يعتبر خطاب حقوق الإنسان وشعارات حقوق الإنسان، أكثر الشعارات تألقا في سوق المزاد الذي يقيمه تجار البشر، وينادي به المناضلون الشرفاء الإنسانيون البارون برحم الإنسانية، كما يناغي أحلام وآمال المعذبين في الأرض، الكل يدافع عن حقوق الإنسان. حقوق قطعت البشرية أشواطا كبيرة وقدمت تضحيات جساما من أجل كرامة الإنسان، وحرية الإنسان، وتحقيق العدالة للإنسان، إنسان يملك الحق في روحه فلا وصاية، على جسده فلا استغلال، يملك عقله فلا مصادرة ولا تحجير، حقوق تجعل البشر كلهم سواسية، فلا تمييز على أساس جنس أولون أو عقيدة وعرق أو طبقة، فالبشرية كلها من رحم واحدة.

جميلة هكذا حقوق، لكن ما هي المساقات التي يساق لها الإنسان؟ ما الذي تبقى من الإنسان ليتمتع بتلك الحقوق؟

لا ننكر، ولا ينبغي لنا، إسهام الغرب في ترسيخ ثقافة “حقوق الإنسان”، وليس لدينا معه اختلاف في حقوق الإنسان لكن قطعا لنا معه اختلاف في معنى الإنسان نفسه. فبعدما أسهم الغرب في إنضاج الكثير من الحقوق السياسية والحريات العامة سيق الإنسان مساقات أخرى أفقدته إنسانيته، لأنه لم يحفظ له حقه الأصيل والناظم لكل الحقوق، وهو حق أن يكون عبدا لله عز وجل، فأن نؤمن أن الله وحده فوق البشر وحاكم على البشر وإليه كلهم راجعون، فمقتضى ذلك تحريم سيادة الإنسان على الإنسان، واستغلال الإنسان للإنسان، هذه الرغبة كانت هي الشجرة الملعونة التي أثمرت عذابات الإنسان، فمتى أرجعنا هذا الحق انتظمت جميع حقوقه كإنسان كامل الإنسانية، لكن مساقات أخرى سيق إليها الإنسان الغربي عندما تم اعتباره مجرد حيوان من سلالة القردة التي فقدت ذيلها، فحاولوا أن يفصلوا حقوقا على مقاسه، حرية الجنس والتسافد البهيمي، وحقوق الجسد، وأولوية الرغبة على الأخلاق بل غذت الأخلاق كما يعبر كبيرهم الذي علمهم السحر “نيتشه” أوهام المستضعفين، وتأسيس إنسان ما وراء الخير والشر! حقوق تغير من طبيعته ككائن كرمه الله تعالى وسخر له ما في السموات والارض ليعمرها بحقها وحلها في انسجام مع مخلوقات الله وليس سيادة على الطبيعة أو مصارعة لها كما يدعوا ديكارت أب الخراب الحديث!

المساق الثالث عندما سيق الإنسان ليكون آلة بدل أن يكون آية، حيث صيرته التكنولوجية الحديثة وشروط العمل المعاصرة مجرد شيء في عالم الأشياء، صيرته آلة تنتج لتستهلك وتهلك أخيرا وما يهلكنا إلا الدهر قال الدهرانيون! صيرت المرأة ليس سلعة فقط بل وسيلة لبيع السلعة أيضا، في استلاب لها وتغريبها عن آدميتها. فالإنسان الحديث والمعاصر أو الإنسان الاخير كما يقول فوكوياما، هو إنسان البعد الواحد) بعد الحاجة والرغبة. إنسان تكتسي الأشياء قيمة أكبر من قيمة الإنسان لأنه كلما ارتفعت قيمة الأشياء انخفضت قيمة الإنسان)، حيث غذا الاستهلاك غاية فصار عبادة! عبادة الإنسان المعاصر بين رهبان الشركات العابرة للقارات المتعددة الجنسيات ودهاقنة اقتصاد السوق وباباوات الرأسمالية المالية.

إن الدفاع عن حقوق الإنسان دين من الدين، وحفظ كرامته وضمان حريته، لمن الأمور التي تربطنا بكل بار بالإنسانية من كل دين وملة ونحلة، وإن كان منهم من يحب الإنسانية لينسى الله بضمير مرتاح) كما يقول الفيلسوف الكولومبي “نيكولاس غوميز نافيلا”، فـالبشر صنفان، إما أخوك في الإسلام أو نظيرك في الخلق) كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه، وعلى أساس القول الفصل من رب العالمين: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ (الإسراء 70) فكل ابن آدم من حيث هو إنسان، ينبغي أن ندافع عن حقوقه، أولا: إسهاما في الرقي به إبداعا واختراعا، وإقامة نموذج حضاري يخفف من عذابات الإنسان ويحفظ كرامته ويمنع سيادة الإنسان على الإنسان، وثانيا: الدفاع عن حقوقه الأساسية وحرياته العامة والخاصة، وأولاها الحق في معرفة خالقه. الذي يحجب الآن تحت استبداد “العلومية” و”الوضعية”. كما يقرر الأستاذ عبد السلام ياسين.

أحيوا الإنسانية، أبقوا البشر على قيد الإنسانية بعدها هي ستدافع عن حقوقها! في عالم يتحدث فيه تجار البشر عن حقوق الإنسان، دون أن يحددوا معنى الإنسان، إنسانية لم يتركوا فيها إلا الإنسان الآلة أو الإنسان الحيوان.

أبقوا على حق واحد فقط هو حق الإنسان أن يكون أو يبقى إنسانا بعيدا عن مسخكم واستلابكم وتشييئكم بعده يحدد مضمون حقوقه بما يليق به كإنسان.