بحلول سنة 2016 التي تفصلنا عنها بضعة أيام، تطفئ شركة سامير شمعتها السابعة والثمانين، حيث تعود جذورها الأولى إلى الشركة الشريفة للبترول التي تأسست من طرف المستعمر الفرنسي سنة 1929، ليتطور هذا المشروع الصناعي في عهد الحكومة الوطنية لعبد الله إبراهيم، الذي قرر بناء مصفاة المحمدية سنة 1959 بشراكة مع الايطاليين، والتي استمرت إلى غاية سنة 1973 وهي السنة التي انسحب فيها الإيطاليون ولجأت الدولة إلى مغربتها.

رقابة الدولة على الشركة لم تستمر أمام الأزمة الاقتصادية الخانقة نتيجة سوء التسيير والتدبير الحكومي والعجز المالي المهول وسياسة الدولة غير المحسوبة، وهو الأمر الذي جعلها تلجأ سنة 1997 إلى خوصصة سامير والشركة الشريفة للبترول لفائدة مجموعة كورال التي يترأس مجلسها الإداري رجل الأعمال محمد حسين العمودي من أصول يمنية والحامل للجنسية السعودية بقيمة 400 مليون دولار، في حين كانت قيمتها آنذاك أكثر من مليار دولار.

وبعد مرور سنتين عن الخوصصة تقرر دمج الشريفة للبترول في سامير وخلق شركة سلام غاز، إلى أن وقع حريق 2002 الذي أتى على أغلب وحدات الإنتاج مما أدى إلى التوقف الكلي للوحدات وخلق ارتباك في تموين السوق بالمواد البترولية مما أدى إلى إفساح المجال للموزعين من أجل استيراد 20 في المائة من المواد المكررة، مما جعل حصة الشركة في السوق تتقلص إلى 80 في المائة، مما دفع بتوقيع اتفاقية الاستثمار بين الشركة والدولة سنة 2005 والتي تتضمن حماية السوق وحماية هامش من الربح إلى حدود 2008 تاريخ اشتغال الوحدات الجديدة الموازية للشركة، هذا المشروع تم تمويله من الأبناك المغربية بعد انسحاب الأبناك الخارجية.

وفي مطلع سنة 2009 ثم تحرير السوق ولجوء شركات التوزيع إلى الاستيراد مما يقلص حصة الشركة في السوق إلى أقل من 50 %. لتعلن الشركة سنة 2015 عن النتيجة المالية السلبية لموسم 2014 بقيمة قدرها 340 مليون دولار.

بداية الأزمة وأسبابها

فوجئ عمال شركة سامير ومعهم الرأي العام بالبلاغ الصحفي الصادر بتاريخ 05 غشت 2015 والذي تعلن من خلاله الشركة عن التوقف عن التكرير نتيجة وقوعها في أزمة مالية وتوقفها عن الدفع.

وبعد يوم من صدور هذا البلاغ اجتمعت وزارة الطاقة بالموزعين من أجل ضمان حاجيات السوق من المواد الطاقية، وفي نفس اليوم علقت بورصة الدارالبيضاء تداول أسهم الشركة بطلب من المجلس الأخلاقي للقيم، تلتها أقصى الإجراءات حدة، حيث عمدت مديرية الجمارك بتاريخ 12 غشت 2015 إلى إيقاف جميع عمليات التصدير والاستيراد من طرف شركة سامير لعدم تأديتها الضرائب والحجز الاحتياطي على جميع حسابات الشركة وممتلكاتها، وتدخل مكتب الصرف من أجل مراقبة تحويلات الشركة وفروعها والشركات التابعة للعمودي ولمديرها جمال باعمر.

الأمر الذي دفع بمجلس الإدارة إلى الدعوة لعقد الجمعية العامة للشركة بتاريخ 16 أكتوبر 2015 بعد إعلانه عن النتائج النصف السنوية وعن دراسته للزيادة في الرأسمال من أجل إنقاذها.

وتعود أسباب هذه الأزمة الخانقة حسب رأي عمال الشركة وأطرها إلى سوء التدبير والفساد المالي، وكذا تقلص حصة سامير في السوق الطاقية، وإلى تقلبات أثمان البترول، ناهيك عن اللجوء المفرط للقروض مما أدى إلى تفاقم الفوائد وتقليص هامش الربح.

