تمهيد

تروم هذه الورقة 1 قراءة شهادة الإمام المجدد في علم من أعلام هذه الأمة الأمير المجاهد أسد الريف سيدي محمد بن عبد الكريم الخطابي، وذلك من خلال العناصر التالية:

أولا: سياق الشهادة

يمكن أن نتحدث عن ثلاثة سياقات وجهت شهادة الإمام المجدد عبد السلام ياسين في الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي:

1- سياق عرض المشروع الدعوي الإسلامي على الفضلاء وأهل المروءة بالدعوة إلى الاعتبار بالبواعث التي حركت الجيل المجاهد من أجل تحرير عقل الإنسان من قبضة تقليد الثقافة الأرضية الغالبة السالبة المغيبة لمعنى حقيقة وجود الإنسان و خبر مصيره بعد الموت، وإلى مواجهة النفس بشجاعة حتى يجتمع الكل على أرضية إسلامية نتوب فيها جميعا إلى الله عز وجل وتكون الدافع والمدخل للتأسيس لمشروع مجتمعي بان لغد القوة والكفاية.

2- السياق الحواري حول قضايا الشأن العام بالمغرب، والذي نلمس تجلياته في محاورة الإمام المجدد منذ بدايات حركته الدعوية للنخبة المثقفة وللفضلاء الديمقراطيين في قضايا متنوعة كالقضية الأمازيغية والديموقراطية والمجتمع المدني وقضايا العدل والمرأة وغير ذلك، والتي أسس من خلالها لتصور للحوار يراه ضروريا لكن على قاعدة الوضوح الذي يقتضي في نظره أن يكون مبنيا على الصراحة والدقة والبلاغة وهي محددات تريد تجاوز المجاملات والنفاق والكذب على الناس وعلى الشعب تحت دعاوي تجنب الإحراج والموضوعية والأكاديمية.

3- سياق إعادة قراءة تاريخ المغرب قراءة تقطع مع التزييف والتزوير اللذين تعرض لهما تاريخ المغرب في سراديب التحكم المخزني حتى تتضح الصورة جلية لحقائق الوقائع التي جرت لأن ذلك سبيل أساسي لبناء المستقبل، وقراءة تضع موضع المحك والنظر الدوافع والبواعث التي وجهت حركة الفعل النضالي لرواد الجهاد الوطني ضد الاستعمار المحتل حتى يفقه الجيل الحاضر سمو تلكم الحوافز التي صنعت أولئك الرجال لأن فقه الحوافز والبواعث مهم جدا في تمثل دافعية الممارسة السياسية وموقعها ضمن حركة المشروع العام الجهادي للقيادات النضالية لجهاد الحركة الوطنية، وهي بعد قراءة تسعى إلى فهم الانكسار التاريخي الذي حول وجهة الحركة الوطنية من سكة كان الرائد فيها الإيمان بالله عز وجل والجهاد في سبيله، وكانت الاعتبارات الإيمانية الموجهة الأساسية للنضال ضد المستعمرين إلى سكة مستلبة بإيديولوجيات الثورة والتقدمية والمفاهيم المقطوعة عن الله وعن الإيمان.

ما كان غرض الإمام المجدد عبد السلام ياسين من عرض مثل هذه الشهادة وغيرها بهذه النظرة العميقة الواضحة والصريحة والقاسية أحيانا قسوة صرخة الحق التي لا تماري ولا تدراي ولا تهادن، أن يبحث عن مشروعية تاريخية أو نضالية عند رجال أفضوا إلى ربهم جل وعلا، لأنه يستمد مشروعيته الدعوية والجهادية من المعين الصافي الذي استقى منه أولئك الأفذاذ ما حركهم وكان باعثهم ومحفزهم وهو معين الوحي الرباني والجهاد النبوي. إنما كانت الغاية التأسيس لحوار تاريخي لفهم الماضي وبناء المستقبل.

