أوشكت معركة الأساتذة المتدربين من أجل إسقاط المرسومين المشؤومين على إتمام شهرها الثالث دون أن تحرك الجهات المعنية والمسؤولة ساكنا أو تتعاطى بشكل إيجابي مع مطالبهم العادلة والمشروعة. فعلى قدر إصرارهم على المضي قدما حتى تحقيق النصر تبقى الحكومة مصرة على تعنتها ورفضها لهذه المطالب بل لجأت وللأسف الشديد لإعمال مقاربة أمنية خطيرة كشفت مرة أخرى عن الوجه البشع للمخزن وزيف شعاراته حول النهوض بقطاع التربية والتعليم في هذا البلد.

معركة نضالية حضارية بأشكال راقية

أدهش الأساتذة المتدربون كل المراقبين والمتتبعين بالمستوى الراقي والعالي الذي أداروا به معركتهم ضد مرسومي الذل والعار القاضيين بفصل التكوين عن التوظيف وتحجيم قيمة المنحة؛ فقد خاضوا هذه المعركة بشكل تدريجي ومعقلن، حيث بدؤوا بوقفات واعتصامات إنذاريه تلتها مقاطعة شاملة للدروس في جل المراكز الجهوية للتربية والتكوين وتنظيم مسيرات محلية صوب الأكاديميات والنيابات لإسماع صوتهم ومطالبه… لكن لا حياة لمن تنادي.

ومع هذا التجاهل التام وتلكؤ الجهات المعنية الكبير لملفهم قرر الأساتذة المتدربون نقل معركتهم إلى مدينة الرباط بتنظيم المسيرة الوطنية الأولى يوم 12 نونبر 2015 والتي شارك فيها أزيد من عشرة آلاف أستاذ وأستاذة. مسيرة أبانت عن نضج كبير من خلال النظام والتنظيم المحكمين والضبط والانضباط الكبيرين، لتتواصل النضالات في المراكز بصيغ مختلفة وأشكال راقية وحضارية دون أن يرف لحكومتنا الموقرة جفن، مما اضطر التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين لتنظيم مسيرة وطنية ثانية يوم 17 دجنبر 2015 كانت أكثر قوة وتنظيما حيث كان أساتذة الغد مستندين على دعم عائلاتهم وفئات مجتمعية عريضة وحضور إعلامي محلي ودولي لافت.

تضامن شعبي كبير ودعم مجتمعي واسع وتغطية إعلامية مكثفة

خاض الأساتذة المتدربون معركتهم على كل المسارات والواجهات وكانت الواجهة الاعلامية أهم هذه الواجهات؛ ففضلا عن إنشاء صفحة على الفيس بوك ضمت آلاف المشاركين في وقت قياسي فإن التنسيقيات قامت بعمل تواصلي جبار للتعريف بقضيتهم. وبالفعل استطاعت معركة “الوزرة أو الكفن” أن تسرق الأضواء وتحظى بتغطية إعلامية كبيرة من قبل قنوات تلفزية شهيرة كالجزيرة وفرانس 24 وبي بي سي وغيرها، بالإضافة إلى وسائل الإعلام المحلية خاصة المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي ومحطات الراديو.

أما عن التضامن فقد لاقت معركة الأساتذة المتدربين مساندة شعبية وتضامنا مجتمعيا فاقا كل التوقعات؛ ففضلا عن انخراط الأهالي والعائلات في المعركة، أعلنت العديد من الهيئات النقابية والسياسية والحقوقية والجمعوية والشخصيات الاعتبارية من أكاديميين ومثقفين وبرلمانيين عن دعمهم ومساندتهم بل وتبنيهم لملف الأساتذة المتدربين حيث بدأت بوادر تشكيل جمعيات وتنسيقيات للدعم في العديد من المدن وينتظر أن تكون الاستجابة لنداء حمل الشارة الحمراء قوية ومكثفة. ولعل ما زاد من منسوب هذا الدعم والتضامن هو تعدي مخاطر هذين المرسومين المشؤومين إلى فئات مجتمعية أخرى كالطلبة والعاطلين وغيرهم.

تعنت حكومي غير مبرر و مقاربة أمنية خطيرة

وعلى عكس كل التوقعات التي كانت ترجح تفهم الحكومة واستجابتها الفورية لمطالب عادلة ومشروعة التفت حولها كل الفئات الشعبية والمكونات المجتمعية ولاقت صدى إعلاميا دوليا كبيرا فقد عمدت الحكومة في التعاطي مع هذا الملف إلى أساليب مخزنيه عتيقة كالترويج للإشاعات والتهديد للنيل من وحدة وصمود أساتذة الغد. وأمام الإصرار البطولي لأصحاب الوزرة البيضاء على مواصلة المعركة حتى تحقيق مطالبهم لجأ المخزن إلى الكشف عن وجهه البشع وقام بتدخلات همجية في العديد من المدن كان لمراكز طنجة والقنيطرة وأسفي ومراكش الحض الأوفر منها. تدخلات خلفت العديد من الإصابات الخطيرة من كسور وجروح، زيادة على الاعتقالات والإهانات الحاطة من الكرامة الإنسانية.

إن الطريقة البشعة التي تعاطت بها الجهات المعنية مع ملف الأساتذة المتدربين لتثير الكثير من الاستغراب وتطرح العديد من الأسئلة عن دواعيها وأسبابها والخلفيات الكامنة وراءها. ونتمنى أن تستفيق هذه الجهات ولو متأخرة وتحكم صوت العقل وتستجيب لمطالب الأساتذة المتدربين حفاظا على ما تبقى لها من ماء الوجه.