حياة بلا كرامة لا تستحق الاستمرار) هكذا جسد البوعزيزي قناعاته في أرض الواقع وهكذا أوصل رسالته إلى شاشات العالم كله لتتلقاها الشعوب العربية الإسلامية على الهواء مباشرة وتعمل على حل رموزها وكشف شفراتها بشكل أعجز أجهزة الاستخبارات العالمية ومراكز التنظير وأدعياء التنبؤ عن توقع ما نتج عن هذا التصرف الخاص -بغض النظر عن حكمه الشرعي- من زلزال عام أطلق عليه الربيع العربي وما نتج على إثره من ارتدادات ورجات ساهمت في إنتاج تحولات على مستويات شتى.

إن الحديث عن أي تحول يستلزم بالضرورة محاولة الوقوف على صانعه أو صناعه، والبحث عن أسبابه والعوامل المساهمة فيه، ومدى الأثر الذي يتركه في الواقع حالا ومآلا على الأفراد والشعوب والدول.

البداية على يد واحد من الشعب

لم تكن الشرارة الأولى للانتفاضات العربية على يد النخب والسياسيين وأصحاب القرار بل أطلقت على يد واحد من الشعب وهذا يؤصل مبدئيا لشعبية التحولات الراهنة بعيدا عن مزايدات المزايدين. فالرسالة القوية التي بعثها البوعزيزي وتلقتها الشعوب العربية إما بدافع العاطفة أو بدافع الغضب الدفين تمثل ظاهرة ينبغي تجاوز وصفها السطحي كونها حالة شاب حاصل على شهادة الإجازة لم توفر له الدولة فرصة للعمل، فصبر ولم ييأس واختار أن يبدأ حياته بعربة لبيع الخضر، لتأتي بعد ذلك سلطة الدولة لتقضي على حلمه للمرة الثانية، فهذا التحليل يبقى قاصرا عن إدراك عمق المسألة التي إن أطلنا الفكر فيها وما نتج عنها فهمنا جملة أمور:

إن التحولات الكبرى يبدأ بصنعها واحد من الشعب يملك قناعات خاصة مؤهلات ذاتية تحت ظروف معينة.

إن أي تغيير يقتضي عملية اجتماعية تجمع القوى المجتمعية تعاقدا وتعاونا وتشاركا التزاما بسنن الله في الكون.

هل الشعب أقيل أم استقال؟

إن الشعب غالبا ما يكون مفعولا به لا فاعلا، أو مجرد آلة للفعل مركونة في الأطراف لا يعتد بها إلا وقت الحاجة حتى أصابها الصدأ ولحقها التلف يعاني من التهميش في صمت ولا صوت له. هكذا أريد للشعوب أن تكون مقلمة الأظافر منزوعة الأنياب، مروضة على السمع والطاعة، مطرودة من عملها أو مستقيلة بإرادتها من مهامها العامة لتتفرغ لهمومها تلهث وراء ما تبقى من الفتات علها تسد الرمق وتضمن العيش، عيش بذهنية رعوية تنتظر المخلص، ولا تملك إلا الشكوى والتذمر. فاقدة للإرادة والقدرة على المواجهة. فالفقر والحاجة تجعل الإنسان حبيس البحث عن لقمة العيش، غير مبال بما يدور حوله وما يحاك ضده. فالإنسان الجائع لا يهتم كثيرا بالمبادئ والأفكار، فهمه منصب أساسا حول لقمته ولقمة عياله، ومن ثم فقدان مناعة المقاومة وروح المبادرة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: فلطول ما عانت الأمة من تعسف واستبداد فقدت حس المبادرة، وفقدت القدرة على الاستقلال بالفكر والتدبير. جماهير مهزومة أمام الفقر والجهل والمرض، أمام هم السكن، أمام الخوف من الحاكم، أمام عادة الخمول المتجذرة، الموروثة. جماهير عرضة لتأثير الخرافات، والدعايات، والمنافسات التافهة، جماهير حولتها حضارة الاستهلاك التي اتخذتنا سوقا إلى عجزة عالة على ما ينتج الأجانب، وما يفكرون، وما يسمحون. تردينا إلى ما يشبه حالة الحيوان الداجن يعلفونه أو يجيعونه، يضربونه أو ينخسونه، ولا يملك لنفسه إلا الشكوى المكبوتة، ويسمي لتبلده هذا الخنوع صبرا). طيور في قفص، قاصرون في حجر الوصاية المستبدة، راضون بكل خسف وضيم، منصرفون عن الرجولة: هؤلاء إلى الترف المردي، وأولئك إلى الهم المقيم، والبؤس السقيم) 1 وكل يرفع شعار لعن الله ساس يسوس وما تصرف منها) ليبرر خموله واستقالته من الاهتمام بشؤون الأمة.

