مقدمة

أستفتح حديثي في هذا الموضوع بالآية الكريمة إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء 1 ، وبالحديث النبوي الشريف “العلماء أمناء الرسل” 2 حتى يتبين لنا أي العلماء هم علماء الأمة، الذين كانت لهم عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله وكذلك عند الأمة المكانة والتعظيم والتقدير والحرمة. إنهم الأتقياء لله قلوبا، الحاملون للأمانة النبوية وظيفة، المُبلغون للرسالة الإسلامية دعوة، المنحازون إلى جانب المستضعفين جهادا، الحاضرون وسط الأمة سلوكا وقيادة. هم المبعوثون ليعلّموا كما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما. هو بُعث برسالة وهم ورثتها القائمون عليها، وبعثهم ميراث من ميراثه صلى الله عليه وسلم) 3 .

ولمكانة علماء الأمة عند الإمام المجدد رحمه الله ممن كان منهم في الماضي أو كان في الحاضر خصص في كتاباته معهم حوارا تربويا وعلميا وفكريا بعد أن استوعب أفكارهم وأتقن علومهم، بغرض استقراء ما أثّلوه من تركة وتراث عبر قرون في مختلف المجالات والقضايا تهم الفرد والجماعة والأمة، الدين والدنيا والآخرة، الدعوة والدولة والإنسانية.

فكيف كان هذا الحوار؟ وما أسلوبه وطريقته؟ وما هي أهم المجالات والقضايا التي طالها هذا الحوار؟

موقفه من العلماء

عرف تاريخ الأمة من بعد العهد النبوي والراشدي أصنافا من العلماء، وقد ميّز الإمام في كتاباته بينهم وفقا لمواقفهم وأدوارهم التاريخية. فمنهم القائمون، وهم المنابذُون للحكم الجائر من أهل العدل والحق. ولا يزال تاريخ الإسلام حافلا بالقائمين من آل البيت، (…) ومع القائمين كان يقاتل العلماء، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله. وما محنة الإمام أحمد بالتي تنسى ولا بالتي تقف معانيها عند الدفاع عن العقيدة دون إدانة الجور العام الذي يبيح للحاكم أن يفرض عقيدة محرفة كعقيدة خلق القرآن. الإمام الحسين بن علي عليهما السلام كان أول القائمين، ثم زيد، ومحمد النفس الزكية، وإبراهيم، وما لا يكاد يحصى من أئمة آل البيت) 4 . ومنهم المصلحون الذين اكتفوا بتعليم العامة وتربيتها دون الصدام والصراع مع السلطان حفاظا على بيضة الإسلام من أن تتكسر، وهؤلاء كلهم ممن دار مع القرآن حيث دار. وجاء ذكر الإمام رحمه الله لهؤلاء بالتفصيل في كتابه رجال القومة والإصلاح). فسماهم رجالا. وفي موضع آخر من كتاباته ميّز بين علماء الحق الذين يقفون مع الحق وفي صف الأمة فأكد على إتباعهم وصحبتهم وملازمتهم والأخذ عنهم باعتبارهم من أهل العلم ومن الأكابر، كما أوصى بذلك سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لا يزال الناس صالحين ما أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم. فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا) 5 . ومنهم علماء السوء ديدان القراء الذين يقفون مع الباطل وفي صف حكام العض والجبر، هؤلاء حذّر منهم ومن دعواتهم.

ومن جهته أشار الإمام رحمه الله إلى ما عرفه العلم النبوي عبر التاريخ من تشتت بعدما كان مجموعا، حيث تفرد المحدثون رضي الله عنهم بالنصيب الوافر من أمانة الرسالة وتفرد الفقهاء بالأحكام، وتخصص مشايخ التربية في القلوب وعلاجها وتوجيه سيرها إلى الله. لم يكن في عهد النبوة انصداع في الأمر، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المرجع والطبيب والأمير، والوحي ينزل، وتَسليم الصحابة أنفسهم لله ورسوله كان تسليما كاملا. من بعد عهد الصحابة عامت سحابات الفلسفة ودخن الفتنة فغطت على الجلاء الأول، وترجم كل فريق من أمناء الرسالة وورثتها عما عنده من علم، وخاض كل فريق في طائفة العلم التي تخصص فيها إلى درجة الاستغراق) 6 .

