بعيدا عن الخوض في شرعية الاحتفال بالمولد النبوي، هل هو عيد، وللعيد في الإسلام ضوابط ومحددات (صلاة العيد، حِرمة الصيام) أم هو ذكرى تستمد قيمتها من قيمة صاحبها ومركزية حبه وتوقيره في حياة كل مسلم ومسلمة، من جهة، ومن فوائد تخليدها التربوية عموما تجديدا لمعاني الإيمان… نطرح سؤالا عن درجة حضور صاحب الذكرى صلوات ربي وسلامه عليه ونموذجيته في حياة المسلمين أفرادا ومجتمعا؛ حضور يجسد حقيقة الإيمان والتصديق برسالته ووظيفته تحقيقا للشطر الثاني من الشهادتين: “وأشهد أن محمدا رسول الله”.

يستمد سؤال القدوة راهنيته ممن أمرنا الحق سبحانه باتخاذه نموذجا عملا بقوله تعالى: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر7)، وفق قاعدة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب 21)، في خضم سيل جارف من الاتهامات للإسلام سماحتِه وسَعتِه وتعايشِه وانفتاحِه وتفتحِه ومواكبتِه لتغييرات العصور احتكاما إلى ممارسات منفرة مستفزة باسم الإسلام، مثلما يستمد السؤال شرعيته من واقع أمة يفترض أن تكون خير الأمم اعتقادا وسلوكا وعملا ونظام حكم واقتصاد. ترى، كيف يفسر هذا التخبط في فهم دين الإسلام وتنزيل تعاليمه ومبادئه؟ ومن المسؤول والمستفيد عن هذا التخبط المسيء للإسلام الخادش في قيمه، وهذا الاستهداف الممنهج للإسلام؟ وهل من سبيل للخروج من هذا التخبط والاستهداف؟

إن واقع المسلمين وفقدانهم البوصلة حصادُ جهود قرون من التربص والاستهداف للإسلام منذ فجر دعوته، ومرورا بعمليات الاستشراق التي تسربلت بلبوس بحثيٍّ وانتهاء بمدارس التغريب وطواحين المسخ التي خرجت أفواجا من المفكرين تسلقوا وسُلقوا أحيانا كثيرة سلم “المجد” وأسدوا بالمقابل خدمات كبيرة لمخططات النيل من الإسلام وتشكيك أجيال من أبناء المسلمين في دينهم، أفواج ونُخب تخصصت في إشعال معارك هامشية وشغلت الناس وصرفتهم عن الجبهات الحقيقية: قضية مساواة المرأة والرجل في الإرث، تعدد الزوجات… مشاريع ومخططات مُكنت ـ وما تزال ـ من كل الوسائل: إعلام، فنون، مدارس وجامعات ومهرجانات وتمويل سخي، قابله تضييق وتشويه لخطاب الإسلام وعزله عن واقع المجتمع وحياة الناس.

وبعد عقود من إفلاس مشروع الدولة الوطنية، فلا ديمقراطية ترسخت، ولا تنمية استنبتت، ولا هوية حُفظت، ولا مقدسات حررت، نشأت أجيال متمردة على واقعها البئيس: جهل بل تجهيل وتفقير وإقصاء وهشاشة وحرمان وإغراق في أتُون المخدرات والميوعة والانحلال، وفي غياب مشاريع التأهيل والتربية والانخراط في البناء بسبب نهج الإقصاء والتضييق على الأصوات الحرة والنماذج الجادة ممثلة في مدارس لحركات إسلامية تجمع بين تربية الانسان وبين اقتراح مشروع مجتمعي، وجدت دعوات الغلو والتطرف بيئة مسعفة للتغرير بحماسة الشباب واستقطابهم في تنظيمات تكفُر بما هو قائم إلا من مهادنة الاستبداد لتكتمل الصورة المشوهة عن الإسلام: شباب متحلل من كل قيمه مشكك في دينه وشباب متهور غُرر به وأشْرِب فهما مغلوطا لدينه وبُرمج لتدمير ما حوله بتفجير جسمه طمعا للفوز بالسعادة الأبدية.

اليوم، وقد اكتوى الغرب بحمم ما زرع وأضحى قلقا مذعورا مهددا في حياته واستقراره ورفاهيته، بعد أن اقتحم التطرف والغلو حدوده وتسلل إلى معاقله لينجح في استمالة فئات مهمشة من أبنائه، ارتعدت منه الفرائس وهو يرى أجساد الأبرياء من مواطنيه تتطاير شظايا في عواصمه الآمنة، تعالت الأصوات مستنجدة بإسلام سمح معتدل محاور بَانٍ للحضارة مُسْهمٍ في تكريس السلم والتعايش؛ تعالت أصوات حكماء الغرب تندد برعاية أنظمتها الاستكبارية للاستبداد ومصادرة الإرادة الشعبية والانقلاب على الشرعية وتدعو لتصالح جريء مع إسلام قائم على الفهم السليم لرسالته ومنظومة قيمه.

اليوم، وقبل فوات الأوان يحتاج العالم ـ والغرب تحديدا ـ ليُفيد من الإسلام عقيدة وسلوكا ومنهاج حياة تحقيقا للاستقرار والسلم والتعايش بين الشعوب على أساس الحرية والكرامة والتعاون تحريرا للبشرية من كل عبودية أو استغلال؛ مطمح لا سبيل إليه إلا برفع الوصاية على الإسلام وتوظيفه تبريرا للاستبداد وفسح المجال لمشروع يجسد ميراث النبوة ونموذجية الرحمة المهداة إخراجا للناس، كل الناس من دياجير الجهالة إلى نور الهداية والاهتداء، خطاب إحسانيٌّ ينهل من المشترك الانساني ويحاور بالتي أحسن ويستوعب الاختلاف ويؤسس للتفاهم والتفهم والتعاون؛ خطاب إحسانيٌّ يكون بديلا للصراع المحتدم المهدد للاستقرار والسلم العالميين، خطاب إحساني يحرر العقول والإرادات ويؤسس لبناء صرح عمران أخوي ترفل البشرية في أفيائه.

تُرى هل الغرب مستعد ليستجيب لنداء حكمائه الذي سيكلفه التنازل على “مصالحه”، وهو الذي يوفر حاجياته، كل حاجياته، من الأورانيوم إلى الشوكلاطة ودرج على رغد عيش تؤدي شعوب المستعمرات فاتورته حرمانا وبؤسا واستبداد حكم وغياب حقوق وحريات ولو في حدها الأدنى؟