التأمت، صباح اليوم السبت 30 صفر 1437ه، الموافق ل 12 دجنبر 2015، فعاليات الذكرى الثالثة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في يومها الأول.

وقد حضر افتتاح هذه الذكرى إضافة إلى قيادات جماعة العدل والإحسان وعلى رأسها أمينها العام الأستاذ محمد عبادي ونائبه الناطق الرسمي باسمها الأستاذ فتح الله أرسلان، وأفراد من أسرة الإمام المجدد رحمه الله، شخصيات وفعاليات وازنة من داخل المغرب ومن خارجه.

استهلت هذه الفعاليات بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم تلاها القارئ عثمان بنمعروف، تلتها كلمة افتتاحية للأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى الجماعة، رحب فيها بالحاضرين

ثم انطلقت الندوة العلمية والتي حملت عنوان: التحولات الإقليمية الراهنة، أي دور للنخب والشعوب؟)، بتنشيط الأستاذ عبد الرحمن خيزران، الذي أكد أن الرجل الذي نحتفل اليوم بذكرى رحيله كان مهموما بالإسهام في التأسيس لحوار يجمع رجالات الأمة ونساءها، ويستشرف مستقبلها ونهضتها)، ودعا إلى قراءة متعمقة متأنية لمسارات التحولات الراهنة ومآلاتها في خط ناظم يروم ابتعاث القوى الكامنة في الشعوب والعمل من أجل التأسيس لتوافقات حول سبل النهوض الحضاري للأمة).

وقد تناولت المداخلات موضوع الندوة بتركيز كبير بين المتدخلين الخمسة.

الأستاذ محمد حمداوي\

– تناول الكلمة الأستاذ محمد حمداوي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ومسؤول مكتب علاقاتها الخارجية، فاستعرض السياق الذي تعيشه الأمة منذ الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة وإلى حدود الموجات الأولى من الثورات العربية عام 2011 والتي لم تستطع اقتلاع الدولة العميقة من الجذور)، مشيرا إلى أن الثورة التونسية استطاعت أن تكسر حاجز الخوف عند الشعوب). ولم يمنعه هذا من التذكير بأخطاء الثورات التي انتقلت من السلمية إلى العمل المسلح، والتي انطلقت دون قيادات، وفي ظل عجز القيادات السياسية عن تكوين التوافق المطلوب بين القوى السياسية).

على أن الباحث أكد بأن الغضب الشعبي ما زال متأججا، وأسباب الثورات ما زالت قائمة)، وأنه لا أفق للثورات المضادة ولا للتيارات العنفية)، داعيا الغرب إلى تجاوز إشكالياته الفلسفية والفكرية والسياسية).

الدكتور المختار بنعبدلاوي\

– وأكد الباحث الدكتور المختار بنعبدلاوي، أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ومدير مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية، أنه لا بد لكي يكون الفكر مؤثرا لا بد من وجود علاقة مؤثرة بين الفكر والمجتمع، ولا بد من لهذا الفكر من وجود نقاش في المجال العمومي). وأشار إلى أن القوى التي كان لها عمق اجتماعي قد جرى تغييبها، وأن الثقافة تحتاج، من أجل أن تسود، إلى بنيات وفضاءات ومنابر اجتماعية وإعلامية). غير أن الخلل في هذا الجانب ولد لدينا على المستوى الثقافي مغربا نافعا ومغربا آخر غير نافع. وأمام هذه الواقعية – يضيف – لا يمكن تجاوز الانحباس بين إرادة الدولة وحاجة المجتمع بجعل ثقافة المجتمع هي المهيمنة).

وفي آخر مداخلته حث الباحث على ضرورة التركيز على للتعاون بين المكونات الثفافية والجمعوية وإعادة الاعتبار للنقلة الرقمية، مع ما يجب أن يكون عليه فعلنا من استباق فكري لأنه من المهم والأساسي ألا نستمر في علاقات ردود الفعل أي نتلقى الضربات ونفكر كيف نحصي الخسارات).

الأستاذ فتحي الغزواني\

– أما الأستاذ فتحي الغزواني، عضو المكتب السياسي لحزب البناء الوطني مكلف بالعلاقة مع المجتمع المدني في تونس، فانطلق في مداخلته من قراءته للسياق التاريخي البعيد وتوقف عند محطة سقوط آخر رمز من رموز الخلافة العثمانية، حيث بدأت الانظمة الاستبدادية تغير في شكل تعاملها مع الشعوب). وأضاف أن النخبة هي نخب لها انشغالات ومصالح ومرجعيات وارتباطات وكل هذا يجمع في سياق واحد هو النخبة). ثم عرج على ما حدث من ثورات لب العالم العربي مؤكدا أن النخبة المهمشة والمطاردة والمحاصرة فوجئت بالثورة)، وأن النخبة التي كانت في الحكم تراجعت إلى الخلف للحظات بعد استقرائها للواقع لتتكيف مع الواقع الجديد ولتقمص خطابا ثوريا ولتصنع لنفسها رداء جديدا ولتستعيد زمام المبادرة بما استفادته من التجربة ومن الحكم طوال عقود)، مشيرا إلى أن الثورة نجحت في القضاء على رأس النظام ولكنها لم تنجح في القضاء على النظام السياسي المستبد الذي سعى إلى محاربة النخبة المعارضة وتدميرها وشكّل بدلها نخبة أخرى على المقاس).