وصولا إلى هذه النتيجة من التشتت العلمي والفقهي والاجتهاد الفردي، يدعو الإمام إلى العمل على جمع ما تشتت من العلم النبوي، وذلك بالدعوة إلى التأسيس لعلم منهاجي واجتهاد جماعي بما يقتضيه فقه التجديد والتغيير والبناء على منهاج النبوة. يقول: تجزئة ذلك الفقه، مثل التجزئة السياسية المعاصرة في أقطار الفتنة، تمثل تحديا لنا أن نقوم نجمع بالاجتهاد شتات العلم، وبالجهاد شتات الأرض والمجتمع الإسلامي، متخطين كل التجزئات وكل الأفكار والاجتهادات والمواقف النسبية المظروفة بظروفها التاريخية. نعيد كل اجتهاد سابق إلى نصابه، نعرضه في حدود نسبيته على النموذج النبوي الكامل الذي طبق كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها) 7 .

أسلوب حواره

لم يكن حوار الإمام مع علماء الأمة يوما ولا حتى لحظة جدالا ولا عبثيا ولا بناء على خلفية مصلحة ذاتية، بل كان حوارا علميا نافعا من أجل العمل، وهادفا دافعا لبعث الأمل، وبنّاء من أجل جمع جهود العلماء ولمّ شمل الأمة. فإذا حاولنا أن نعطي لهذا الحوار صفات ينمّ عنها فنجد على رأسها:

– الرفق والرحمة

كان الحوار الذي أسس له الإمام مع علماء الأمة من منطلق الرفق والرحمة النبويين، فلا تجد سباّ ولا تعنيفا ولا سخرية ولا تقليلا من شأنهم أبدا. يكفي لمتتبع الحوار عند ذكر الإمام لأي عالم من علماء الأمة أن يقف على معاني التقدير والتعظيم وهو يسميهم بأحسن الألقاب عند المسلمين. من قبيل الإمام، الشيخ، العالم، المحدث، الفقيه، الولي…وغيره. وربما قد يزيد أوصافا رفعا لمكانة العالم وقيمته ما حظي بها عند غيره. ففي حق الشاطبي قال رحمه الله: هو الإمام الشاطبي ذو العلم الواسع والفهم الجامع والاستنباط الرائع) 8 . وقال في حق عالم آخر من هذا العصر: ومن الراسخين في العلم من أكابر الدعاة الشيخ الدكتور سعيد رمضان البوطي نفع الله به ينصح لهذه الأجيال الإسلامية الصاحية المباركة) 9 . أما حين يحاور عالما أخطأ في اجتهاده فإنه إما يذكره باسمه ويدعو له بالعفو والمغفرة، وإما يدعو له دون أن يذكر اسمه. يقول تعليقا على اجتهاد لمحمد عبده رحمه الله: فيؤوِّل الشيخ غفر الله لنا وله الطير الأبابيل والحجارة من سجيل الوارد ذكرها في سورة الفيل بأنها جراثيم مرض الجُدَري مثلما يؤول المستشرقون، ويتقدم العبدَوِيُّون من مدرسة الشيخ ليزعموا أن الجن ما هو إلا عبارة عن مكروبات خفية) 10 . وعالم آخر أورد في أحد كتبه: إن الإيمان الذي جاء به القرآن الكريم ثمرة الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبثَّ فيه من أحياء)، قال الإمام في حقه دون ذكر اسمه: رجل اختلط عنده الأمر فدل قُراءه المسترشدين به، وهو داعية كبير شهير صادق لا نشك في إيمانه، على الكون، ما دلهم على الله. دلهم على الأحياء، ما دلهم على المحيي المميت سبحانه) 11 .

