توطئة

تعتبر “الحوارية” شيمة مميزة في شخصية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فهو ـ بإجماع من عرفوه من الشخصيات الفكرية والسياسية ـ رجل حوار وبامتياز، ومن خلال مؤلفاته حاور الفكر والإيديولوجيات والمواقف بأسلوب حجاجي راق باعتباره رجل مشروع تجديدي لواقع المسلمين ندب حياته لتقعيده وتأسيس دعائمه؛ مشروع يُعتبر نجاح الحوار والتواصل بين مختلف الفرقاء وعلى كل المستويات شرط وجوب لتنزيله وتحقيقه؛ حوار كان للعلماء حظ وافر فيه، وعيا منه رحمه الله بمركزية العلماء في عملية بناء صرح الأمم ودوام يقظتها وممانعتها للتطويع والتطبيع مع الفساد، فهُم من مكان العزة يراقبون ويوجهون. إقامة الدين وتقويم المنحرفين عن الدين واجبهم الكلي) 1 .

مطمح هذا المقال، محاولة استقصاء تجليات حوار الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ومجالسته للعلماء عبر ما تيسر الاطلاع عليه من إصدارته الغزيرة، محاولة متواضعة لتسليط الضوء على جانب من شخصية الإمام في إطار فعاليات ذكرى وفاته الثالثة.

في البواعث والدواعـي

لم يكن إقدام الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على التوجه للعلماء ومخاطبتهم ترفا فكريا أو بحثا عن تزكية أو اعتراف علميين، بل كان الباعث والدافع هو تغيير ما بالأمة من هوان وانحدار عما رسم لها من خيرية وشهادة على الأمم؛ انحدار وزيغ وتقهقر كانت استقالة العلماء طوعا أو كرها عن أداء رسالتهم التوجيهية والتعبوية عامله الرئيس.

وحيث إن العلماء بما حباهم الله تعالى مؤهلون لإيقاظ الهمم وشحذ العزائم تربية للأمة وترشيدا لحركتها وتصحيحا لوجهتها وانخراطا ميدانيا لمواجهة الاستبداد واستئصال الفساد، فقد خاطبهم: آنَ أنْ تقوموا لله وتصطفوا في وجه الكفر والظلم وترفعوا أصواتكم بكلمة الحق، وإنكم فرسان الميدان لو عَقَلتم الدور الذي خص الله به العلماء في المجتمع الإسلامي، إن العلماء بصلاحهم يصلح أمر الأمة، وإن فساد مجتمعاتنا المسكينة ناتج عن تراكم الأمراض الخلقية والسياسية التي كان يعالجها سلفكم الصالح ـ أيها العلماء ـ بطب الإيمان في مجالس القرآن يوم كان العلماء يجالسون الشعب في المسجد يتعهدون كل يوم مشاعره ويقاسمونه همه) 2 .

قيام لله واصطفاف وتحزيب الأمة لله خلاص جماعي لها من داء الوهن ودين الانقياد، وخلاص للعلماء أفرادا تبرئة للذمة وأداء للرسالة، يقول الإمام رحمه الله مذكرا: هذا هو الخط الذي ينفتح أمامكم – يا علماءنا المسلمين ـ لتسيروا صعدا إلى السعادة الأبدية عند الله، إن اقتحمتم العقبة إليه، وآثرتم ما عنده، وبذلتم فيه أنفسكم ونفيسكم حتى يصبح أمر الله ما يشغلكم، بل شغلكم الوحيد، فلهذا تدعون وبهذا يكون لكم وزن عند الله والناس) 3 .

في أدب الحوار

حاور الإمام رحمه الله العلماء وخاطبهم بأدب جم ينضح إكبارا وتقديرا لمن رفع الحق سبحانه منزلتهم وقدرهم، ومن ذلك قوله: سادتي العلماء، إنكم والله أحب الناس إلي وأعظمهم في عيني، إنكم لمظنة الخير، إنكم سادتي العلماء ملح هذه الأمة وذخرها والحلقة الضرورية في غد الإسلام الزاهر، معاشر السادة الأفاضل، يا علماءنا يا أصحاب الفضيلة، …) 4 .

