تحل علينا الذكرى الثالثة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، وأعلى مقامه، ذاك الرجل الذي طواه الردى حكما وقضاء، كتابا مؤجلا، لكنه قطعا لم يمت في قلوب الآلاف من الرجال في مشارق الأرض ومغاربها، لأن الرجال وإن رحلت أجسادهم، فإن غراسهم لا يذبل أبدا، وإن صناعتهم مسجلة بمداد من ذهب لن يتجاوزها الزمان ما بقي، وإن تجارتهم الموصولة بالإخلاص لله، والرحمة بخلقه، لن تبور على مر الدهور.

الرجل المربي القدير، الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، الذي تشرفت الآلاف من تلامذته بالأخذ من معينه، منذ ما يزيد عن 30 سنة، يوم أن انضمت إلى مدرسته الفريدة مائدتها، في غذائها الروحي والفكري والرجولي، رجولة إيمانية: شهامة وإقداما وثباتا وعزة وإباء.

ذلكم الرجل الذي ولد مشروعه الإنساني التربوي الفريد، من رحم المحن، واستوى على سوقه في عز الفتن، وسلمه – وهو يودع الدنيا – لتلامذته قرير النفس والعين. رجل رسم لنفسه مشروع إصلاح الإنسان، فانخرط فيه بكليته، بذلا وعطاء وفداء، برفق دعوة لا يضاهيه فيه مثله، صبرا وتدرجا واحتضانا، وعزة في الحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولا سطوة ظالم، ولا غضبة حاكم، وتلكما والذي نفسي بيده، صفتان لا يجمع بين عطفيهما إلا من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، شاءت الأقدار، أن يشع نور مشعل دعوته، من ظلام دامس، ووسط عاصفة هوجاء لا تبقي ولا تذر، يوم أن خط رسالته الشهيرة الإسلام أو الطوفان) في أكثر مئة صفحة، إلى ملك المغرب الحسن الثاني رحمه الله، في عز جبروته، وسطوة قبضته، فكان الجواب: أن زجوا بالشيخ في مستشفى المجانين، بدعوى الخرف، وما فقهوا أنها سنة لكل دعوة شريفة. ويخرج الجبل بعدها – وصاحباه رحمهما الله، الأستاذان الصبوران محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ- صلب العود، قوي العزيمة، مهيب الشكيمة، وقد أدى واجب النصيحة للحاكم، بأدب جم، ونية صادقة، وحجة بليغة، يتحاجان بها أمام الله الفاصل بين العباد، ولات حين مناص.

ويشق الفارس طريقه وسط بحر هائج، عزت فيه كلمة الحق، وندرت فيه حركة رشيدة لمشروع إسلامي نبوي رحيم، يجمع بين تربية الإنسان المتكاملة قلبا وفكرا وسلوكا، فكان لها نعم المؤسس، ونعم الناصح، ونعم الحكيم، دون ادعاء، ولا نكران للآخر، ولا استفراد بالأمر، يطرق أبواب العلماء، مستنهضا الهمم، مذكرا رواد الأمة بواجبهم في قيادتها إلى رشدها ورشادها، تربية وبلاغا ونصحا للراعي والرعية، لكن سهاد النائم وبعبع الحاكم، كانت جلبتهما أقوى وقعا، وأنكى أثرا على علماء عصره، وبنفس الهمة والعزم، يمد يده للحركات الإسلامية يومها، للتعاون والتوحد، فحسبوه – غفر الله لهم – طارئا ضعيف الدربة، قليل الرهط، طريد القصر، فأنى لهم لمثل هذا القران.

لكن عزيمة الرجل ويقينه في الله تعالى، أوعزا إليه بمواصلة المسير، ليبدأ في تأليف آلاف القلوب حوله، رغم الحصار المطبق على دعوته، فكان رحمه الله سجين جسد بين أسوار منزله، أو وراء أسلاك سجن حكام، لم يراعوا فيه مكانته العلمية، ولا حذاقته التربوية، ولا شيبته الرجولية.

