قبل ثلاث سنوات لبى الإمام عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان نداء ربه، ملتحقا بالرفيق الأعلى، بعد عمر زاخر بالعطاء والعزم المتجدد تأثيلا لمشروع مجتمعي يحرر إرادات الإنسان المسلم والأمة من داء الأمم: الوهن، حب الدنيا وكراهية الموت، وما يشتق عنه من ركون للذين ظلموا.

تحل إذن الذكرى الثالثة لرحيل المرشد المؤسس لجماعة رسخ في قلوب بناتها وأبنائها اليقين في نصر الله وبشارة نبيه، ودربهم بالحال قبل المقال أنه على قدر الصدق مع الله يُعطى المرء وتعطى الأمة من خزائن المولى الكريم، وعلمهم معاني الرجولة الإيمانية ثباتا على الحق وسيرا رفيقا بين الناس بالوجه الباش والقول الحسن، وترك لأجيال الجماعة ولعموم المسلمين تراثا زاخرا وإصدارات تنوعت أشكالا ومواضيع جمعها خيط ناظم: الاستعداد للقاء الله، وتوّجَها رحمه الله بوصية جامعة ذكّرت بجماع الأمر كله: إقبال متجدد على الله وتقواه في السر والعلن وتمسك دائم بحبل الصحبة في الجماعة تحابا في الله وتناصحا وتباذلا وتزاورا فيه؛ تحابٌّ ينسج الأواصر ويعين على تكاليف وأعباء البناء ورص الصف.

وعلى الدرب ومحجة المنهاج النبوي – توفيقا من العلي القدير – سارت وتسير جماعة العدل والإحسان، نموذج تربوي قائم على الرفق، وحضور ميداني مسؤول ووازن لا تخطئه العين، وعمل مؤسساتي يبهر المتتبعين انتظاما وأداءً وثباتا على الخط اللاحب انتصارا للحق وانحيازا لقضايا المستضعفين.

تحل الذكرى الثالثة ورياح التغيير تزلزل الوطن العربي والإسلامي، وتعيد طرح الأسئلة التأسيسية الكبرى التي أُريد لها أن تُنسى وتُطوى، فالشعوب كسرت حاجز الوهم والخوف، خرجت وتخرج إلى الشوارع والميادين تعبر عن مطالبها بإسقاط الاستبداد، فتهاوت عروش، وترنحت أخرى، والتفَّتْ على الإصلاح الحقيقي ثالثة، لكنها سنة الله قضت أن الوراثة والتمكين، آخر الأمر، للصالحين.

ووفاء لروح الإمام المجدد واستحضارا لعلو همته ومضاء عزيمته، فقد حرَص الحرص الشديد على ربط بنات وأبناء الجماعة بالمشروع وليس بشخصه، اختيرت لمحطات الذكرى قضايا هي من صميم مقتضيات مشروعه لبسط التصور وعرضه للتداول والتقييم، من طرف نخبة من رجالات الفكر وأسود الميدان، بمختلف توجهاتهم السياسية والمذهبية والفكرية والدعوية، جمعا لما تفرق وتدقيقا فيما أجْمِل، فبعد التغيير محورا للذكرى الثانية، وقع الاختيار على موضوع له راهنيته: التحولات الإقليمية الراهنة، أي دور للنخب والشعوب؟

تحولات وأحداث متسارعة تقتضي حواراً مع كل من يحركه غضب شريف ــ يقول الإمام رحمه الله ــ ضد أعداء الأمة، مع كل من تغلي في صدره الغيرة على ما آلت إليه الأمة، مع كل من له طموح شريف ليخدم الأمة، مع كل عاقل مُتثبِّت مسؤول أيقظته إلى مسؤوليته نكبات الأمة. حوار ضروري وممكن، … فالقضية مصير أمة هي الآن خارج التاريخ، طفيلية على التاريخ، لا مجرد تداوُل على السلطة… لا مناص لنا ولكم ــ معشر الديمقراطيين ــ من تمريض هذه المرحلة الانتقالية بحكمة)، وصولا إلى ميثاق واضح المنطلقات والأهداف).

لذلك، فالنخب الفكرية والسياسية والمجتمعية مدعوة للاضطلاع بمسؤولياتها نحو الشعوب تهييئا لما بعد سقوط مدوٍّ للاستبداد، تفاديا لخطر الاقتتال الداخلي يذكيه العدو الخارجي المتربص. ترى، هل ستكون النخب المجتمعية في مستوى الرهان وحساسية المرحلة؟ هل ستنخرط بالفعالية المطلوبة في التغيير تنظيرا وتأطيرا وتعبئة ومشاركة ميدانية؟ والشعوب من جهتها، هل تبلور منسوب وعيها واستفادت مما أجراه ويجريه الحق سبحانه من الأحداث، فتطالب بمعالي الأمور: كرامة، حرية، عدالة، واعية أن للمعالي ثمنا وتضحيات وصبرا ومصابرة لقطع الطريق على محترفي الثورات المضادة؟

فــالرجاء في الله ــ يُذكر الإمام المرشد ــ كبيرٌ أن تكون هذه التحولات الراهنة إيذانا بنقلة تاريخية ترفع بلداننا وأمتنا إلى ما تتطلع إليه شعوبنا ونخبها من حرية وكرامة وعدالة وعــزة).