كثر الحديث عن موضوع حقوق الإنسان وتعددت فيه الأقاويل وتباينت حوله الآراء، واشتد الصراع حول هذا الموضوع المؤرق لينتهي السجال في آخر المطاف إلى أن ما يحدث هو تجدد صيغ الشعارات سنة بعد أخرى دون حدوث الجديد في هذا الأمر. فرغم كثرة المؤتمرات الدولية والمواثيق الأممية والمنظمات والجمعيات المهتمة بهذه القضية إلا أنها لا تزال في عداد الملفات السوداء في تاريخ البشرية عموما وتاريخ الأمة الإسلامية خصوصا، حيث قيمة حقوق الإنسان لا تكاد تساوي قيمة الطين إذ لم تنتهك حقوق الإنسان يوما كما تنتهك الآن على مرأى ومسمع كل من ينادي ويهتم بهذه القضية.

والحديث عن حقوق الإنسان يجرنا إلى طرح سؤالين مهمين أولهما عن أي إنسان نتحدث؟ وثانيهما عن أية حقوق يدور السجال والجدل؟ قبل الإجابة عن هذين السؤالين الرئيسيين تجدر الإشارة إلى قول الله عز وجل في محكم كتابه: إني جاعل في الأرض خليفة، ولقد كرمنا بني آدم. ألا يمكن اعتبار هاتين الآيتين العظيمتين تعبيرا صريحا من الله عز وجل وهو رب الأرباب على الأحقية التامة لبني آدم في التمتع بكافة حقوقه المشروعة التي منحها إياه؟ لماذا تنازلنا عن العطاء الرباني والكرم الإلهي لنطالب بما هو أدني منه؟ أولا يؤهلنا الاستخلاف في الأرض وهو أمر إلهي إلى ممارسة ما انتدبنا إليه على الوجه الأصح والأتم؟

إن الانتكاسة التي عرفتها ولا تزال تعرفها حقوق الإنسان تظهر أن ضياع الإنسان هو الذي أنتج ضياع حقوقه. ولذلك لا يمكن الحديث عن الحقوق وصاحبها لا وجود له، وليس المقصود هنا بالوجود الوجود المادي وإنما اختفت وتلاشت إنسانية الإنسان فأصبح وجوده كعدمه. وهذا ما جعل حقوقه تضيع بضياعه. وبالتالي لا يمكن الحديث عن الحقوق في ظل غياب صاحبها. وهذا ما جعل الفرصة متاحة أمام العديد من الحقوقيين لرفع الشعارات البراقة والمجاهرة بالنداءات الزائفة التي تتغير وتتلون بألوان المناسبات وكان من الأولى إعادة البصمة الإنسانية للإنسان من أجل إثبات كينونته. ولهذا نجد بعض النخب تستغل المناسبات وتكيف الأوضاع قدر ما استطاعت لخدمة أجنداتها ومهما رفعت من الشعارات وغيرت من المناسبات ومهما أنشأت من منظمات وجمعيات ومهما غيرت في المواثيق وعدلت في القوانين فان الذي يتغير هو الكلام وليس الفعل وتبقى الأوضاع كما هي بل وتزيد سوءا ومشقة.

قد يعترض معترض فيقول لو وجدت الحقوق لوجد صاحب الحق والمثال والنموذج هو الدول الغربية، حيث إن الإنسان الغربي يتمتع بكافة حقوقه دون قيد أو شرط. هنا نجيب أن الفاعل هو الذي يقوم بالفعل ولولاه لما وجد ذلك الفعل أصلا. ولو عرفنا قيمة أنفسنا وتبتت فينا صفة الإنسانية أو بالأحرى الأنسنة لما كان حالنا يدمي القلوب، ولما أصبح مصيرنا بين يدي من يحسنون التلاعب بالكلام المنمق ويجيدون انتهاز الفرص من أجل دس الأماني المعسولة في القلوب الضعيفة التي لا ترضى سوى بما تلتقطه الثعالب من فضلات الأسود.