فئة من الشعب المنوم أفاقت، كسرت جدار الصمت وخرجت ثائرة لتقول كلمتها

عجب أبو ذر الغفاري لمن يعاني عيشة قاسية دون أن يخرج ليبدي اعتراضه على أحواله فقال: عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس) يبقى الحق لعموم الشعب في الخروج طلبا لإحقاق الحق ودفع الظلم وهذا يعني عدم الاقتصار على الشكوى العاجزة والانتظار القاعد للمخلص من غزو التفقير والنهب والاحتلال العسكري والاقتصادي والثقافي والعمل على حشد الطاقات والتكتل والتفاعل بين الناقمين على الظلم فيتجندون تحت لواء واحد من أجل مطلب الحرية والعدل والكرامة. لكن لا يمكن تصور خروج الشعب عامة بل من رحم هذا الشعب تخرج فئة تغادر الصبر والشكوى والتذمر وحالة عدم الرضى في الحيز الخاص، وحملها إلى الحيز العام) 2 . هذا الخروج إلى الحيز العام قد يكون على شكل احتجاجات ثورية وهذا يصدق على حالة الربيع العربي وقد يكون الخروج عبارة عن اتخاذ مواقف ممانعة من الأنظمة والإسهام في بناء مشروع مجتمعي عادل بشكل مدروس وحكيم ليس وليد اللحظة ولا هو ردة فعل آنية، فأي بناء راسخ وشامخ يحتاج إلى موقع أساس ومادة وأركان ومصاعد وطبقات وعمال كل في تخصصه حتى الوصول إلى قمة التغيير، فالتغيير لا يكون بمجرد ضربة بعصا سحرية ولا بهبة جماهيرية تهز أركان الظلم ثم تهدأ، ولا بهبة يهديها الخارجون للقاعدين هنيئة مريئة، ولا بإجراء إداري يطبق على الواقع بل للتغيير من أسباب حتى العودة بالأمة لتقرر مصيرها بإرادتها الحرة وتثبت وجودها بقوة الساعد المنتج والعقل المستنير بنور الوحي وتنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية وليصبح أمرها شورى بين أفرادها وتعمل الأمة على حمل عبء الحاضر والمستقبل.

الوعي الشعبي والتخلص من عقد الهزيمة النفسية والإرادة الفاعلة والتعبئة الرحيمة أسس اختيار مسار التغيير.

لا يمكن أن نتحدث عن التغيير دون الحديث عن الذات الفاعلة وعن إرادتها ووعيها بالتغيير إذ من العوامل الأساسية لأي تحرك شعبي نمو الوعي الاجتماعي حيث يدرك الفرد ذاته وحقيقة نفسه وعلاقته بالبيئة المحيطة به ويستطيع أن يستوعب ما يدور حوله وما يحاك ضده، ويتفاعل معه بالطريقة الإيجابية الصائبة وبالحكمة المطلوبة، فالوعي خطوة مهمة في تطوير الذات وخلق الإنسان المبدع المتفهم القادر على اتخاذ مواقف إيجابية أو سلبية نحو قضية ما، والقدرة على تصور بديل للواقع وفق ما يؤمن به ومن ثم فالواعي هو الذي يترجم وعيه إلى إرادة الإسهام في بناء المجتمع وتطوره. إذ أن بناء الإرادة مرحلة من المراحل الأساسية من مراحل النضج والاقتناع والفعل في الواقع.