ومع توالي الأيام والشهور، تزداد دعوة الرجل قوة ونماء، فيذيع صيتها في الآفاق، برفقها في التبليغ، وبعدها عن عنف الخطاب والسلوك، وقوتها في الحجة والشجاعة والفتوة، فكانت نعم الملاذ، لجيوش من الشباب كانوا وقتها، زمن العنف المضاد، قنابل موقوتة لا يبقي شررها ولا يذر، وليت الحكام وأزلامهم بمغربنا الحبيب، منحوا لأنفسهم فرصة فهم مرمى الرجل الفذ، المحب الرحيم، فاتخذوا من نظرته في التربية غنما نفيسا، عز نظيره في الحركات التغييرية، حيث التربية أساس، والحوار مقدس، والعنف في عداد الدنس.

وتنصرم ثلاثة عقود من جهاد الرجل الصبور، يصل الليل بالنهار، مقبلا على ربه ذاكرا داعيا، حاملا هم أمته بقدره راضيا، لم تنل المحن ولا الإحن من عزيمته، وقوة شكيمته، وصرامة قوته في الحق، فيجدد النداء النصيحة في رسالة للملك الابن، محمد السادس، مذكرة لمن يهمه الأمر)، بأدب جم، ونصح خالص، غايته الله، ونهايته مصلحة وطن يئن تحت وطأة الظلم والفقر والفساد، ويستأنف الرجل الطريق، وقد أراح نفسه من واجب النصيحة غير آبه بمآلها.

عاش رحمه الله، يمد يده البيضاء إلى المخلصين من أبناء الوطن، علماء وحكماء، ساسة وقادة، مثقفين وعامة، أن هلموا جميعا إلى كلمة سواء، كلمة تعيد للأمة مجد دنياها بإرساء دعائم العدل الذي لا تقوم الحياة الآمنة إلا به، وأجر آخرتها بغرس معاني الإحسان الذي لا تصفو آخرة العبد ومصيره إلا به، مجددا ومحييا وجامعا ما انفصم من أمر الأمة وانكسر، منذ انكسار الخلافة على منهاج النبوة، الانكسار الذي دشنه بنو أمية، بالحكم العضوض الوراثي، لتتوالى بعده قواصم الأمة تترى، تقسم دين الأمة مزعا، لتفتح باب الفتنة مترعا، وقد فقه رحمه الله أثر هذا الانكسار، فجعل اجتهاده في التربية والحركة والتغيير منوطا بفقه أحداث تلك المرحلة من تاريخ الأمة، مسترشدا بحديث الخلافة 1 ، الذي يرسم للأمة مراحل بلائها في الحكم، المفضي إلى تفكك عرى الإسلام عروة عروة. وقد أمسى هذا الاجتهاد وما تلاه من نشر في أوساط الأمة، وتأسيس مدرسة على منهاج النبوة، حركة جادة أثارت انتباه وشغف الآلاف من أبناء الأمة في الداخل والخارج، فارتادوها من كل فج عميق، لتستوي اليوم – وهي تودع الإمام المؤسس رحمه الله – على سوقها حركة تربوية اجتماعية تغييرية بداخل الوطن، تعجب الزراع من المخلصين، وتغيظ مناوئي الحرية والعدل والانعتاق من قبضة الهوى وشهوة السلطة، ومدرسة نيرة تبشيرية وراء البحار، تقدم رسالة الإسلام لأمة الدعوة في أرض الله الواسعة، حيث حرية الكلمة، وكرامة الإنسان.

وبعد، فقد أرادوا للإمام المجدد رحمه الله، أن يعيش منعزلا في جزيرة حي السلام بسلا، فحاصروا جسده النحيف ما يزيد عن عشر سنوات، لكن فكره وروحه التواقة للحرية والعدل، كانت عصية على الحصار، فشع وشاع نور دعوته مشارق الأرض ومغاربها، وسيشهد التاريخ أن ثمة رجلا – وأي رجل – كان هناك في المغرب الأقصى، حُرم أبناء وطنه وجلدته، من مجالسته والسماع منه، مما آتاه الله من خبرة في التربية والتوجيه والبناء.

ويرحل الفارس المغوار، قرير العين، سعيد الروح، وقد خلف وراءه ثروة علميةتتحرك على أرض الأمة – ألحقه الله بإخوانه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في مقعد صدق عند مليك مقتدر – وتواصل سفينة مشروعه سفرها في عباب البحر، لترسو بإذن الله حيث شاء لها ربها، فما ضاع جهد خلص فيه قصد السلف، وشدت على أمانته همم الخلف.


[1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا – يصيب الرعية فيه عسْفٌ وظُلْم، كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا – فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت). رواه أحمد.\