أدب راق في الحوار راسخ في تراثنا الحواري أثله علماء وأئمة الأمة، فقد كان سلفنا من المسلمين يتأدبون في مجالس المطارحة والمناظرة مع الخصماء في الرأي بالآداب الرفيعة، تقربا وتحببا وإيناسا وتبليغا. يسعهم التلميح إن خُشــي من التصريح اسْتيحاشٌ، وتتصدر الكلمة اللينة الخطاب فتبسط أمام المتناظرين من أسباب الرفق ما يمهد للتفاهم دون أن يمنع الإنصاف الذي يعطـي كل ذي حق حقه) 5 .

أدب وتلطف وتقدير لمواقف العلماء والأئمة وتفهمٌ لقراءة ظروفهم، فقد أدّاهم اجتهادهم إلى أنَّ الحاكم الظالمَ والفاسقَ ضرورةٌ يجب الصبر عليها. وما دار من جَدَلٍ كلامي حول معنى الإيمان هل هو قول وعمل، وحول مُرتكِبِ الكبائر هل يكفر أو لا، إنما يحوم حول الحكام الفاسقين لمعرفة الحد الفاصل بين الفسق الذي لا يُخرج صاحبه عن دائرة الإيمان، وبين الفجور المُفضي إلى الكفر. كان الجدل حول تلك المسائل تعبيرا عن الرفض، ونقدا غير مباشر للملوكية) 6 ، كما دفعهم الخوف من الفتنة واستبدال ظالم بأظلم منه هو الذي ألجمَ العلماء، وشل فاعليتهم في تاريخنا. وكيف يمكن خلع حكم عاض قائم على السيف دون مقارعة في الميدان؟ ورجَّح علماؤُنا الصبرَ على الداء العُضال الذي نَخَرَ في جنب الأمة، يُفضلونه على الانتفاضة التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها) 7 ؛ أدب وحسن الظن بمن استأمنهم الحق سبحانه على تبليغ رسالته ودعوته، فـَـلا يُظَنَّ بأئمتـنا إلا أنهم احتاطوا لدينهم وللأمة جزاهم الله خيرا. وهم كانوا أبْصَرَ بواقعهم وأقدر على وزن النـتائج المترتبة على الصبر أو المناهضة) 8 .

مسؤولية العلماء وواجبهم

إن الأدب والتقدير وحسن الظن بالعلماء لم يمنع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من تذكيرهم بمسؤولياتهم تجاه الأمة، بل اصطبغ التذكير أحيانا بالعتاب واللوم، لا سيما والأمة تنجرف إلى مهاوي الهلاك، بغي تمأسس، وحكم على السيف تأسس، ومقدسات دُنست، وأعراض هتكت، وقيم دين استبيحت، ومقدرات وثروات نهبت، ودماء سُفكت، فغدت ديار الإسلام بؤرا للتوترات وميادين وغـى تُخاض فيها حروب بالوكالة وأضحى إسلام التعايش والتسامح والتكارم قرين الإرهاب؛ تذكير بمسؤوليات العلماء بطعم العتاب واللوم يستحضر البون الشاسع بين حكام الملك العاض حيث كان للإسلام مع حكم السيف شوكة وبين حكام أفرغوا الإسلام من كل لب وجوهر بل حاربوه وصنفوه عدوا ووالوا أعداء الأمة الحقيقيين، يقول الإمام مميزا فـحكامهم ـ حكام العض ـ الفاسقون كانوا يزعمون احترام الشرع، بينما لا تجد من بين طواغيتنا إلا كل عُتُلٍّ زَنيم، إذا تتلى عليه آيات ربه قال أساطير الأولين. سيما وحكام تلك العهود ما صادقوا ووالَوْا المشركين، بل حاربوهم، بينما حكام الجبر بين ظَهْرانَيْنا أصبحوا مطية للاستعمار وخدَمَةً لمصالحه) 9 ؛ على هذا الأساس، جاء اللوم والعتاب تذكيرا بواجبات العلماء الجسيمة: يا علماءنا يا أصحاب الفضيلة! إن للفضيلة عليكم لحقا، وإنكم طوِّقتم أمانة الإسلام فلم نرى بعضكم يخونها وجمهوركم ساكت؟ ثم نرى بعضكم سابحا في تفاهات المناصب… أنتم معاشر السادة الأفاضل آثرتم وثير الفرش ومجالس المترفين على منابركم الفارغة في المساجد…آثرتم هناءة الوثيرة اليومية الحقيرة وعادات القعود وتركتم الذئاب تعيث فسادا في رعية أخذ الله عليكم العهد أن ترعوها وتخفِضوا لها الجناح، يا ورثة الأنبياء… إن لم يدفعكم للكلام خشيتكم الله وغيرتكم على محارمه فلا أقل من أن تكونوا أهل مروءات وترتفعوا بسلوككم ومواقفكم… تحسبون أن واجبكم قد أديتموه إن صِحْتم على الفساد العام صيحة عامة مجلجلة على منابر الوعظ الخاصة التي يطرد منها من لا يمضي تعهدا صامتا أن يتبع مسار التنفيس على الضمائر المعذبة بالصحيات الرسمية) 10 .

