شارك، مؤخرا، وعلى مدار يومين كاملين، الدكتور محمد رفيع، أستاذ أصول الفقه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، في الملتقى الدولي الثالث الذي نظمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بولاية سطيف بالتنسيق مع مديرية الشؤون الدينية والأوقاف، حول فقه الواقع ومستقبل التّجديد في النّهضة الإسلامية)، وقد شارك الدكتور رفيع بورقة تحت عنوان معالم فقه الواقع في مشروع عبد السلام ياسين التغييري – دراسة في تجربة مغربية معاصرة).

وأكد الدكتور رفيع في مداخلته أن اختياره هذا النموذج المغربي المعاصر جاء لسببين اثنين. السبب الأول لصلة مشروع هذا الرجل التفصيلي بفقه الواقع. هذه الصلة العميقة شاملة لكل مفردات القضايا التي عالجها في مشروعه. والسبب الثاني هو أن هذا الرجل لم يُتَنَاول مشروعُه بالدراسة العلمية الأكاديمية إلا مؤخرا من خلال المؤتمر العلمي العالمي الذي نُظم قبل أيام من وفاته سنة 2012 باسطنبول، وهو المؤتمر الذي كان مناسبة لتفصيل القول في مشروعه من نواح متعددة. إضافة إلى بعض الدراسات القليلة على كل حال بالنظر إلى حجم المشروع وإلى طبيعة المشروع). واعتبر أن مشروع الرجل متكامل ومُقَعَّد ومفصل ومتجدد ومتماسك إلى حد بعيد، جمع بين الدراسة التفصيلية النظرية التأصيلية، وبين الممارسة العملية الواقعية. وهو الذي كان يحرص دائما في جل كتاباته على أنه لا قيمة لمشروع فكري نظري إن لم يُترجَم إلى واقع عملي مؤسساتي يمشي على الأرض، يترجم مفاهيمه، يعمل على تجسيد قيمه).

أسباب أكد الباحث أنها دفعته للحديث عن معالم فقه الواقع في هذا المشروع، وتلمس معالم فقه الواقع في هذا المشروع المترامي الأطراف، والذي أُنجز في كتب متعددة، منها المجلدات، ومنها الكتب المتوسطة، ومنها الصغيرة، ومنها الأشرطة المسموعة والمرئية).

وأكد رفيع أنه اشتغل في هذا المشروع منذ سنوات من زاوية تخصصه، على الأقل، زاوية أصول الفقه ومقاصد الشريعة. وتتبع مختلف القضايا التي تناولها في الجانب الفقهي والأصولي والمقاصدي، فألفى معالم فقه الواقع في هذا المشروع متناسقة متكاملة ورصدها على مستوين: على المستوى النظري وعلى المستوى التطبيقي). أما على المستوى النظري فأرجعها إلى أربعة أصول نظرية منهجية تنتظم فكرة فقه الواقع وتقدم لنا صورة واضحة عن مدى اعتماد هذا الرجل على فقه الواقع في صياغة هذا المشروع النظري التجديدي المتميز).

ورأى المحاضر أن الأصل الأول من أصول هذه النظرية هو تحكيم كليات قرآنية في فقه الواقع، إذ انتقى من القرآن الكريم كليات ثلاثا اتخذها معايير لمراجعة ودراسة الواقع، وهي كلية الشورى وكلية العدل وكلية الإحسان، وهي عناوين الأزمة في الأمة منذ فجر التاريخ، وكلية الشورى هي التي غابت واختفت من ساحة الأمة الإسلامية في وقت مبكر منذ الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة).

وعن فقه الواقع في فكر هذا الرجل أكد أنه يتناول الواقع المحلي، في ارتباطه بالواقع الإقليمي وفي ارتباطه بالواقع الإنساني البشري، فهو لم ينحصر في كل ما قدمه من أفكار ونظريات في الجانب المغربي، بل كان دائما يتحدث عن المغرب وعن المسلمين في سياق الواقع الإنساني لأنه يصر على أن المشروع) الإسلامي مشروع إنساني بامتياز، وأنه لا يعقل أن تكون سيادة الحضارة الإسلامية إلا خدمة للبشرية. وفي هذا السياق من الكونية ومن العالمية يصوغ ويقدم مشروعه. ولذلك اختار هذه الكليات ليراجع مفردات الواقع المحلي والإقليمي والدولي على أساسها).

ووصف المحاضر مشروع الإمام ياسين بأنه مشروع استراتيجي متكامل الحلقات، وكل حلقة تمثل جيلا، والاستعجال فيه غير وارد ولا يوصل إلى النتيجة). وأن الأمة انحرفت عن المشروع الإسلامي منذ قرون، فما ضاع قرونا لا يمكن استعادته في سنوات. وينبغي أن يستوعب العاملون للإسلام هذه الحقيقة، وينبغي أن تكون الأهداف الاستراتيجية واضحة، ولذلك اختصر الإمام أهداف المشروع التغييري في مقصدين اثنين: مقصد العدل ومقصد الإحسان، واستند على حديث الخلافة على منهاج النبوة الصحيح الذي رواه الإمام أحمد. والذي اعتبر أنه يحدد السقف الاستراتيجي للمشروع الإسلامي. مع التمييز بين المضمون الحضاري لهذه الخلافة وبين شكلها الذي يمكن أن يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف الزمان والمكان).

للاطلاع على بعض القضايا التي طرحت في هذه الندوة يرجى مشاهدة الرابط التالي.