التحولات الإقليمية الراهنة، أي دور للنخب والشعوب؟

فاجأت زلازل ما أطلق عليه الربيع العربي العالم أجمع بما أحدثه من رجات وأنتجه من تغيرات، فقد شكل عام 2011 وما بعده منعطفا كبيرا في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وعاشت الأمة أياما وأسابيع وشهورا لا يمكن أن تمحى من الذاكرة الجماعية لشعوبها، وستبقى بكل تأكيد ملهمة لها ومحفزة على القطع مع ماضي الخنوع والخوف والاستسلام لخيانة الحكام وكذبهم وتلاعبهم.

لقد عجزت أجهزة الاستخبارات العالمية، وكذا مراكز الأبحاث والدراسات شرقا وغربا، رغم إمكاناتها المادية والتقنية والمعلوماتية عن توقع تلك الانتفاضة الكبرى التي هزت المنطقة يومها، وعن رصد الأحداث المتسارعة وفهم تفاعلاتها وفاعليها.

كان من روائع الانطلاقة ذلك التلاحم البديع – في قلب الشعب ومع الشعب – بين مكونات المجتمع رجالا ونساء، وبمختلف شرائحه العمرية، وتوجهاته السياسية والمذهبية والفكرية والدعوية، وكان من نتائج كل ذلك بعث الأمل في نفوس فئات واسعة من الأمة، وكسر حاجز الخوف والسلبية، وإنهاء وهم تعايش الاستبداد مع التنمية، وإدراك أن أفضل سبيل لمواجهة الطغيان هو السلمية…

تأتي الذكرى الثالثة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وموجات التغيير لم تتوقف بعد، وارتدادات هذا التحول الضخم لم تهدأ رغم مضي خمس سنوات على انطلاق شرارتها الأولى في 18 دجنبر 2010.

إن الرجل الذي نحتفل اليوم بذكرى رحيله كان مهموما بالإسهام في التأسيس لحوار يجمع رجالات الأمة ونساءها، ويستشرف مستقبلها ونهضتها. يقول رحمه الله: حوار مع كل من يحركه غضب شريف ضد أعداء الأمة، مع كل من تغلي في صدره الغيرة على ما آلت إليه الأمة، مع كل من له طموح شريف ليخدم الأمة، مع كل عاقل متثبت مسؤول أيقظته إلى مسؤوليته نكبات الأمة) 1 .

وما فتئ رحمه الله يؤكد على أن: من المغامرة أن يزعم زاعم أن مكونا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عَددية وعُددية أن يحمل على كتفيه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل) 2 .

لا بد إذن من قراءات متعمقة متأنية لمسارات التحولات الراهنة ومآلاتها في خط ناظم يروم ابتعاث القوى الكامنة في الشعوب والعمل من أجل التأسيس لتوافقات حول سبل النهوض الحضاري للأمة.

ومن أهم المكونات المؤثرة في حاضر الأمة ومستقبلها النخب الفكرية والسياسية والعلمية والدعوية، فأي دور لهاته الفئات الحيوية في هذه التحولات؟ وأي دور للشعوب؟


[1] الأستاذ عبد السلام ياسيـن، العدل، ط 3، 2001م، دار الآفاق، ص 641.\
[2] المصدر نفسه، ص 634.\