فما كان لهذه الحشود أن تخرج لولا وعيها التام بحقوقها وإيمانها الكامل بعدالة قضيتها، ووعيها التام بواجباتها نحو الأمة ونصرة المستضعفين والوقوف إلى جنب المظلومين تأييدا وتمثيلا، وكذا قدرة الطليعة على التخلص من العقد النفسية التي كانت تكبلها وتمنعها من الصدع بالحق، فبعد أن دان الناس بدين الانقياد والطاعة العمياء السلبية لمن يحمل الأسواط المادية والمعنوية انبعثت الإرادة المغيرة والفاعلة من داخل صدور فئات كبيرة من الشعوب لتنبذ ذهنية الخنوع التي صيرتها مفعولا به في التاريخ منصوبا لكل ذل مجرورا بأي أداة طمعا في أن تصبح فاعلا مرفوعا عزيزا.

فمن فضائل الحراك الشعبي أنه كسر حاجز الخوف والتخاذل والإحباط والدونية والاستكانة للواقع المأزوم وكذا كسر حاجز المفاهيم المقدسة والأحكام الجاهزة ورفع الحصانة عن أفعال كانت سبب التعاسة والاستضعاف وجعلها قابلة للنقد والتعديل وأتاح الفرصة لبناء أفكار وفق ما تريد الشعوب لا ما يراد بها ثم جعل الميادين هي المرجع لتقييم الوعي فيه تنفذ البرامج والوعود وشاشة لعرض المنجزات. وهي المصدر الذي يضفي الشرعية على السلطات السياسية. ومن ثم فتح باب الأمل في التغيير وإعادة ثقة الشعب في مؤهلاته وقدراته، مما جعل السلطات الحاكمة تأخذ غضبة الشعوب بعين الاعتبار.

دور إعلام المواطن في تحريك الاحتجاجات وتعبئة السواد الأعظم

قامت وسائل التواصل الاجتماعي بدور ملموس في حشد المتظاهرين وتوجيههم مما جعل الذين كانوا يختزلون نشاطهم وراء الشاشات ينزلون للشوارع محققين بذلك مرحلة انتقالية متقدمة من الرضوخ المهين إلى الوعي السياسي، فالإعلام الجديد وفر للشعوب العربية المتعطشة للحرية والعدالة القوة والمعلومة ومن ثم أصبح الشعب العربي يرفض السلطة الفوقية وعمل على كسر احتكار المعلومة والقضاء على العلاقة العمودية بين طرفي العملية التواصلية، إذ بات الجمهور هو الذي ينتج محتوى ما يريد أن يتواصل به وبهذا كسرت وسائل الاتصال الحديثة ثنائية النخبة التي تصنع الأفكار وتنتج الخطاب والجمهور الذي يكتفي بالتلقي، فأصبح ما يسمى بالمواطن الصحفي المسلح بهاتف جوال أو كاميرا يصور الواقع صورة أصدق إنباء من الخبر المتلو. الأمر الذي جعل الدول ترفع سيف الإعلام المضاد ومحاولة التشويه والتنقيص والتخويف وطرح نظرية التآمر.

التحركات الشعبية أماطت اللثام عن ما أطلق عليه (فقه الثورة)

من مزايا الثورات العربية صدور مراجعات في الفقه السياسي الإسلامي، حيث أثار خروج الشعوب إلى الشوارع واعتصامهم بالميادين العامة نقاشا كبيرا حول مشروعية التظاهر، وشرعية إمامة المتغلب ومسألة انتقال السلطة بالوراثة حيث عارض بعض العلماء خروج للناس للاحتجاج باعتباره فتنة أو يقود إلى الفتنة وشاعت مقولة: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) وحرموا الخروج على الحكام، في مقابل ذلك وجدنا مجموعة من العلماء والمفكرين الإسلاميين الذين رفعوا الحرج عن من اختار الخروج للساحات والشوارع للتعبير عن رفضهم للظلم والاستبداد والفساد المالي والسياسات المنتهجة ومطالبتهم للأنظمة بالإصلاح وبعد ذلك بإسقاطها ورحيل رموزها فأصدروا فتاوى تجيز اختياراتهم باعتبار أن الفقه السياسي الإسلامي فقه ينبني على قواعد وضوابط لابد منها لإضفاء الشرعية على الحكم القائم، وطاعة الحاكم مرتبطة بهذه الضوابط وجودا وعدما وتدور معها حيث دارت، من أهم هذه الضوابط: حق الأمة قاطبة في اختيار حاكمها تمارس هذا الحق بحسب الاستطاعة والإمكان لكل زمان ومكان. حقها في المشورة في تدبير أمورها، حقها في أن تنعم بالعدل.

