إنّ من مشاريع الإصلاح التي جعلت من التربية الإيمانية مدخلا للتغيير الفردي والجماعي نجد مدرسة العدل والإحسان ومرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؛ حيث إن المستقرئ لمكتوباته وأقواله يجد اعتناء مبدئيا بالتربية -بمفهومها الشامل- التي تلامس مختلف جوانب الشخصية الإنسانية؛ ابتداء من قلبه ووجدانه ومرورا بعقله وفكره ثم أخلاقه وسلوكه. حيث يكون الأصل الذي يستند عليه كل فعل يروم تغيير الفرد والأمة هو البيان القرآني الذي كان صريحا في تشخيص أصل الداء ودقيقا في توصيف العلاج فلا تغيير للأحوال إلا بتغيير الأنفس: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ 1 .

لذلك اعتبر الإمام رحمه الله أن المسلم الذي فعلت فيه التربية فعلها يتغير موقفه من نفسه ومن خالقه ومن الكون. وعندما تتغير علاقاته وأخلاقه وتصوره تبعا لذلك يتغير ما به من رذيلة وظلم اجتماعي واستبداد سياسي وعجز اقتصادي وخمول فكري وتبعية للجاهلية… لكن الأساس في ذلك أن المادة النورانية التي تفرزها التوبة الصادقة لهي العلاج الفعال للغرائز الوضيعة التي تفتك بالنفوس العليلة من قبيل: الطبع العنيف والانتقام والسلوك العدواني والتعالي على الخلق…

إن هذه المعالجة المستمرة هي التي تكسي النفس المؤمنة جمالا يظهر في سكينتها وطمأنينتها ويتلمسه غيرها في صبرها الجميل وصفحها وبذلها وتطوعها وحملها للأعباء.

ثم إن تزكية النفوس وتربية أفراد الأمة بالتدريب والتأهيل لهي العامل الحاسم في إيقاظ الشعور الجماعي للأمة وتقويم سلوكها حتى ترفض التعسف والاستبداد، ويصبح الوقوف أمام كل انحراف أخلاقي وسياسي أو إخلال بالمسؤولية حركة طبيعية لكل رجل وامرأة. واعتبر الإمام رحمه الله عملية بناء الأمة من على أنقاض تخلفها وهوانها وتبعيتها لا يمكن أن ينجح إلا بالرجوع إلى الدواء القرآني لأمراض القلوب، الذي ينتقل بالعلاقات الاجتماعية من الجفاء إلى التعارف، ومن الانعزال إلى التآزر وكل معاني التراحم.

كذلك تستطيع التربية القرآنية التي جسّدها السلوك النّبوي أن تغيّر من وعي الأمة لتستبدل نظرتها وموقفها من غيرها من الأمم والمجتمعات من الخصومة والعداء أو التبعية إلى تقديم نموذج الرحمة ومدّ اليد من أجل التعاون على تحقيق مصلحة الإنسانية جمعاء.

يسعى المشروع التغييري للإمام رحمه الله الذي ينبثق من التوجيه القرآني والنموذج النبوي نحو تحرير طاقة الإنسان الكامنة وتجنيد رشيد لمقوماته العقلية والنفسية والإدراكية والجسدية، تحرير وتجنيد يجعلان منه محدداً رئيسياً في الفعل التغييري الكوني.

الخطاب القرآني يرسم للإنسان في كل زمان ومكان المسار الأمثل للتكريم، فهو يخطو به من مخلوقيته ومقهوريته إلى تتويج وجوده باختيار العمل الصالح، الذي ينال به الكرامة عند الله في الدار الآخرة 2 ، يشرح الإمام رحمه الله الحديث: “إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم (وأعمالكم)” 3 . ويعلي من شأنه كونه يُبيّن ميزان الإسلام في نظرته وتقييمه للأشياء، فهو لا يعتني بالمظاهر بِقَدْرِ ما يعتني ببواطن الأمور وحقائقها، لأنها هي المِقياس الصادق والميزان الدقيق الذي يُعطي النتائج الصحيحة لكلّ شيء، ففي هذا الحديث يوضّح الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ مَحَلّ نظر الله سبحانه وتعالى من الإنسان هو قلبه، وهذا لا يعني أنه لا ينظر إلى جسمه وشكله وتصرفاته.