ثانيا: شهاد ة الإمام في الأمير عبد الكريم الخطابي المدرسة الرجل والرجل المدرسة

خلاصة هذه الشهادة ومؤداها أن قوة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي هذا الرجل الذي واجه قوتين عظميين هما: الإسبان وفرنسا ومن ورائهما انكلترا وأمريكا تكمن في الإيمان والإيمان وحده، به كون رجالا أشداء كانوا طلاب شهادة بعد أن غرس فيهم الإيمان، وبنى جمهورية على أساس من العدل، محققا نوعا من التغيير وسط مجتمعه بالتربية القائمة على تعليم الناس دينهم وربطهم بخالقهم جل علاه، ثم غرس حب الحرية بما هي شرط لإقامة الدين والأخلاق والإيمان. لم يبحث عبد الكريم الخطابي عن نقطة ارتكاز إيديولوجية أجنبية عن دينه ودين شعبه. كان الإيمان رائده وعقيدته وكان القرآن شاهده، وبهذا وحده أقض مضاجع الاستعمار بمجتمعه الجديد الذي ألف قلوبه المتناحرة حوله، وصنع منهم رجالا حتى لقد قال الفرنسي المارشال ليوطي ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا: “في أنوال سقط الاستعمار الأوربي بإصابة قاتلة”) 2 .

يحدد الإمام عبد السلام ياسين في موقفه هذا وقراءته هذه دوافع وبواعث وجهت جهاد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ويحلل مواصفات الشخصية الجهادية لدى الأمير، ويبرز آلياته في بناء مجتمع الريف الجديد:

1- الدافع والباعث

لقد كان دافع وحافز الجهاد لدى الذين حملوا السلاح للذود عن الأرض والوطن هو الإيمان أساسا. يقول عبد الكريم الخطابي مما نقله عنه محمد سلام أمزيان: لا ريب أن الذي ساعدنا على محاربة الأعداء سنوات لم تمر فيها لحظة دون موقعة أو معركة، أو ضحايا هو الايمان والايمان وحده، إن الايمان هو العامل الأساسي وهو السلاح الأقوى في كل الحروب التحريرية، بل في كل عمل جدي) 3 . وعليه فلم تكن الثورية النضالية والتقدمية الديموقراطية والفكر الملحد والثقافة المنقطعة عن الله والدار الآخرة في دائرة المفكر فيه بالنسبة لهذا الرجل، إنما كان الإيمان بالله تعالى هو المحفز والجهاد لتحرير الوطن المسلم هو القضية واستقلال بلاد المسلمين هو المشروع والهدف.

2- المواصفات الشخصية

يبرز الإمام المجدد أن هناك أربعة عناصر أسهمت في تكاملها وتضافرها وتفاعلها في بناء شخصية الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، هي:

– بصمة القرويين وأثرها في اكسابه التربية الإيمانية القرآنية وفقه الشريعة.

– التمكن من لغة المستعمر، والتمرس بالعمل الإداري، وإتقان العلوم والمهارات.

– وضوح مواصفات المجتمع المنشود: العقيدة الإسلامية، الإخلاص، قوة التماسك.

– الالتحام مع الشعب وصحبته وسطه.

عناصر أعطت أو خرجت رجلا متميزا بما سماه الإمام المجدد عبد السلام ياسين القيادة العالمة، الذكاء الحربي، التقنيات الحديثة، المشروع الواسع للتحرير. وهي ميزات تجمع للأمير بين مواصفات القيادة الرشيدة والدهاء التدبيري وخبرات التقنيات الحديثة والأفق الواسع، وهي كلها بالنسبة للإمام المجدد من ثمرات التوفيق الإلهي والعناية الربانية والتربية القرآنية الإيمانية.