وقد أصدر الأزهر بيانا على إثر الحراك العربي بعنوان بيان الأزهر والمثقفين لمناصرة الحراك العربي) ذكر فيه الآتي: تعتمد شرعية السلطة الحاكمة من الوجهة الدينية والدستورية على رضا الشعوب، واختيارها الحر، من خلال اقتراع علني يتم في نزاهة وشفافية ديمقراطية، باعتباره البديل العصري المنظم لما سبقت به تقاليد البيعة الإسلامية الرشيدة، وطبقا لتطور نظم الحكم وإجراءاته في الدولة الحديثة والمعاصرة، وما استقر عليه العرف الدستوري من توزيع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والفصل الحاسم بينها، ومن ضبط وسائل الرقابة والمسائلة والمحاسبة، بحيث تكون الأمة هي مصدر السلطات جميعا، وهي مانحة الشرعية وسالبتها عند الضرورة. وقد درج كثير من الحكام على تثبيت سلطتهم المطلقة متشبثين بسوء الفهم للآية القرآنية الكريمة: )أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم 3 متجاهلين سياقها الشرطي المتمثل في قوله تعالى قبل ذلك في الآية التي تسبق هذه الآية مباشرة: )إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم أن تحكموا بالعدل 4 مما يجعل الإخلال بشروط أمانة الحكم وعدم إقامة العدل فيه مسوغا شرعيا لمطالبة الشعوب للحكام بإقامة العدل، ومقاومتها للظلم والاستبداد، ومن قال من فقهائنا بوجوب الصبر على المتغلب المستبد من الحكام حرصا على سلامة الأمة من الفوضى والهرج والمرج فقد أجاز في الوقت نفسه عزل المستبد الظالم، وإذا تحققت القدرة على ذلك وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها) 5 . وهذا موافق لما درج عليه بعض العلماء مثل الجويني الذي ذكر في مسألة عزل الإمام: فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستأجر الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعي الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطل الثغور، فلابد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم إن شاء الله. وذلك أن الإمامة إنما تبتغى لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة). ويعلق الدكتور الريسوني على هذا بقوله: وبهذا يظهر أن مناهضة المفاسد والمظالم والانحرافات إذا ما استفحلت واطردت، ولم ينفع معها نصح ولا صبر، أمر لابد منه، بحسب ما يلزم في كل حالة وكل درجة، ولو تطلب ذلك إسقاط شرعية الحاكم وإعلان خلعه وتنحيته، وأن ذلك ليس من باب الفتنة، بل هو من باب دفع الفتنة وقطع دابرها) 6 .

خاتمة

إن كانت ثورات الربيع العربي أسهمت في نزع القدسية عن الأنظمة المستبدة وطرح إمكانية نقدها ثم بعد ذلك إسقاطها أو إسقاط رموزها. إلا أن هناك من عمل على سرقتها والتحكم فيها وتحريفها عن مسارها وأهدافها وذلك بدعم خارجي يعمل على إجهاضها قبل اكتمال تحققها وقلب مجريات الأحداث أو استباقها بمبادرات استعجالية أو أنصاف حلول تعيق سيرها الطبيعي. مما يتطلب تحصينا ضد ما يحاك ضد الأمة وتربيتها وتجنيدها وتدريبها على مهارات تدبير الاختلافات بين فئات المجتمع وذلك لتجاوز المرحلة الحساسة التي تعيشها الأمة الإسلامية. إذ أن عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة كما قال الإمام علي رضي الله عنه وفي السواد الأعظم من الأمة سر القوة وبركة النصر) 7 كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.

انظر المقال على موقع مومنات نت


[1] إمامة الأمة ص45.\
[2] عزمي بشارة في الثورة والقابلية للثورة ص13.\
[3] النساء 59.\
[4] النساء 58.\
[5] البيان الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2011 عن مشيخة الأزهر.\
[6] فقه الثورة للريسوني ص39.\
[7] إمامة الأمة ص34.\