هذا التصور يشكل قاعدة التغيير بحق، والضمير الحي والفاعل النشيط الذي يؤثر في العالم الخارجي حوله بدافع باطني إيماني، وعزيمة ماضية، ووفق منهاج تربوي متكامل يودع قلبه إيماناً، وعقله حكمة، وجسمه قوة وعافية. وليس موضوعاَ فقط ينفعل مع عوامل التغيير، ويسير في ركاب حتمياتها ولو كلفه ذلك التجرد من إنسانيته، والخروج عن المغزى من إيجاده وإمداده.

لذلك واستجابة لقانون التغيير القرآني الذي قرن تغير الأحوال العامة بتغيير حال الأفراد، الذي يبتدئ أساسا من سؤال غاية الوجود والمصير والمعاد يقول الإمام رحمه الله: إذا طرحنا سؤال المعنى والمصير، فيجب أن نطرحه بالنسبة لأفراد الإنسان ومصير كل فرد بعد الموت، فإن معقد كل عمل وكل علم إنما هو شعور كل فرد بنفسه ومعنى وجوده، وإن مجتمعا يتكون من أفراد، وتربطهم دواعي الوطنية والقومية والعرقية والفخر الحضاري، غير مجتمع يحمل أفراده على التعاون على هم الآخرة وضرورة تهييئ الحساب فيها) 4 . لذلك يشكل التمثل والاقتداء بالنموذج النبوي في التربية عقيدة راسخة لدى الإمام رحمه الله حيث وهب جهده كاملا لتتبع معالم هذا المنهاج لتشكيل تصور متكامل.

رسائل الإمام إلى الإنسانية جمعاء

من المميزات الأصيلة في المشروع التربوي للإمام رحمه الله نهله من القرآن الكريم والسنة الغراء، فرسالة الإسلام موجهة للإنسان من حيث إنسانيته بغض النظر عن أصوله التاريخية والثقافية ودون التقيد بحدوده الجغرافية؛ ذلك أن الشرعة خاطبت الإنسان، والمنهاج حقق النموذج الإنسان)، والخطاب القرآني خاطب الإنسان من حيث إنسانيته، خاطبه من حيث فطرته ومخلوقيته ولا يزال يخاطبه) 5 .

اعتمد الإمام رحمه الله في طرحه لقضية المشترك الإنساني على خطاب القرآن وتوجيهه، كما تبنّى مضمونه باعتبارها اللغة الإنسانية النافذة إلى مكنونات النفس البشرية والقادرة على تبصيره بمعنى وجوده وغايته في الحياة ومصيره بعد الممات، حيث إنه يرسم للإنسان في كل زمان ومكان المسار الأمثل للتكريم، فهو يخطو به من مخلوقيته ومقهوريته إلى تتويج وجوده باختيار العمل الصالح، الذي ينال به الكرامة عند الله في الدار الآخرة 6 .

هذه الرسالة العالمية التي تنشد الخير للإنسان تهدف إلى تغيير المجتمع، بنياته واقتصاده وسياسته، ويشرع لذلك شرائع، ويرسم له منهاجا. لكن ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل) 7 .

من هذا المنطلق يعتبر الإمام رحمه الله أن تحقيق كرامة الإنسان وحريته تنبع من كونه مخلوقا سماويا بروحه، يثقله الجسم الأرضي بحاجاته، و ظروفه الحيوية، والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية عن الصعود من سجنه الأرضي إلى سعادة الأبد. فيريد له الإسلام أن تعبد له الطريق، و توفر له وسائل رحلة ناجحة، فيما بين نقطة ميلاده و لحظة موته، من حيوانيته لروحانيته، من غفلته عن الله عز وجل لذكره، من كبده في الدنيا لارتياحه بلقاء ربه وهو عنه راض) 8 لذلك فالتغيير التربوي الذي ينصب على التغيير النفسي والعقلي للناس) 9 هو الشرط اللازم الذي حدده القرآن لكل تغيير نحو الأحسن أو الأسوإ، و من تم وجب على أهل القرآن أن يصرفوا همهم إلى الإنسان في خصوصياته النفسية الخلقية القلبية الإيمانية. وفي مساره في الدنيا، ومصيره منها، وما يسعده سعادة الأبد أو يشقيه شقاء الأبد) 10 .

