تشرف الأمم وتحظى بأغلى التقدير كلما كان اهتمامها بالمعلم كبيرا، ومتى ما وضعت قضيته في مقدمة الأولويات من العناية والتخطيط وحسن التدبير. فالمعلم على حد قول أحمد شوقي: كاد أن يكون رسولا، بما يضطلع به من مهمة بناء الأجيال وتعليمها، وتوعية الشعوب وتربيتها، وإعداد النشء وتهيئته للمشاركة الفعالة في كل الميادين، بل بما يساهم به هذا الطود العظيم في التغيير المنشود.

وإن مقوما هذه ميزاته لهو جدير بكل رعاية، وخليق بكل عناية، وموضع كل تفكير جاد ومسؤول ماديا ومعنويا. لذلك تنبهت الدول الراقية إلى الدور الجليل الذي يقوم به المعلم، فأولته ما يستحق من الاهتمام، وكرمته أحسن التكريم، ورفعت من قدره بينها بالرعاية العلمية والمادية والنفسية والاجتماعية. وطبقت في حقه مقولة: قم للمعلم وفه التبجيل.

وفي المقابل تنبه حكام الاستبداد إلى خطورة هذا الدور بالنسبة إليها، وإلى دوره الكبير في التغيير، ومساعدته في بناء مجتمع قوي متماسك، وفي الرفع من مستوى الوعي ومحاربة الجهل، فراحت تضع الخطط والبرامج والتعديلات والإصلاحات، تستهدف سلب المعلم كل مقومات التأثير والفعل الإيجابيين بما يخدم المصلحة العامة من أجل ضمان مصالحها وخلودها في الحكم. فجعلت منه مخلوقا دونيا لا قيمة له في المجتمع، قللت من شأنه بين أفراده.

والمتتبع في هذا الشأن لما يحاك حول المعلم من نكت تسخر منه وتضع من شأنه، لتمتلئ بها المجالس والأفواه. تضع المعلم في مرتبة المكدي كما صورتها مقامات بديع الزمان والحريري في العصر العباسي. والجامع بين صورة أبي الفتح الاسكندري وبين المعلم في عصرنا أمران: العلم والفقر.

إن من واجب المعلم حقا أن يكون أمينا وصادقا ومتفانيا في عمله ومحبا لتلاميذه ومرشدا وقدوة لهم. كما له من الحقوق ما يضمن تفكيرا حرا وعيشا كريما ومكانة معتبرة بين الناس. وأي إخلال بذلك تترتب عنه نتائج وخيمة في الحاضر والمستقبل.

والمعلم صفة كريمة شريفة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً وميسراً” 1 . وبذلك ينال المعلم في أي زمان هذه الصفة الشريفة ويحظى بها، تنتج عنها حقوق كريمة وشريفة. ولا غرابة فإن المعلم هو أب الروح والوالد أب الجسم كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين.

وقلت:

لا يا ذرى الفخر اهتفي وتكلمي *** وقومي بإجلالٍ لهذا المعلم
لقد وهب الأجيال كل فضيلةٍ *** وسدّد معوجّا بغير تألّمِ
يرى العلم موصولا لحيٍّ وميتٍ *** ويرفع أعلاما لنيل التقدمِ
أبٌ يحضن الأبناء رفقا ورحمةً *** وينشر آدابا ويصدح بالفمِ
غير أنه من العار أن يلقى المعلم – هذا الأب الروحي – معاملة سيئة محطة من قدره ترفضها الشريعة وتأباها القيم، تلك حالته وهو في المدرسة والقسم والشارع، والأدهى والأمر وهو أمام قبة البرلمان وفي شوارع العاصمة وفي أبواب النيابات، تنهال عليه الضربات بالهراوات وتمطره الركلات وتحقره السبّات، وهو يتطلع في ظل “دستور جديد” إلى أمل سعيد، ويرنو إلى قرار رشيد، ويحتمي بالتشريع والقانون لتحقيق ما يريد.

ولا تقوم لأمتنا قائمة ما لم يحظ هذا الجبل الراسخ بكل ما يعيد له مكانته، وما يضمن له كرامته، ويساعده على أداء وظيفته أحسن قيام ويكون ذلك بأمور:

– إنزال المعلم المكانة الرفيعة – منزلة الأب الروحي – التي أنزلته إياها الأمم الراقية.

– تأهيله وتكوينه ومساعدته على ذلك ماديا ومعنويا.

– إعادة الاعتبار إلى دوره بمنحه الفرصة الكاملة على تأدية عمله على الوجه المطلوب.

– تضافر جهود كل الفاعلين للعمل على تمكينه من حقوقه الفكرية والمادية والاجتماعية والنفسية.

– إشراكه في اتخاذ القرارات الحاسمة، وأخذ اقتراحاته مأخذ الجد، لأنه الممارس المباشر للعملية التعليمية التربوية.

فمن العيب أن يظل المعلم في ذيل السلم الاجتماعي، تمنعه قلة ذات اليد من مواكبة المستجدات التربوية والعلمية والثقافية للضغط الكبير لهم العيش على جيبه في ظل ارتفاع الأسعار وتوالي الزيادات المجحفة وجمود الراتب الشهري الذي لا يسد ولا يرد. وإلا فإن التمادي في احتقاره والانتقاص من قدره وممارسة الضغط عليه لينذر بعواقب وخيمة يؤدي ثمنها المجتمع بأكمله.

ملاحظة:

أطلقت كلمة المعلم بشرف وتقدير وأقصد بها كل رجال التعليم، وليس فئة بعينها لعظم الحمولة الدلالية ورقيها، ووفائها بالمقصود. فتحية كبيرة وعالية لكل هؤلاء الجنود الأخفياء.


[1] رواه مسلم عن جابر.\