ووصلت الديون التي تراكمت على الشركة إلى 13 مليار درهم لفائدة الجمارك المغربية و 0.8 مليار درهم لصالح الأبناك المغربية و 01 مليار درهم للأبناك الخارجية، وأخيرا مبلغ 1.2 مليار درهم للممولين المغاربة والأجانب، بالإضافة إلى تقصير الدولة في دورها الرقابي.

السلم الاجتماعي والاقتصادي بمدينة المحمدية على المحك

إذا لم يتم الاستجابة لمطالب عمال شركة سامير المشروعة والمتمثلة في عودة الإنتاج عاجلا لتفادي تلاشي المعدات ومواجهة تقلبات السوق والمناخ، وإذا لم يتم حمل المستثمر على الوفاء بالتزاماته وحسم الأزمة في مقاربتها الشاملة وفق ما يضمن الأمن الطاقي بالبلد، وفي حالة عدم عودة الدولة لرأسمال الشركة وتأميمها حتى تمارس دورها كاملا في الرقابة وتقنين السوق وحماية الإنتاج الوطني، وفي حالة عدم فتح الأجهزة القضائية والأجهزة الوصية تحقيقا في الأزمة الحالية وتحديد المسؤوليات وتقييم عمليات الخوصصة والتدبير المفوض، وإن لم تتم حماية حقوق الأجراء والمتقاعدين وتعزيز مساهمة الشركة في التنمية المحلية لمدينة المحمدية… فإن نتائج هاته الأزمة ستنعكس سلبا على السلم الاجتماعي والاقتصادي للمدينة والبلد، بحيث ستؤدي إلى فقدان 1000 منصب شغل رسمي للتقنيين والمهندسين، وحوالي 7000 منصب شغل غير مباشر. كما ستؤثر هذه الأزمة على مصادر عيش 24000 مغربي بشكل مباشر، إضافة إلى انقطاع التعامل مع أزيد من 100 مقاولة للمناولة والشغل المؤقت. ناهيك عن توقف مساهمة الشركة في المداخيل الجبائية للمدينة وفي دعم الأنشطة البيئية والرياضية والثقافية والفنية، وفي ضمان التغطية الصحية لأزيد من 2000 متقاعد وتوفير التدريب الدراسي لأزيد من 1000 طالب سنويا. كما سيؤدي إلى شلل شبه كامل لميناء المحمدية، بحيث تشكل شركة سامير الدعامة الأساسية لتنشيط الرواج التجاري به بنسبة 70%.

ومن تجليات مساس هذه الأزمة بالسلم الاقتصادي والأمن الطاقي ما ورد مؤخرا عن السيد إدريس بنهيمة، المدير العام للخطوط الملكية المغربية، حيث عبر عن انزعاجه من رفع أسعار وقود الطائرات بنحو 30 في المائة من طرف بعض الموزعين الذين يسيطرون على سوق المحروقات داخل المطارات المغربية، في إشارة إلى مجموعة “أفريقيا”.

كما أكد مسؤول من شركة “لارام” لهسبريس أن مجموعة “أفريقيا”، التي يمتلكها رجل الأعمال المغربي عزيز أخنوش، تسيطر على سوق استيراد وتخزين الكيروسين، وهو ما تسبب في رفع سعر هذه المادة بنسبة 30 في المائة مقارنة مع مستوى سعرها في النصف الثاني من شهر نونبر المنصرم، قبيل التطبيق الفعلي لتحرير السوق بشكل كامل.

