فيما بيننا وبين المعارضات الحزبية السياسية المناوئة للحركة الإسلامية التعارض جلِيٌّ، ويوَدُّ المتقربون للإسلام “المخزوني” والمتربصون والمنافقون لو يظفَرون بمعارضة من جانبهم غير مسؤولة، يدفعوننا نحن للمسؤولية لِرَأْبِ ما صدعوه وليتفرجوا على فشلنا بعد أن ينصبوا لنا الأشراك. يجب أن نحصُرَهم لتكون معارضتُهم لنا في الوضوح والمسؤولية وبمعيار الإسلام الذي لا يعارض السياسة الفاسدة في التسيير السياسي فقط، لكن يعارض الفساد الأخلاقي والانحراف العقدي والتسيب السلوكي والتغرب الفكري.

وفيما بين الفصائل الإسلامية، والتعدد في الاتجاهات والاجتهادات أمر واقع، قد يَستصعِب البعض أن يكون اختلاف وتعارض. ويسود لدى الإسلاميين في الجملة التصور الإجماعي التواق إلى وحدة لاَ يُسمَعُ فيها همسٌ مخالِف. وهو تصوُّرٌ تخلفي مما تركته قرون السكوت تحت طائلة السيف من بصمات في نفوسنا. فتحت السيف لا يكون إلا إجماع الموافقة إمّا “لعجز الطالب” كما يعبر ابن تيمية رحمه الله وإمّا لحفظ وحدة وهمية، وتحت الرماد الجمر المتقد.

ينبغي أن نقبل الواقع الطبيعيَّ بصدر رحب، واقعِ وجود الخلاف عند الإسلاميين، وأن نعالجه المعالجة البناءة، وأن نَفْسَح المجال للرأي والرأي المخالف. ويتوقف نجاحنا في الدعوة والدولة على قدرتنا وحكمتنا في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة غير منافقة، صادعة بما عندها لا منطوية على الكمد.

وما هذه الخلافات بين الصحابة رضي الله عنهم التي أدت إلى المقاتلة بالسيف إلا صنعٌ من صنع الله تعالى لنعتبر ونتعلم أن الموافقة الصامتة لا تكون إلا بين الأموات أو المقهورين المسلوبين صوت الحرية.

في ظل دولة القرآن ينبغي أن ترتفع هامات الصدق وقول كلمة الحق لكل من أخلّ بمسؤوليته من راع في إمارته، وراعية في بيتها، وخادم ومخدوم، ومدبِّر عام، وعامل خاص. في عموم وجوب قول الحق ومعارضة الباطل نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم! فقد تُوُدِّعَ منها”. رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.

لم يكن الصحابة على عهد النبوة والخلافة الأولى إمعاتٍ، بل كانوا يستنشقون رَوْحَ المسؤولية، ويتقدمون بالمبادرة الإيجابية. أحياءً غيرَ أموات.

تَرَبَّى على المعارضة وسماع النقد وطلب النصيحة عمر وأمثال عمر. لذلك قدَّم شرط إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). ولذلك كان يقول: رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي).

كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم”، ص: 136-138.