3- آليات الاشتغال

بتلكم المواصفات يرى الإمام المجدد أن الأمير اعتمد آليات بنائية لتأسيس المجتمع المتضامن المتماسك الملتف حول قيادته المؤمن بالله المستعد لبذل الروح في سبيل الغاية والقضية والهدف والمشروع، وقد أجمل الإمام عبد السلام ياسين هذه الآليات في:

1-3: تقوية البواعث الإيمانية بالله، ثم بالقضية الهدف من خلال العقيدة الإسلامية الجامعة المعبئة المعتمدة على الله أولا، وعلى الموارد الذاتية ثانيا باعتبار الإيمان بالله عنده أولا وبالهدف ثانيا قاعدة الارتكاز الأولى التي تمكن من ربط المنحل والمفكك من مجتمع الناس؛

3-2: بناء الطليعة المجاهدة من خلال تربية متكاملة لرجال أشداء طلاب شهادة عبر التربية الإيمانية الموقظة للضمير الديني بربطهم بالخالق عز وجل؛ وتقوية الجبهة الداخلية بإنهاء التطاحن القبلي وبناء الأخوة الاجتماعية؛ وتأسيس القضاء العادل؛ وبث روح الجهاد لنيل الحرية شرط إقامة الدين والأخلاق والإيمان؛ والتدريب العسكري الحديث.

مكنت هذه الآليات من التأسيس لمجتمع جديد سليم من عوامل الهزيمة النفسية ، مؤمن بالتعاون للصالح العام، فيه إحساس بضخامة المسؤولية. وكانت المفاجأة التي اعتبرت أسطورة عسكرية تدرس وتقتدى معركة أنوال التي قال فيها لويد ورج رئيس وزراء بريطانيا في أنوال سقط الاستعمار الأوربي بإصابة قاتلة). وقال عقبها ابن عبد الكريم: إن عناية الله قبل كل شيء ويبعد كل شيء كانت معنا) فتأمل.

ثالثا: خلاصات أساسية

1- ليست غاية الإمام المجدد من نبش الماضي البحث عن نقطة ارتكاز لمشروعية ضائعة، أو التشفي من ماض ضيع بواعثه وحوافزه الخلف من مدعي النضال والثورة، إنما الغاية الوضوح اللازم لبناء الآتي من المستقبل. نقرأ فاعلية النضال ضد المستعمر لنفقه العناصر التي ألفت وجمعت ودفعت وحفزت ووجهت فهي التي يمكن أن تجمع وتحفز الآن في واقع مترد مليء بالمآسي.

2- إن الحوار هو السبيل الأمثل لتدبير الاختلاف، وإنه لا مندوحة للكل من أن يعلم علم اليقين -ما دام الكل يعترف بالإسلام هوية للمجتمع- أن في عدل الإسلام ورفقه ورحمته الفضاء الواسع والملاذ الأخلاقي البديل عن مجتمع الكراهية والتقتيل والعنف.

إن الكلمة السواء تفرض أن نردد مع الإمام المجدد قوله: نحن وإياكم معاشر الفضلاء عابرو سبيل. هلموا إلى كلمة سواء نتعاون على البر والتقوى وعمل صالح نجده في صحائفنا يوم نلقى الله كما لقيه من قبلنا وتجد الأمة عواقبه الحميدة في مستقبلها، ونسير في سياق الإيمان والإيمان وحده، ونتطلع لأفق أوسع من الحسابات السياسية الحرفية الدنيوية الفانية).

 


[1] نص المداخلة التي قدمتها في حفل الوفاء إبان الاحتفاء بالذكرى الثالثة لوفاة الإمام المجدد عبد السلام ياسين بأكادير يوم 1/1/2016. يراجع في هذا الصدد كتاب حوار الماضي والمستقبل للإمام عبد السلام ياسين صدر عن دار الأفق عام 1997 فمعظم النقول الواردة في هذه المداخلة مستقاة منه.\
[2] حوار الماضي والمستقبل ص 41-49-55.\
[3] يراجع كتاب عبد الكريم الخطابي وحرب الريف لمحمد سلام أمزيان.\