هكذا كان حواره رحمه الله في منتهى الأدب باحترام قواعده ومنهجيته وشروطه.

– الحكمة والنصيحة

لم يخل حوار الإمام لعلماء الأمة من روح الحكمة المطلوبة، ولم يخرج عن النصيحة الواجبة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. فهو لم يحاورهم من أجل الحوار، وإنما حاورهم بقصد إنصافهم من جهة وهم المُعرّضون لهجمات التكفير والتبديع والسخرية، فدافع على من يستحق الدفاع منهم، ومن جهة أخرى حاورهم من أجل تجديد الفكر والتنظير لمستقبل الإسلام والمسلمين بالجمع والتنقيح والتحقيق. يقول رحمه الله: نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ نخاطبه ونحاوره ونسائله وننتقده ونستفيد منه حسب ما نجد عنده أو لا نجد من خبر أو دراية أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد الموفق المعصوم، كيف بلغ، وحين ألف الجماعة بتأليف الله، وحين سلح، وحين آخى وشجع على التضامن في الأرزاق، وحين غزا وواجه العدو، وحين علم كل علم نافع، لا يحقر من التعليم أبسط المبادئ، وحين جاهد حتى ترك لنا أمة واحدة أمرها بينها شورى، حين أوصى ونصح بما سيؤول إليه الأمر من ترد إلى اغتصاب الحكم وإلى العض والجبر، وحين بشر بالخلافة الثانية على منهاج النبوة) 12 .

– الجرأة والمسؤولية

فقد تجرأ الإمام وهو يحاور علماء الأمة على تحديد المواقف الواجبة من عدة قضايا أحجم بعض العلماء على تحديدها والخوض فيها، كالموقف من بيعة الحاكم وطاعته، والموقف من الصوفية والتصوف، والموقف من علاقة الدعوة بالدولة، والموقف من الاستبداد وحكام العض والجبر. والموقف من الديمقراطية والحداثة. وهي مواقف شرعية تحمل فيها الإمام رحمه الله كامل المسؤولية قولا وعملا وتبعات. وذلك لأن سيره على المنهاج النبوي يقتضي منه ذلك، بمعنى أن لا يحابي أي جهة من الجهات، ولا يداهن أحدا خوفا من لومة لائم، ولا يقوم بتأويل نصوص ولا بتحريف كلام. فمثلا عندما يتحدث حول الموقف من الحكم والحاكم، وهو أصعب موقف قد يواجهه العلماء في الماضي أو في الحاضر، فهو يتحدث بوضوح تام لا يعرف الالتواء. أن رأس داء الأمة ومكمن الفساد هو الحكم. يقول رحمه الله محددا للموقف: خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز. وقد كتبنا في غير هذا المكان ماذا نعني بهذا. نعصيهم ونعارضهم لأنهم خربوا الدين، واتخذوا من أمريكا وروسيا أولياء من دون المؤمنين. الأمر أعمق وأخطر وأشد صرامة من مجرد المعارضة السياسية) 13 . وحول ارتباط الحاكم ببنود البيعة: فالحاكم المسلم مقيد بالشورى، مقيد بالشريعة، مقيد بمسؤوليته الجنائية أمام القضاء، فهو أمامه كآحاد الناس. وينبغي أن يكون إلى جانب هذه القيود كابح دستوري قانوني يضع مسطرةً لمحاكمة ولي الأمر وعزله إن أخل ببَند من بنود البيعة التي تُشَكِّلُ مَعْقِد القوة في نظام الحكم الإسلامي) 14 .

فمثل هذه القضايا الصعبة القليل من أمثال الإمام المجدد من يثيرونها ويتحدثون عنها في كتاباتهم وحواراتهم، وحتى إن أشاروا إليها فبإشارات محتشمة.