إن العلاقات الاجتماعية والإنسانية في هذا المنهاج محكومة بالباعث الإيماني الذي يسعى لخدمة الناس وبذل الخير دون تمييز، وأجل هذه الأعمال وأعظمها هو تعريف الخلق بربهم وبرحمته بهم. تؤطر هذه الحركية مفاهيم ذات طابع تأصيلي وتجديدي جعلها الإمام رحمه الله موجِّهة لهذا البعد الإنساني الكوني في مشروعه.

1- الأخوة الآدمية

لبني الإنسان قواسم مشتركة لأن خالقهم واحد ولأن مصيرهم كذلك، يعيشون فوق نفس الأرض ويستغلون خيراتها، لذلك يعتبر الإمام رحمه الله الرحم الإنسانية مشتركة بينهم يقع على عاتق حملة رسالة الإسلام وجوب تأدية حقها، قال الله عز وجل:)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ 11 تَسَّاءلون: تُسْألون عن الرحِمِ الآدمية هل أديتم حقها، وفي مقدمة حقها البلاغ والبيان والشهادة بالسلوك النموذجي والإحسان، والجهاد الدائم لكشف عوائق الظلم حتَّى يسمَع الناس جميعا كلام الله تعالى) 12 .

إذا كان حافز فضلاء الإنسانية من غير المسلمين المروءة والأخلاق فإن دافع الأمة لذلك استجابة للأمر الإلهي العلوي، وجهدهم منصب على تقوية المساحات المشتركة وتعميقها يأس وحاذيهم في ذلك الرحمة والشفقة بالخلق، ويُملي ذلك عليهم إيمانُه من أعلى واجب حقوق الإنسان، من جانب الدين والمروءة معا، يَقف باعث المروءة عند معاملة المثيل البشري بتوفير كرامة العيش الدنيوي، ويطلُب الدينُ أن تحسن إلى الناس في معاشهم بقصد أن تدعوَهم إلى صلاح مَعادِهم) 13 .

2- نصرة المستضعفين في الأرض

من الخصال الرفيعة الراقية أن يتهمم المؤمن وتأرق الأمة لظلم مظلوم ونكب مستضعف، وعظيم أن تنتج تلك التربية الإيمانية العميقة حسا رقيقا يألم لواقع المنكوبين من بني البشر، وتحفز كذلك على العمل الدؤوب والسعي المتواصل لإزاحة الظلم حتى يسمع الخلق كلهم نداء الكرامة الإنسانية والسعادة الأبدية، باعتبار رسالة الإسلام هي المخلصة للإنسان من كل عبودية لغير الله، يقول الإمام رحمه الله: وإن ما أوجبه الله عز وجل على المؤمنين من القتال من أجل المستضعفين يهدف بالنية الواعية إلى إزالة عوائق الظلم عنهم لتتأتى لهم فرصة الاستماع لبلاغ الإنذار وبيان البِشارة. فلا يسمع المشغول بقوت يومه مَن يحدثه عن غد بعيد. وما ابتلى به الله عز وجل العبادَ المُترفين من زينة الحياة الدنيا عائق آخر، يُكوِّن مع عائق الحرمان توازُنَ الشقاء والعذاب) 14 .

من واجبات المسلم والأمة المسلمة بذل الخير لكل محروم، واجبا دينيا قبل أن يكون أخلاقيا، تتعاون في ذلك مع كل ذي مروءة، الخبز في مذهبنا الإسلامي للجائع، والدواء للمريض والتعليم لطالبه. مذهبنا البر بمن تعرف ومن لا تعرف. ديننا أن في كل ذي كبد رطبة صدقة 15 .

عن الحكمة في التعامل مع الآخر المختلف معنا دينا وثقافة يجب أن يبحث العاملون لمستقبل الإسلام، عن مدّ يد العون إلى أحرار العالم يجب أن يسعوا، ليلفوا ذلك في قرآنهم وتراث سلف الأمة الصالح، حيث يقول السجل التاريخي إن المسلمين ما كانوا قساة ولا جفاة ولا جلادين للشعوب يوم برزوا بتلك القوة على مسرح العالم. ما دخل الناس في دين الله تحت طائلة السيف، بل حبب إليهم الإسلام فضائل الإسلام، وحبب إليهم الإسلام رفق المسلمين بهم وعدلُهم، واحترامُهم لحقوق الإنسان. يتحرك العالم، وتتغير الظروف، ويتقدم التاريخ ووسائل الإنسان، لكن المسلم لا يمكن أن يَسْلم له دينه إلا إذا كان رحمة لا نقمة. لا يسلم له دين ولا يصلح له حرث آخرته إن ظلم وتكبر في الأرض وطفف الكيل والميزان) 16 .