تذكير يستنهض الهمم الناعسة ويدعو العلماء بما حباهم الله تعالى من علم وقَبول شعبــي لانخراط ميداني في تربية الأمة ورسم محجة واضحة، قوموا لله وعلموا الأمة الإسلامية دينها، خُطوا لها الطريق إلى غد الإسلام، حرروا العقول من هيمنة الثقافة الواردة الغازية، وحرروا الضمائر من أرجاس الخيانة بتحرير الشعب من الفتنة الجاثمة فوقه، حرروا البطون من الجوع وانزِلوا إلى الشعب من علياء مجدكم المزيفِ تقاسمون المساكين همّهم… أجيبوا بجهاد فكري، باجتهاد مجدِّد… كونوا مخططي مستقبل هذه الأمة! كونوا فعلة بنائها! كونوا الإرادة الصادقة التي لا تنثنـي! …) 11 .

تذكير رحيم وعتاب لطيف يميز بين العلماء الصادقين المخلصين وبين فئة قليلة من ديدان القراء تسيء لوظيفة العلماء، لذلك جاءت الدعوة، تمايزوا ـ يا علماءنا ـ حتى نعرف كل منكم واختياره، وستجدون أن ديدان القراء حفنة تافهة تذهب مع الرياح، وستجدون أن تجارة المناصب والمظاهر بائرة) 12 .

وحرصا منه على رسالية العلماء وطُهرانيتها حذر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله العلماء من الخوض في مستنقع السياسة وأوحالها، فهو يرى أن واجبات الدعوة وأعباءها وواجب تعليم الأمة دينها وعمارةَ المساجد ـ تقتضي ـ أن يرتفع أهل الدعوة، أهل القرآن عن مجالات النزال السياسي ومهاتراته ومكابداته ليتفرغوا لما هم له أهل، مُراقبين موجهين أهل الحكم المدرَّبين على شؤونه… تضيع منهم الفرصة التاريخية، وتتسـرب من بين أصابعهم إن هم عَمَدوا إلى ساحة النضال السياسي والنـزال التناوُبـيِّ على الحكم. الفرصة التاريخية غيرُ النُّهزة السياسية) 13 .

تقدير وامتنان

إن رجلا من عيار الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ما كان ليغمط العلماء وأئمة الهدى ـ وهم من هم علو مكانة وقدسية رسالة ـ حقهم، بل اعترف بجلال قدرهم، يقول: سادتي العلماء، إنكم والله أحب الناس إلي، وأعظمهم في عيني… وإنكم لمظنة الخير… وإيمانكم لا أشك فيه ولا في قدرتكم على تغيير وجه المغرب… وإنكم إخواني وأحبتي العلماء الحلقة الضرورية الوحيدة لاتصال حبل الإسلام بحاضرنا المفتون… فاعذروني إن قسوت. وإنما هي نفثة مصدور… عن أمانات ضيعتموها) 14 .

والحمد لله رب العالمين.


[1] العدل: الإسلاميون والحكم. ص: 679.\
[2] افتتاحية العدد الأول من مجلة الجماعة.\
[3] نفسه.\
[4] نفسه.\
[5] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص: 5.\
[6] رجال القومة والإصلاح. ص: 9.\
[7] نفسه. ص: 13.\
[8] الخلافة والملك ص: 64.\
[9] رجال القومة والإصلاح. ص: 9.\
[10] نفسه.\
[11] نفسه.\
[12] نفسه.\
[13] العدل: الإسلاميون والحكم. ص: 679.\
[14] رسالة “الإسلام أو الطوفان”.\