مجالات الحوار وقضاياه

حين نستقرئ كتابات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حول حواره لعلماء الأمة نجد أنه لم يترك مجالا من المجالات، ولا قضية من القضايا إلا وتطرق إليها إما بالتفصيل وإما بالإشارة، وذلك حسب ما يقتضيه الموقف وتقتضيه العبارة.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أنه كما حاور العلماء حاور أيضا المفكرين والفنانين والأدباء والشعراء وغيرهم. وذلك كل في فنّه وتوجهاته وتصوراته واهتماماته. ومن المجالات التي تطرق إليها في حواره نجد مجال الفقه والتاريخ، مجال الشعر والأدب، مجال السياسة والاقتصاد، مجال الدعوة والدولة، مجال التربية والسلوك، مجال الفكر والفلسفة، مجال العقيدة والشريعة، وغيرها. وبالنسبة للقضايا المرتبطة بهذه المجالات فهي أكثر من أن تحصى، نجد منها قضية الأسرة والمرأة والطفل، وقضية التجديد والتغيير، وقضية العدل والإحسان، وقضية الاجتهاد والفتوى، وقضية القومة والثورة، وقضية البيئة والحضارة، وقضية الفن والثقافة، وقضية التقدم والتخلف، وقضية المعارضة والتعددية، وقضية العقل والحرية، وقضية الأمازيغية والقومية، وقضية الشورى والديقراطية، وقضية فلسطين والأمة، وقضية الماركسية والعلمانية والحداثة، وغيرها من القضايا.

وقد خصص رحمه الله لمجمل تلك المجالات وما يرتبط بها من قضايا فكرية وعلمية واجتهادية كُتبا تفوق الثلاثين، حاور فيها الإمام كل طائفة في تخصصها العلمي وميدانها الفكري والاجتهادي. وعلى رأسها أمهات الكتب، كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا)، وكتاب الإحسان) بجزأيه، وكتاب العدل الإسلاميون والحكم)، وكتاب تنوير المؤمنات) بجزأيه، وكتاب إمامة الأمة)، وكتاب نظرات في الفقه والتاريخ).

أما العلماء الذين حاورهم فهم كثيرون أيضا. نجد في مجال الفقه والتاريخ حاور الإمام الشاطبي وابن العربي والإمام المودودي رحمهم الله تعالى، حاورهم حول قضايا الانكسار التاريخي وانتقاض عرى الإسلام، وحول الاجتهاد الشرعي، وحول الخلافة والملك، وحول مقاصد الشريعة ومطالبها من عدل وشورى وإحسان، وحول علاقة الدعوة والدولة.

وفي مجال التربية والسلوك نجد أنه حاور علماء من الصوفية ومن المحدثين ومن الفقهاء، منهم الغزالي ومحمد بن تيمية وابن القيم الجوزية والعز بن عبد السلام وعبد الرحمن بن خلدون، وسعيد حوى، والإمام حسن البنا، ومحمد سعيد رمضان البوطي، وأبو الحسن الندوي، وغيرهم رحمهم الله. حاور هؤلاء كلهم حول ضرورة السلوك إلى الله تعالى، والخلاف والاختلاف بين الصوفية من جانب والفقهاء والمحدثين من جانب آخر، وحول أهمية الشيخ المربي، والمقامات والأحوال، وعلاقة السلوك الإحساني بالجهاد والعدل والدعوة والدولة والشورى وبالخلافة على منهاج النبوة.

وفي مجال الأسرة والمرأة والطفل نجده قد حاور بعض العلماء كالشيخ عبد الحليم أبي شقة، وصادق الرافعي وابن تيمية والشاطبي والإمام أحمد رحم الله الجميع. وذلك في قضايا الزواج والتعدد، والقوامة والحافظية، وتحديد النسل وتنظيمه والعزل، والحجاب والنقاب، وخروج المرأة وعملها، تعليم المرأة وتحريرها وجهادها.