الدكتور فاتح ربيعي\

– وتوجه الدكتور فاتح ربيعي أستاذ العلوم الإسلامية ورئيس سابق لحركة النهضة الجزائرية في بداية مداخلته بالشكر إلى الجماعة على الدعوة الكريمة والاستضافة الطيبة) مترحما على روح الإمام عبد السلام ياسين الذي غرس غرسا وأثمر وأينع في هذه الجماعة المباركة)، ومستحضرا الحديث الشريف: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ.

وقال الباحث في معرض مداخلته بأنه حينما نتحدث عن النخبة العلمية والفكرية فإننا نستحضر مقولة الإمام عبد السلام ياسين الذي يؤكد أنه لا يمكن لمجموعة واحدة أن تتحمل أوزار الماضي وكواثر الحاضر وآمال المستقبل).

– وعرّف ربيعي في مستهل مداخلته النخبة بأنها هي من لها القدرة على القيادة وعلى التأثير في المجتمع وعلى اتخاذ القرار)، متسائلا عن المطلوب من النخب، وعن دور النخبة العلمية والفكرية، وموقع هذه النخبة الفكرية من مجموع النخب وما يميزها عن غيرها، ودورها في استنهاض الأمة، وسبب غيابها ونتائج ذلك وخلاصاته وموقع النخبة الدعوية والفكرية)، مجيبا بأن دور النخبة هو تولي حركة النهضة العلمية والإصلاحية ورفع مستوى العقل بما هو محل التكليف والتكريم، وتحقيق كفاية الأمة في عالم الأفكار، وتثبيت الأمة أيام النوازل والمحن، وتحقيق وحدة الأمة).

وألح ربيعي في الختام على أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي لا يتغير إلا بتغيير النفس).

الدكتورة زينب التقي\

– أما الدكتورة زينب التقي النائبة في البرلمان الموريتاني عن حزب التجمع الوطني للإصلاح “تواصل”، فألمحت في البداية إلى ظروف عقد هذه الفعاليات أمؤكدة أن فضاء العدل والإحسان التي تعقد فيها الذكرى الثالثة أرحب من فضاء الاستبداد). ثم تطرقت إلى النخب معتبرة أنها ظلت حبيسة برجها العاجي وظل خطابها فوقيا)، وأن الأنظمة حرصت على تجذير ثقافة الخوف في الشعوب)، وأن الصراع انتقل من صراع قيم إلى صراع وجود)، وأنه نشأ واقع جديد بأسئلة جديدة وإشكالات جديدة).

ودعت الباحثة الموريطانية إلى تحريك دواليب عقل المسلم الذي كُرست فيه ثقافة الخمول والإقصاء الذي كُتب بمداد الاستبداد وفي ظله)، ومن ثم دعت النخب إلى بناء ثقافة تجعل المجتمع يسمو على كل اختلافاته المذهبية والفكرية والعرقية)، وإلى تعزيز ثقافة المشترك)، معتبرة أن التربية هي أساس كل تغيير)، وأنه يمكن أن نراهن على الأمة في الانتصار على الاستبداد).

وفي آخر مداخلتها قالت إنه يجب أن يكون خيارنا الوقوف على مساحة المشترك، فقدرنا أن نعمل على هذه المساحة لمقارعة الاستبداد).

الدكتور عبد الصمد الرضى\

وبعد انتهاء المداخلات الخمس انتقل الحاضرون إلى فترة استراحة، التأمت الندوة بعدها في جزئها الثاني الخاص بالمناقشة، والذي عرف عدة مداخلات أغنت الندوة بما طرحته من إشكالات ومن تساؤلات فتلت في الموضوع، وسلطت الضوء على بعض الجوانب المهمة فيه. وما ميز هذه المداخلات هو التنوع الكبير في مرجعيات وزوايا نظر المتناولين للكلمة، بما نَمَّ عن اتساع المساحة المشترك فيها بين جميع الأطياف، وعن عمق التحديات التي تشغل بال الجميع.

واختتمت الندوة بالتعقيبات التي أدلى بها المتدخلون الخمسة في هذه الندوة مجيبين أو معقبين أو موضحين، ليسدل الدكتور عبد الصمد الرضى الستار على فعاليات اليوم الأول من الذكرى الثالثة لرحيل الإمام المجدد في انتظار استئنافها في اليوم الثاني منها صباح يوم غد الأحد 13 دجنبر 2015م في حفل التأبين بمشيئة الله.