عطش الإنسان للكرامة والعدل لن يرويه إلى رجال تخرجوا من مدرسة رهبان الليل وفرسان النهار، الذين ينوبون عن الرحمة المهداة r في الرفق بالخلق والحرص عليهم، خصوصا والعالم اليوم تسوده علاقات تجارية باردة مميتة، علاقات الحِساب والربح المادي، واستثمار رأس المال، واللامبالاة بالإنسان، ويَسود المدينة الصناعية الكبيرة، ومدنَ القصدير، وبوادي الفقر، بؤْسُ العامل الذي حولته الآلة الصناعية لَولَبا من لوالبها، وحوله بؤس البطالة صعلوكا مخدرا، وحوله استبداد الثري المحلي دابة للحرث والحمل والجوع والتناسل في حظائر الهوان) 17 . من أرض البأساء يتطلع المستضعفون إلى رحمة يأتي بها إن شاء الله المقتحمون للعقبة.

3- ميثاق عدم الاعتداء

الحياة المشتركة تقتضي مما تقتضيه نبذ أخلاق الأنانية والاستعلاء والتمركز حول الذات والتحيز المرضي، بغية تحقيق التعايش وفق مقتضى الجماعة الإنسانية المتداخلة مصالحها المتكاملة أدوار أعضائها المندغمة حاجياتها، نتعايش ونتعارف ليس فقط للشبع من جوع والغنى من حرمان، بل للتحرر من عبودية البشر لبعضه البعض وحق الإنسان في معرفة ربه واختيار طريق السلوك إليه، ولأجل تبليغ هذه الدعوة وهي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه، وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة 18 .

المسلمون أصحاب رسالة رحيمة رفيقة تنسجم انسجاما كليا مع فطرة الكائن البشري وتوافق مطالبه وطموحاته وتربط مبتدأه بمبتغاه. يقول الإمام رحمه الله: القاعدة الطبيعية المادية للعمل والإنتاج والتكنولوجيا» هي القدرُ المشترك بيننا وبين أبناء الدنيا. وهم في عصرنا متمكنون من هذه القاعدة مستقرون في الأرض… في مقابل حضارتهم المادية التائهة يقترح علينا الإسلام، ويجب أن نقترحَ نحن على البشرية، مشروع مجتمع أخوي، عمران أخوي، لا مجرد حل إسلامي بديل) 19 .

وفي ذلك مصلحة الإنسانية المتآخية المتواصلة عوضا عن الواقع العِدائي الذي تذكيه إيديولوجيات الصراع والحقد والكراهية، وتقابلها فتاوى العنف والانتقام التي لن تجد سبيلها إلى العقول المستنيرة بنور الوحي والقلوب الشفيقة على الخلق، تلك التي انصرف كل جهدها لتحقيق وعي متعقل متجدد ينتصر للتعارف والتعايش والتبادل والتآخي بين أفراد الأسرة البشرية.

يقول الإمام رحمه الله: العقل المعاشي حظ مشترك بين البشر، نستعمل هذه النعمة التي أنعم الله بها على الخلق لعمل الصالحات لا للتدمير، لنفع الخلق لا لبث القطيعة بينهم، لرفع راية الأخوة بين بني الإنسان لا لصنع الموت والكراهية. بهذا أَمَرَ الله، ولهذا جعل لنا عقولا) 20 .

إنه نداء من صاحب مدرسة المنهاج النبوي إلى كلمة سواء على ميثاق عدم الاعتداء بين الأمم قوامه الرحمة والمحبة وغايته الأمن والسلام، يمدّ الجميع يده بوعي متجدد وإرادة صادقة لتحقيق كرامة الإنسانية التي أنهكتها الصراعات والحروب، يقول رحمه الله: نَمُد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم. إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان) 21 .

