لا يفوِّت المغرب الرسمي فرصة دون عرض نموذجه “الفريد” في تدبيره للحقل الديني واستعداده لتقديم خدمات في المجال تجنبا للتطرف وصناعة الإرهاب، فبعد بلدان إفريقية جاء الدور على فرنسا وبعدها على هامش القمة الهندية الإفريقية الأخيرة.

لقد فطن النظام المغربي لحيوية الشأن الديني ومركزيته في وجدان الشعب، وإن كان هذا تحصيل حاصل في التاريخ السياسي المغربي، فالأسر التي تعاقبت على حكم المغرب منذ الأدارسة حازت السلطة من بوابة “دينية”. لذلك، ووعيا منه بقدرة العامل الديني على تعبئة الشعب والتأثير فيه، سارع الراحل الحسن الثاني الذي كثيرا ما حذر شاه إيران ونبهـه لمراقبة العلماء، لإحداث المجالس العلمية في بداية ثمانينيات القرن الماضي حدد لها وظيفة حصرية: “مراقبة الخطاب الديني في المساجد”. ترى ما هي أسس هذا التدبير؟ وما جدواه وفعاليته؟ وما هي متطلبات تنزيله واقعا يمشي على الأرض؟

إن المتأمل في التدبير الرسمي للشأن الديني يكتشف أنه لا يعتمد على الضبط الحديدي، بل يعتمد على التنوع خطابا وفهما وسلوكا، حيث يمكن رصد تجليات التوجهات الدينية في الهيئات الخارجية في الفضاءات العامة، كما تجليه هيئة المصلين في المساجد؛ تنوع إلى حد النقيض أقرب إلى ما يعرف بــــالفوضى الخلاقة يستثمره النظام في خلق توازنات في الحقل الديني، مثلما يستفيد منه في الحقل السياسي، فلا تتاح الفرصة لتوجه أن يهيمن على الساحة وتتسع شعبيته، إضافة إلى كون هذا الاختلاف يسمح بإثارة خلافات أفقية بين هذه التيارات تعميقا للهوة بينها وإذكاء للصراع والتطاحن الفكري هدرا لجهود في معارك هامشية وتقوية لمصداقية التوجه الرسمي.

وإذا كان النظام واعيا تمام الوعي بمحدودية سقف التوجهات الدينية المحسوبة على التيار “السلفي”، فإنه واع تمام الوعي بقدرة الحركات الإسلامية المعتدلة على استقطاب قاعدة شعبية واسعة، لذلك اتخذ كل التدابير لعزلها عن الشعب وحرمانها من منابر الجمعة والوعظ في المساجد، من خلال اعتماد آلية التزكية التي تسلمها مصالح المندوبيات الجهوية للوزارة الوصية، تزكية لا تسلم لمن شُمت فيه رائحة انتماء أو تعاطف مع جماعة العدل والإحسان، مهما كانت أهليته العلمية والخطابية.

تدبير الشأن الديني إذن يقوم على احتكار الخطاب وتنميطه مع السماح ببعض الانفلات المقصود تحقيقا للتوازن، لا سيما بعد نجاح النظام في اختراق “قلعة” التيار السلفي غداة أحداث 16 ماي 2003 الأليمة، من خلال حجم “المراجعات” المعلنة من طرف أغلب “شيوخ” هذا التيار وإدماجهم في المشهد السياسي الرسمي.

احتكار للخطاب الديني عزل مؤسسة المسجد عن محيطها الاجتماعي وحال دون تفاعل منابرها مع قضايا المجتمع أو الأمة، وغدَا الخطباء ووعاظ المجالس العلمية أشبه بالموظفين لدى الوزارة الوصية ينضبطون لتعليماتها، ومن تجرأ وتفاعل مع مستجدات الساحة وطنيا: فيضانات كلميم، مهرجان موازين، غلاء فواتير الكهرباء والماء، غياب أو تردي الخدمات العامة في مرافق الدولة، ارتفاع منسوب الميوعة في الحياة العامة… أو مع قضايا الأمة: العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، تدنيس الأقصى… فلن يتأخر قرار عزله أكثر من 24 ساعة. احتكار وعزل للمسجد مجتمعيا أحاله مكانا للصلاة وأفقده وظيفته التربوية والتعبوية.

إن النظام قد “ينجح” في احتكار الخطاب الديني بإقصاء الحركات الإسلامية القادرة على النفاذ إلى وجدان شرائح شعبية واسعة ومتنوعة، لكنه لا يستطيع النجاح بنفس الدرجة في إقناع رواد المساجد بجدوى خطابه وتفسيره لما يُطرح من قضايا رسمية من خلال المنابر المسجدية: الدعوة للتصويت في استفتاء دستور 2011 نموذجا. ثم إن نجاح المقاربة الرسمية للشأن الديني يجب أن تقاس بقدرتها على استئصال التوجهات المتطرفة نهائيا، والحال أن تفكيك الخلايا الإرهابية أضحى حدثا معتادا في نشرات الأخبار، وهو ما يؤشر على عدم نجاعة هذا التدبير، إلا أن يكون الإعلان عن مطاردة الإرهاب وتفكيك خلاياه بهذا الحجم يخدم حاجة في نفس المخزن.

وحيث إن كل مبادرة أو مشروع هو ابن بيئته، فالمقاربة الرسمية للشأن الديني لا تتوقف على تكوين الأئمة والخطباء وتشبعهم بالفهم المعتدل للإسلام وإكسابهم مهارة الخطابة والإقناع، بل يتطلب أساسا بيئة مخزنية تحكمية تعد على الخطيب أو الواعظ الأنفاس، وتراقب مشاعره وتجرده من أحاسيسه، فلا يتأثر بغطرسة “إسرائيل” وهي تقتل الأطفال الفلسطينيين بدم بارد، ولا تنتفخ منه الأوداج وهو يرى المستوطنين اليهود يدنسون الأقصى، كما تتطلب المقاربة جيشا من “المقدَّمين” والمخبرين يحررون التقارير خلال خطب الجُمع ويرصدون شعبية هذا الخطيب أو ذاك. ترى، هل يمكن تنزيل هذه المقاربة التحكمية في بيئة متشبعة بقيم الحرية رأيا وتعبيرا؟