخصوصي في موضوع الباكالوريا بخصوص تضخيم نقط المراقبة المستمرة بشكل غير معقول، إذ لو كان واثقا من نفسه ومن مستوى منتوجه لما لجأ لمثل هذه الوسائل غير الأخلاقية كتعويض لما قد يحدث من ارتباك لتلامذته ومن كشف لمستواهم الحقيقي في هذه الامتحانات، ومع ذلك وفي كثير من المواسم الدراسية فإن عددا ممن يسجلون معدلات قياسية وطنية ينتمون إلى المدرسة العمومية.

كذلك نسجل محاكاة التعليم الخصوصي لنظيره العمومي في أساليبه، فحتى لو زعم القائمون عليه في إطار التجديد التربوي عكس ذلك، وحتى لو كانت بعض المؤسسات الخاصة القليلة تجتهد في اتجاه القطع معه، فإنه وبالذات في مدارس الطبقات المتوسطة الخاصة لا زال هو سيد الموقف، بدليل استعانة مؤسسات التعليم الخاصة بالأطر التعليمية التابعة للوزارة وهو ما ينفي أي تجديد في الممارسة التعليمية، فحتى إن ضمن القطاع الخاص بصرامته الحديدية انضباطهم وحرصهم على إعطاء الأفضل إلا أنه لن يقدر على تقديم إضافة نوعية في أدائهم مع غياب تكوين مستمر لهم في أغلب الأحيان، هذا دون الحديث عن الأطر الخاصة به التي يعتمد عليها والتي تفتقر إلى التكوين من الأساس.

أضف إلى ذلك والذي يزيد من استفحال الأمر بالنسبة للتعليم الخصوصي الحرص على تتبع الأثر اللحظي للعملية التعليمية على التلاميذ بما لا ينسجم مع طبيعتها التي يصعب التنبؤ بنتائجها على المدى القصير خصوصا مع التدخل المبالغ فيه لأولياء الأمور، الشيء الذي يجعل المدرس تحت الضغط ويعرضه لأخطاء بيداغوجية بسبب بحثه عن المردود الآني لتلاميذه.

وبما أن هذا النوع من التعليم يظل أسيرا لمنطق الربح والخسارة مما يفرض عليه إقناع الناس وجذبهم بإنجازات ملموسة، فهو لا يولي اهتماما كبيرا للمفاهيم المجردة باعتبار صعوبة خضوعها للقياس، وهو لا يختلف كثيرا عن التعليم العمومي في هذا الجانب، ويركز في المقابل على الاستثمار في عقدة اللغات الأجنبية عند المغاربة لا سيما الفرنسية، والمشكل أنه يعتمد على كتب مدرسية مستوردة من الخارج موجهة أساسا للناطقين بالفرنسية غير مستوعب أن ثمة فروق جوهرية بين من يتعلم لغته الأم والذي توجه له تلك المناهج وبين المتعلم حديث العهد باللغة كحال تلامذتنا الذين يفرض عليهم التعامل معها الشيء الذي يستنزف طاقاتهم ويتطلب منهم مجهودات مضاعفة بخاصة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

وهكذا يأتي أي تعلم وإتقان للغة الفرنسية إن حدث على حساب المواد العلمية خاصة الرياضيات التي يتم الاحتفاظ في الغالب بنفس مقررات الوزارة الرديئة في هذه المادة، وهذا مفهوم على كل حال فتنمية التفكير الرياضي يتطلب وقتا ولا يصلح للتسويق اللهم إلا إذا كنا سنتحدث عن بعض الطرائق التي يشتغل البعض عليها في مجال الحساب الذهني والتي تظل محدودة الأثر في تطوير قدرات الأطفال ومهاراتهم بخلاف ما يدعي من يروج لها.

لا شك أن ما سبق ذكره لا ينطبق على تعليم الطبقة المخملية في البلاد، حيث يبذل العاملون عليه مجهودات جبارة للرقي به وخلق تمايز طبقي بين تعليمهم وتعليم عامة المغاربة، غير أن اللافت أن المحصلة تبقى متواضعة بسبب غياب الحافز القوي للتعلم وحالة التسيب والاستهتار التي تصيب أبناء هذه الفئة، وحسبنا ما نلاحظه من مستوى النخبة التي تخرجت منه والتي تسير البلاد في كافة القطاعات حيث تظهر محدودية كفاءتها، وهذا الأمر تثبته التصنيفات العالمية للجامعات والمعاهد والتي فضحت مستوى الجامعات والمعاهد الخاصة وساوت بينها وبين الجامعات الشعبية كما هو الحال بين جامعة القاضي عياض وجامعة الأخوين على سبيل المثال.

خلاصة القول فإن التعليم في المغرب ليس بخير سواء ذلك المرتبط رسميا بالدولة أو ذلك الذي يتحكم فيه رأس المال التجاري، فكلاهما يقتاتان على واقع الفساد في المؤسسات الرسمية الذي يميع ويقتل أية مبادرة إصلاحية مهما كانت طموحة.