في ذكرى رحيل واحد من أعلام هذه الأمة وقاماتها الشامخة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله يحار المرء عن أي جانب من جوانب شخصيته وعطائه يتحدث، وهو الذي أكرمه الله عز وجل بمكارم وفيرة وخصال حميدة قلما تجتمع في واحد. فقد كان العالم الرباني المجتهد والمربي الخبير والسياسي البارع والمجاهد الحر الأبي الذي لا يخاف في الله لومة لائم، فتجسدت فيه بحق معاني الإمام الأمة.

1. معاني الأمة في القرآن الكريم

للأمة في القرآن الكريم معاني كثيرة ومتعددة منها الجماعة من الناس أو الطير وتعني الزمان والمدة مصداقا لقول الله عز وجل ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة.. 1 ، وتعني أيضا الدين والملة والطريقة، قال الله عز وجل: إنا وجدنا آباءنا على أمة 2 . والأمة في القرآن تعني أيضا الرجل المقتدَى به وهذا هو بيت القصيد هنا. وقد وردت بهذا المعنى في موضع واحد وهو قوله عز وجل: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين 3 .

قال بن مسعود رضي الله عنه: “الأمة معلم الخير” 4 .

وعن مسروق قال: “قرأت عند عبد الله بن مسعود: “إن إبراهيم كان أمة قانتا لله” فقال بن مسعود: إن معاذ كان أمة قانتا، قال: فأعادوا عليه فأعاد ثم قال: أتدرون ما الأُمة؟ الذي يُعلم الناس الخير والقانت الذي يطيع الله ورسوله” 5 .

فكيف كان إبراهيم عليه السلام أمة؟ يجيب الإمام البغوي رحمه الله: كان معلما للخير يأتَمُّ به أهل الدنيا وقد اجتمع فيه من الخصال ما يجتمع في أمة).

فالرجل الأمة إذن هو معلم الناس الخير ودالهم عليه والقائم على الحق ولو كان وحده ولهذا قيل كان الامام أحمد أمة).

2. الامام عبد السلام ياسين الأمة

إن الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تمثل بحق كل معاني الرجل الأمة، فقد علّم ونصح ودلّ وربى وبنى وجاهد في الله حق جهاده، وسنقف بإذن الله على معنيين من هذه المعاني وهي تعليم الناس الخير ودلالتهم عليه والقيام بالحق والجهاد في سبيل الله.

أ‌. تعليم الناس الخير والدلالة على الله

لقد كرس الإمام رحمه الله وقته وجهده وعلمه في الدعوة إلى الله والتهمم بها وفق منهاج نبوي أصيل يجمع بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية وبين القوة في غير عنف والرفق في غير ضعف، وهكذا عاش حياته كلها مذكرا وحاثا ومنبِّها ومنهِضا للهمم وشاحذا للإرادات فربى أجيالا من المؤمنين والمؤمنات على الجمع بين العمل على إقامة العدل والسعي لطلب الإحسان، وهو الذي قال بأنه سيكون سعيدا إن كُتب في صحيفته أفواج من المحسنين، وأنه عاش ليحيي معاني الإحسان، وأن من لم يفز بالله فلا حد لحسرته؟

ب‌. القيام بالحق والجهاد في سبيل الله

لم يكن الإمام عبد السلام ياسين يخشى في الله لومة لائم، وهو الذي صدع بكلمة الحق وأرسل رسالته الشهيرة الإسلام أو الطوفان) إلى ملك البلاد آنذاك، الحسن الثاني، يدعوه فيها إلى التوبة ورد المظالم مخاطبا إياه: وإنك يا هذا أَكلت وحاشيتك وأقاربك أموال المسلمين بغير حق وهتَكت حرمات الله وغشَشْتنا بدعواك وتألهت واستعبدت الناس، فبأي صحيفة تلقى ربك يوم الحساب؟ ويحك، وبأي صحيفة تلقاه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم) 6 .

هكذا كان الإمام قويا في الحق شجاعا في الصدع به واضحا في النصح دون خوف أو ارتياب. يقول في نفس الرسالة: ولستُ والله أخافك وإني أشتهي الشهادة في سبيل الله).

ورغم أن تبعات هذه الكلمة الشجاعة الأبية كانت قاسية وظالمة جدا، فكانت سنوات من الحصار والتضييق والسجن والابتلاء، فإن ذلك لم يزد الإمام رحمه الله إلا إصرارا على الجهر بالحق وقوة في إسداء النصح، حيث أعاد الكَرَّة مع ملك البلاد الحالي عبر رسالة سماها: مذكرة إلى من يُهمه الأمر).

رحم الله العالم الرباني المجاهد المجتهد الذي أبدع في إخراج مشروع المنهاج النبوي إلى الوجود وبثه في صفوف الأمة إرادة وفهما وسلوكا.


[1] هود 8.\
[2] الزخرف 23.\
[3] النحل 120.\
[4] رواه البخاري معلقا في التفسير. تفسير سورة النحل.\
[5] أخرجه الحاكم 2/358 ثم قال صحيح على شرط الشيخين.\
[6] الإسلام او الطوفان.\