بين المواطنين في المجتمع القانوني روابط مصلحية ينظمها قانون وضعي لا غير. وبين المسلمين ينبغي أن تلُف المواطنةُ الإيمانيَّةُ المواطنة الجغرافية السياسية القومية برداء الرحمة، رحمةِ: فأصبحتم بنعمته إخوانا.

هذه المواطنة المزدوجة يشير إليها ويُشَرِّعُها قول الله عز وجل عن الأنصار الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم المهاجرين ونصروا وأنفقوا وأحبوا: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر 9).

تبوَّأوا الدار والإيمان. لو تبوأوا مع الآخرين الدار فقط لكان الكل مواطنين يجمعهم الوطن وتملي عليهم ضرورة التعايش قوانين وضعية لحفظ المصالح. لكنهم تبوأوا الدار وتبوأوا الإيمان كما تبوَّأهما من هاجر إليهم. وبهذا التبوُّءِ الثنائي كانت الأخوة التي أثنى الله عز وجل عليها ونقرأ عنها بإعجاب في السيرة.

تبوّأ المكان بمعنى استوى فيه واستقر. فكيف الاستقرار في الإيمان إن كنا نَعرف الاستقرار في الأوطان؟ هذا هو السؤال المحوري دائما. نمسك من هذه الآيات في سورة الحشر أن هؤلاء الأنصارَ المحمودين المشكورين وُقُوا شُحَّ أنفسهم. شح النفس بخلها وانقباضها. فصفتُهم الأولى المؤهِّلة هي خروجهم من عبودية النّفس وهواها إلى عبودية الله تعالى. بهذا الخروج نعرف من تاب التوبة قلب الدولة)، ومن يحمِل العمران الأخوي. والله ولي المومنين.

الإمام عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 197.