في سياق فعاليات الاحتفال بالذكرى الثالثة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله، ألقى الأستاذ عبد الكريم العلمي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس مجلس شوراها، كلمة افتتاحية ترحيبية فيما يلي نصها الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السادة والسيدات، الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يسعد جماعة العدل والإحسان أن ترحب بكم في الذكرى الثالثة لوفاة مؤسسها ومرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، هذا الاحتفال الذي نعتبره عنوانا من عناوين الوفاء ومظهرا من مظاهر الصحبة الدائمة لعارف بالله مجاهد في سبيل الله، كان همه الأكبر تحبيب المولى الكريم سبحانه لعباده والدلالة على معرفة الله كما تلقاها وتشربها من صحبة أولياء الله العارفين به بعد أن ضحى في سبيل ذلك بالجاه والسؤدد والمكانة الاجتماعية.

ثم ترك هذه الجوهرةَ الفريدة يتيمةَ الدهر؛ معرفةَ الله وطلبَ وجهِه عز وجل وابتغاءَ القرب منه دنيا وأخرى في هذا المفهوم التجديدي “الصحبة في الجماعة” والمقترن مع صنوه “الصحبة والجماعة”.

إن الذكرى لغة هي الذكر أي ضد النسيان، فهي بهذا المعنى تجديد لمعاني المحبة والصلة الروحية بالإمام رحمه الله، فالموت ليس عدما، وروابط الوداد لا تقطعها هذه النقلة من دار إلى دار. ومن جهة ثانية الاحتفال بالذكرى هو مناسبة للتذكير بهذا التراث الضخم الذي رصع به الإمام المرشد آلاف الصفحات في عشرات الكتب وفي مختلف المجالات، والعمل على استفادة الأمة منه بعد سنوات طويلة من محاصرة هذا الفكر ومحاولات تشويهه وتشويه صاحبه، سنة الله الجارية في تقابل الحق والباطل والإصلاح والإفساد والعدل والاستبداد.

إن جماعة العدل والإحسان تعتبر التعريف بهذا المشروع الكبير الذي ساهم به الإمام رحمه الله كغيره من الرجال الاستثنائيين في هذه الأمة المعطاء الولود أمانة في عنقها، ودينا واجبا عليها، فالرجل ليس، ولم يكن، ملكا للجماعة وحدها، وفكره لم يكن، ولن يكون، محصورا داخل جماعة أو بلد أو إقليم.

وهكذا فإننا نعتبر الاحتفال بهذه الذكرى فرصة للتواصل مع نخبة من رجال هذه الأمة ونسائها داخل المغرب وخارجه؛ مفكرين وعلماء ودعاة وسياسيين، وهذه أيضا من معاني الوفاء لذكرى الرجل، فقد كان رحمه الله رجل حوار وتعاون وتواصل يعتقد جازما أن ليس بإمكان فرد أو فئة أو جماعة أو حزب أن ينهض وحده بحمل الأمة الثقيل، لا يقرب من ذلك إلا تبادل تجارب والتعبئة الجماعية الشاملة للشعوب والنخب؛ هذه النخب التي أولاها رحمه الله اهتماما كبيرا، ونالت محلا معتبرا من محاضراته وكتاباته، بل لم تغب عن أي من كتبه حتى تلك التي تبدو مخصصة لاهتمامات أخرى، فنجده مثلا في كتاب “الإحسان” وهو كتاب تربية بامتياز ودلالة على الله والطريق إليه نجده يقول: إلى جانب العلماء والصوفية بما لهم وما عليهم توجد النخبة هم بنو جلدتنا من لحمنا ولوننا والحوار معهم يتحتم ولو طال) 1 إلى أن يقول في الصفحة بعدها: فيتعين عليهم (والضمير هنا يعود على أبناء الحركة الإسلامية) من بين ما يتعين الحوار والتعاون والتعامل مع الطبقات الأخرى). فما أحوج الأمة إلى هذا الحوار وهذا التعاون بين طلائعها الفكرية والسياسية والعلمية المتهممة بهمومها والساعية إلى تحرير إرادة شعوبها وإطلاق طاقاتها من الخروج والانتقال من هذه الوهدة القرونية التي لا تزداد إلا انحدارا إلى سعة الحرية والكرامة والعدل، هذه السعة التي بدأنا والحمد لله نتنسم نسائمها رغم هذا الوقاع الجاثم على الصدور.

إن من سنة الله أن حركة التاريخ تسير إلى الأمام وليس إلى الوراء، فالذين يحاولون بكل ما أوتوا من مكر ودهاء وعنف، وينفقون الأموال الخيالية لإعادة إنتاج الاستبداد في بلداننا قد ينجحون في مضاعفة آلام الأمة ومعاناتها، ولكنهم لن يفلحوا في إطالة الليل أو زيادة سواده ولن يتمكنوا من إيقاف الفجر وانبلاج أنواره. فهذه الأمة إلى نصر إن شاء الله ووحدة، وهذا اليقين هو ما عاش عليه صاحب هذه الذكرى ومات عليه بل مما سطره في وصيته آخرِ ما كتب؛ وحدة ونصر تسعد بهما الأمة دنيا وأخرى ويكونان بلسما ورحمة للإنسانية جمعاء.

أيها الحضور الكرام مرحبا بكم مرة أخرى وجزاكم الله خيرا على تلبية هذه الدعوة ونسأل الله أن تتكرر وتتعدد فرص اللقاء بكم لما فيه خير ومصلحة أمتنا آمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1] كتاب الإحسان، الجزء 2، ص 482.\