نماذج من الحوار

حواره للشاطبي رحمه الله في مجال الفقه وأصوله: كانت للإمام رحمه جولة في بيان مقاصد الشريعة التي تحدث عنها الإمام الشاطبي وسطرها في كتابه الموافقات) أنها لم تعد موجودة في هذا الزمان، فكيف يُراد لها الحفظ من قبل علماء يكرّرون ما كتبه الشاطبي في القرن الثامن الهجري. ولمّا لم تعد موجودة فقد أصبح الحديث عنها من جانب العدم ليُراد لها طلبها ومن ثمّ بعد ذلك نتحدث عن حفظها. والسبب كما يححد الإمام هو أن الزمان غير الزمان، والظروف غير الظروف. فالزمان الذي كان فيه الحاكم لا يتجرأ على مناهضة الدين أصبح اليوم له فيه الجرأة الكاملة على اقتلاع جذوره واجتثاث أصوله. فنحن إذا أمام مطالب وليس مقاصد. كما يمكن لهذه المطالب أن تنتظم وتصطفّ في مطالب كبرى، وهي مطالب الوحدة والإيمان والشورى والعدل والإحسان. يقول الإمام رحمه الله تعالى: عبر الإمام الشاطبي رحمه الله عن ذات صَدْر تلك الأجيال الصالحة بصلاح جمعها لِهَمِّ الدنيا مع همِّ الآخرة حينما صاغ فهمه لمقاصد الشريعة مستعملا كلمة “حفظ”. كان معهم رحمهم الله شيء يستحق في نظرهم أن يُحفظ. نحن في زماننا نقدر أن ما ضاع منا كثير وأن ما بقي آئل إلى ضياع إن لم ننهض للطلب، طلب الإسلام كله، طلب الإيمان بشعبه، طلب الخلافة على منهاج النبوة، طلب الشورى والعدل والإحسان) 15 .

وفي ثنايا حواره للإمام الشاطبي لم يفت الإمام من أن ينصفه بالإفصاح عما كان يعانيه الفقيه الأصولي من معاناة تحت حكم ملوك الطوائف. وقد اكتشف تلك المعاناة من كلمات ختم بها كتابه الموافقات)، يقول الفقيه: على أنه بقيت أشياء لم يَسَعْ إيرادها، إذ لم يسهل على كثير من السالكين مرادها، وقلَّ على كثرة التعطش وُرَّادها. فخشيت أن لا يردوا مواردها، وأن لا ينظموا في سلك التحقيق شواردها. فثنيت من جماح بيانها العنان، وأرحت من رسمها القلم والبنان. على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة). قال الإمام المجدد معلقا على الكلام: مسائل ثنى عن بيانها عنان قلمه رغم جموح هذا القلم وميله الشديد لكتابتها. ترى، أهي من جزئيات العلم ونوادره، أم هي من كليات الدين وأصوله رأى متفقهة عصره معرضين عنها منحسرين عن ميدانها؟ ترى، أية غصة كانت في حلق هذا المجتهد الفذ الذي يعد مفخرة من مفاخر القرون الأخيرة، بل واحدا من أكبر علمائنا الجامعين بين المنقول والمعقول، المتضلعين ريا ونورا من معين السنة، العالين مطمحا) 16 .

حواره لابن خلدون رحمه الله في مجال السلوك: قال الإمام رحمه الله: للمؤرخ الكبير أحد حكماء المسلمين، أبي زيد عبد الرحمان بن خلدون “قدر مشترك” مع الصوفية. ليس مذكورا من أهل الفن، لكنَّ له مشاركةً واطلاعا ورأياً يبدو منه الاهتمام الكبير. له رسالة سماها: “شِفاء السائل لتهذيب المسائل” وسع فيها الفصل الذي خصصه في المقدمة الشهيرة للتصوف) 17 . ولبّ موضوع الرسالة كما يشير الإمام هو السؤال: ما موقع الكتب وفائدتها ومردوديتها في السلوك القلبي؟ وهل لابد من شيخ يُسلِّمه المريد زِمامَه كما تستسلم “الأمة الفوضى” للإمام العادل، وكما يستسلم المريض للطبيب؟