4- حقوق الإنسان

يعترف الإمام رحمه الله بكل مزية إنسانية في الحضارات الأخرى، ويعظمها ويجدها مناسبة لتعزيز التعاون والتقاء النوايا والأهداف، لذلك نجده يسمي نداء حقوق الإنسان بِـالنداء الكريم والمروءة الكبرى التي ينبغي أن يجتمع عليها بنو الإنسان ويجعلوها ميثاقا لإنسانيتهم) 22 .

غير أنّ مدار حقوق الإنسان في الإسلام وهدفُها تحريره من فتنة الدنيا ليخلُص إلى الآخرة في أحسن حالة تُرضي عنه ربه عز وجل. وكل ما يضمنه الإسلام من حقوق، فإنما يضمنه ليجنب الإنسان فتنة الاشتغال عن ربه بآلام الوحشة إن لم يجد أخوة تؤنسه، وبآلام التمييز العنصري والظلم الطبقي، وبهم الرزق، والعمل، وتعسف الحاكم، وبالحرمان من أسرة تسعِدُ أيامه، وقانون يحمي أمنه وراحته، وبالكبت إن لم يُسمح له بالتعبير عن رأيه، واعتناق الدين الذي يرتضيه، وبهم الغد إن لم تَحُطْهُ عنايةُ المجتمع. إلى آخر هذه الحقوق) 23 .

يؤكد رحمه الله على أن للمسلمين رسالة حقوقية ينبغي أن يسمعوا صوتها “شرف الإسلام الدولي” ليس بنية المتهم بل باعتبارها دينا وعقيدة.

إن الضمير الإنسانيّ المناديَ بحقوق الإنسان عن إخلاص وصدق حقيقة واقعية، مع هذا الضمير نتناجَى ونتجاوب. معه نتخاطب لنرفع مطمح الإنسانية إلى حقها الأزلي الأبدي الذي لا تُكَوِّنُ الحقوق المتعارَف عليها إلا حلقاتٍ من سلسلتها، لا قيمة لما توفره حقوق الإنسان “المتعارف عليها دوليا” للإنسان من كرامة وسعادة في الدنيا إن انقطعت دون حقه الأخروي 24 .

نجد العمق التربوي في التعامل مع قضية حقوق الإنسان حاضرا بقوة حين يجعل من آكدها بل على رأسها حق الإنسان في معرفة ربه، حقه في أن يعرف مصيره بعد الموت شقي أم سعيد،كما نجده في الأثر الذي تتركه التربية الإيمانية في النفوس من رحمة ورفق بالخلق من غير عنف ولا استعلاء عليه.


[1] الرعد: 11.\
[2] ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص: 76.\
[3] رواه مسلم في صحيحه 4/ 1986 حديث رقم: 2564.\
[4] ياسين عبد السلام، ما معنى الإنسان؟ وما مصيره؟ مجلة الجماعة العدد رقم 2 سنة 1399 هـ/1979 م.\
[5] ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص: 31.\
[6] نفسه، ص: 32-33.\
[7] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 86.\
[8] نفسه، ص: 86.\
[9] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة مطبوعات الهلال وجدة، ط:1 مارس 2000م، ص: 246.\
[10] ياسين عبد السلام، الشورى والديمقراطية مطبوعات الأفق الدار البيضاء، ط:1 1996م، ص: 164.\
[11] النساء: 1.\
[12] ياسين عبد السلام، العدل والإسلاميون والحكم، ص: 328.\
[13] نفسه، ص: 330.\
[14] المصدر السابق، ص: 327.\
[15] ياسين عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين مطوعات الأفق الدار البيضاء ط:1 1994م، ص: 226.\
[16] نفسه، ص: 214.\
[17] ياسين عبد السلام العدل الإسلاميون والحكم، ص: 214.\
[18] ياسين عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين: 214.\
[19] ياسين عبد السلام العدل الإسلاميون والحكم، ص: 118.\
[20] ياسين عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 41.\
[21] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 22.\
[22] ياسين عبد السلام حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 214.\
[23] ياسين عبد السلام إمامة الأمة دار لبنان للطباعة والنشر ط: 1430ه – 2009م، ص: 99.\
[24] ياسين عبد السلام، العدل، ص: 215.\