مبادرات الجبهة النقابية والجبهة المحلية الداعمتين لملف سامير

أمام التطور المطرد لأزمة سامير، وأمام ما قد ينجم عن تلك الأزمة من تهديد للسلم الاجتماعي والاقتصادي وكذا الأمن الطاقي بمدينة المحمدية وداخل البلد بكامله، تشكلت جبهة نقابية ضمت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الوطني للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل واجتمعت بوزير التشغيل والشؤون الاجتماعية بتاريخ 08 شثنبر 2015، حيث قدموا عرضا عن الوضعية بالشركة ومصير حقوق العمال الرسميين والمناولين والمتقاعدين وأكدوا على مطلب الاستئناف العاجل للإنتاج، ووعد الوزير بمتابعة الملف ورفع خلاصات الاجتماع إلى الدوائر المعنية، كما تم إمداده بورقة تقنية عما سيسببه تأخر تشغيل الوحدات من تهالك وتآكل المنشآت. كما راسلوا رئيس الحكومة ووزير الداخلية ووزير المالية والاقتصاد والعمالة والولاية محملين إياهم مسؤولية ما قد تؤول إليه الأوضاع بشركة سامير. وفي نفس السياق، عقدوا عدة اجتماعات مع الإدارة و مع عمال ومستخدمي الشركة من أجل الدفع في اتجاه التحسيس بعمق الأزمة وسبل حلها، حيث توجت هاته التحركات بميلاد جبهة محلية داعمة ومتابعة لأزمة سامير والتي تشكلت من عدة مكونات من المنظمات السياسية والحقوقية نذكر من بينها، حزب الطليعة، النهج الديمقراطي، المؤتمر الوطني الاتحادي، الاشتراكي الموحد، العدل والإحسان، الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال اللذين التحقا بالجبهة، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان…

وقد بادرت الجبهة المحلية لتتبع أزمة سامير بتنسيق مع الجبهة النقابية المذكورة أعلاه إلى تنظيم وقفتين احتجاجيتين أمام الشركة توجتا بتنظيم مسيرة حاشدة يوم 28 نونبر 2015 شارك فيها الآلاف من المتضررين والمساندين انطلقت من محكمة المدينة واختتمت أمام العمالة، مطالبة بحسم النزاع المفتوح بين الدولة و الرأسمال، واستئناف الإنتاج مع رجوع الدولة للرأسمال من أجل مراقبة وتنظيم وتقنين القطاع، وحماية الصناعة الوطنية وتطويرها وإنقاذ العمال خاصة والمغاربة عامة من جشع الفاعلين في القطاع.

بعدها مباشرة باشرت الجبهة المحلية حملة تواصلية مع مجموعة من الهيئات السياسية والحقوقية مع قياداتها الوطنية، حيث في ظرف 18 يوما الأولى من شهر دجنبر 2015 نظمت زيارات لكل من حزب الاشتراكي الموحد، حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب النهج الديمقراطي، حزب الاستقلال، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، جماعة العدل والإحسان، وحزب التقدم والاشتراكية.

تداولت وتشاورت من خلالها مع الأطراف السياسية حول أزمة شركة سامير وسبل التعاون من أجل الإنقاذ من الإفلاس وعودة الإنتاج وفق ما يخدم مصالح المغرب ويحمي حقوق الأجراء وينمي مدينة المحمدية. حيث خلص الجميع إلى ضرورة التعاطي مع هذه الأزمة التي قد تؤثر على مدينة بأكملها اجتماعيا واقتصاديا بل قد تؤثر على الأمن الطاقي بالمغرب وأن المدخل الحقيقي للعلاج هو المدخل السياسي قبل اللجوء إلى باقي المداخل الأخرى.

القضاء وأزمة سامير

أمام فشل أطراف الأزمة في إيجاد حلول ترضي الجميع، بعثت شركة كورال المغرب بتاريخ 15 نونبر 2015، برسالة من توقيع رئيس مجلسها الإداري محمد حسين العمودي وجمال با عامر بصفته مديرا عاما للشركة، إلى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، من أجل إخطاره بالنزاع وببدء مفاوضات التسوية الودية وفقا لاتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين حكومة مملكة السويد وحكومة المملكة المغربية، مانحة إياه أجل 6 أسابيع للتسوية الحبية تحت طائلة اللجوء إلى التحكيم الدولي لتسوية النزاع.

كما لجأت في خطوة استباقية إلى القضاء الوطني، حيث تقدمت بطلب لرئيس المحكمة التجارية بالدارالبيضاء، يرمي إلى تسوية قضائية ودية حددت لها أول جلسة يوم 29 دجنبر 2015.

فإلى أي حد يمكن لأطراف النزاع أن يحتكموا بعضهم لنبض بعض، وأن يتفقوا على ايجاد حلول ناجعة لتجاوز الأزمة بشكل حبي وودي، دون اللجوء إلى القضاء للفصل في النزاع ودون الوصول إلى الباب المسدود الذي يؤدي إلى كارثة اجتماعية واقتصادية بالمدينة ناهيك عن المس بالأمن الطاقي بالبلد وتخريب مدينة بكاملها قامت وتوسعت على إثر هذا المركب الصناعي.