يجيب المؤرخ الكبير عن السؤال بعد عرضه لأصناف العلماء ومراتبهم، ولأهمية التصوف وأهدافه، ولأنواع المجاهدات ومراتب السعداء، كما نقل ذلك الإمام من الرسالة في كتاب الإحسان، يجيب: وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبُها رفع الحجاب والاطلاعُ على العالَم الروحاني وملكوتِ السماوات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يُعبَّر عنه بالشيخ، افتقار وجوبٍ واضطرارٍ، لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولُها بدونه) 18 .

علق الإمام على كلام المؤرخ الكبير بقوله: رحمك الله أبا زيد! كنت تحدثنا عن المريد الطالب رفع الحجاب ليشاهد أنوار الربوبية، فإذا بك بعد حين تشتغل مع مريدك بالأكوان و”الاطلاع على العالم الروحاني وملكوت السماوات والأرض”! وأين الأكوان من المُكَوِّن ما شاء الله كشف لك من عوالمه وملكوته، وما زوى عنك فأنت عبد للأكوان إن تعلقَتْ همتُك بالأكوان ومطالعة ما دون الله، مُتَهاوِياً عن المطلَبِ الأوحد، مطلبِ الرجال، وجهِ الله) 19 .

خاتمة

لئن حاور الإمام علماء الأمة في هذا الكمّ الهائل من المجالات والقضايا بما يُعبر عن سعة علمه وعمق فكره وحسن اجتهاده ورجاحة عقله ورحابة صدره وبعد نظره، فإنه ما كان يغفل عن قضية مهمة يدرجها ويبثها بين ثنايا وجنبات كل حوار، وهي التذكير بالآخرة، وبإرادة وجه الله، وكثيرا ما واخذ بعض العلماء عن جفاف وجده في كتاباتهم من ذكر الله والآخرة، إما لنقص في التربية الإيمانية أو لخجل وخوف من الوصف بالخرافية والغيبية والظلامية. حتى أصبحت كما قال رحمه الله: هذه اللغة الغافلة عن الله المغفِّلة عنه أسلوبا مألوفا، فينشأ عليها الخَلَفُ بعد السَّلَف في أحضان إسلام أجوف منبهر مأخوذ، يولي وجهه نحو الكون ومن فيه وما فيه إلا أوقاتا مخصوصة مستثناة يولي وجهه فيها نحو بيت الله لينقُر الصلاة نقْراً، أو يوليها المصحف ليقرأ آيات الله المباينة كل المباينة للغة الفكر والحضارة والبديل) 20 .

رحم الله الإمام المجدد، ورحم الله جميع علماء الأمة رحمة واسعة، وبارك في العلماء العاملين والدعاة الصادقين.


[1] فاطر: 28.\
[2] حسنه السيوطي، وذكر له شواهد صحيحة وحسنة تفوق الأربعين حديثا.\
[3] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 389.\
[4] نفس المرجع، ص: 369.\
[5] رواه الطبراني بإسناد صحيح.\
[6] ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص: 85.\
[7] ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 18.\
[8] الإحسان ج1، ص: 86.\
[9] نفس المرجع، ص: 90.\
[10] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج1، ص: 44.\
[11] الإحسان ج1، ص: 305-306.\
[12] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 18.\
[13] المنهاج النبوي، ص: 25.\
[14] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص: 664.\
[15] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 67.\
[16] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 56-57.\
[17] الإحسان ج1، ص: 203.\
[18] عبد الرحمن ابن خلدون، شفاء السائل، ص: 59.\
[19] الإحسان ج1، ص: 206.\
[20] نفس المرجع، ص: 307.\