الغاية الإحسانية هي مطمح الإرادة، وهي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الأمة من جديد. يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه في “الفتح الرباني” المجلس 43: أَسْرِعْ إلى الأساس فإذا أحكمته أسرع إلى البناء. ما الأساس؟ الأساس الفقه في الدين، فقه القلب لا فقه اللسان، فقه القلب يقربك إلى الحق عز وجل، وفقه اللسان يقربك إلى الخلق وملوكهم، فقه القلب يتركك في صدر مجلس القرب من الحق عز وجل، يصدرك ويرفعك ويقرب خطاك إلى ربك عز وجل )اهـ.

وإن أي إصلاح لا يقدر هذه الخطوة قدرها، يوشك أن تكون عاقبته إلى غير رشد. ذلك أن الفقه في الدين يقتضي فقها في أركان الإسلام وأخلاق الإيمان وأذواق الإحسان جميعا، وأن إخراج الدين من غربته الثانية يعني إعطاء كل مرتبة حقها من الإحياء والتجديد.

كنا قد رأينا حديث جبريل الذي علَّم الصحابة ومن بعدهم أن الدين مراتب. في هذه الفقرة نقف إن شاء الله عند حديث آخر يعده علماؤنا رحمهم الله من دعائم الإسلام. “عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ”، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: “لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ”” 1 .

و“عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: “بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ”” 2 .

يقدم لنا هذا الحديث إضافة نوعية في فهمنا للدبن، فإذا كان حديث جبريل يعرض الدين على أساس “المراتب”، فهذا الحديث يعرضه من خلال “مجالات الاشتغال”، اعتبارا لكون “النصح” ركنا من أركان العقد القائم بين الإنسان وربه، وبينه وبين أخيه الإنسان. وبالتالي فإن طالب الفقه في الدين حقيقة لا تنفصل في ذهنه علاقته بخالقه عن علاقته بالمخلوقين. وتفقهه في الدين هو عينه نصيحته للمسلمين عامتهم وخاصتهم. بل لا يمكن أن نتصور – اعتمادا على هذا البيان النبوي – فقها في الدين لا يتطرق إلى طبيعة التعاقد بين الحاكم والمحكوم، وبين المحكوم والمحكوم، على حد سواء.

يؤيد ما ذكرناه حديث آخر أكثر توضيحا وتفصيلا، وأقرب أن ينعم علينا بحسن الفهم، وسداد الرأي. ونحن أحوج ما نكون في عصرنا هذا إلى قراءة مثل هذه الأحاديث القراءة المنهضة لهمم المسلمين في زمن الغثاء، الدالة على الله وسط أهل التطاول في الدنيا من العالة رعاء الشاء. “عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَقَالَ: “ضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه. ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِين، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ”” 3 . و“عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِنِصْفِ النَّهَار.ِ قَالَ فَقُلْتُ مَا خَرَجَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ. فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُه. فَقَالَ: نَعَمْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ فَأَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْه. فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيه، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه. لَا يَعْتَقِدُ قَلْبُ مُسْلِمٍ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة. قَالَ: قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّه، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَه. قَالَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى قَالَ هِيَ الظُّهْرُ”” 4 .

يقيننا بما أوتيه المصطفى الكريم من جوامع الكَلِم وجواهر الحِكَم يفرض علينا أن نَصِلَ بين شطري الحديث لنفهم أن الفقه الواجب تحمله وأداؤه هو فقه يضع جنبا إلى جنب إخلاص العمل لله تعالى، والنصح لحكام المسلمين، والسعي لجمع كلمة الأمة. كل ذلك والآخرة مرمى النظر، حتى يجمع الله بالنية الحسنة شمل القلوب والعقول والجهود على الهم الواحد.

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول1- اغتراب الدين

فقهُ نصيحة الأمة يعني دعوةً وتعليما، وتعبئةً وإعدادا للطاقات. وفقهُ نصيحة الولاة يعني تصحيحا لمسار الحكم في اتجاه الشورى والعدل، تعرضا للموعود النبوي بخلافة ثانية على منهاج النبوة. والقلب أولا وأخيرا متعلق بالله، موقن بوعده، مشتاق للقائه.

تشتت هذا الفهم الجامع منذ انتقضت عروة الحكم، فصار التحمل والأداء مقتصرا – بسبب الظلم والاستبداد – على فقه الفروع دون “فقه النصح”، بل صار لفظ الفقه عَلَما على أحكام العبادات والمعاملات، ومسائل الجدل والمناظرات. قال الحكيم الترمذي رحمه الله في “نوادر الأصول” الأصل 263: فهؤلاء الذين انتحلوا هذا الرأي وأكثروا فيه الخوض سموا هذا فقها، وخيل إليهم أن هذا هو الذي ما عبد الله بمثله، وهو هذه المسائل التي عندهم فقط، ولا يعلمون أن أستاذيهم تكلموا بها ثم قالوا وددنا أنا نجونا منها كفافا لا لنا ولا علينا مثل إبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين رحمهم الله في زمانهم، وأبي حنيفة وسفيان والأوزاعي ومالك رحمهم الله في زمانهم، فكلٌّ تمنى الخلاص منه لا له ولا عليه، وهؤلاء أعرضوا عن سائر العلوم التي حاجة الناس إليها في كل وقت، وصار هذا النوع فتنة لهم فتراه طول الدهر يقول يجوز ولا يجوز، يدخل فيما بينه وبين عباده مع الحيرة في ذلك، ولا يدري أصواب هو أم خطأ، ثم تراه في خاصة أمره ودينه عوج كله، فإقباله على نفسه حتى يكف منها ما لا يجوز خير له من إهماله نفسه وإقباله على إصلاح الناس، ذلك ليعلم أنه مفتون. وكان المتقدمون أولى بالشفقة على الأمة والحرص على الدين والنصيحة لله، فشغلهم إصلاح أنفسهم عن الخوض في هذه الأشياء حتى يلهيه عن عيوب نفسه).

صحيح أن الفقه أطلق منذ عهد النبوة على علم الحلال والحرام، كما في قول أمنا عائشة رضي الله عنها: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّين) عندما سألت إحداهن عن غسل المحيض 5 . وكما في قول سيدنا عمر رضي الله عنه: ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل) 6 . لكنه ما كان الأصل، وما كان كلَّ الفقه، بل صار على من بعدهم فتنة وهلاكا، كما ذكر “حكيمنا” وكما ذكر غيره من السلف المجددين كالإمام الغزالي رحمهم الله.

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول2– (الفقه في الدين) والفتح

ما كان كُلَّ الفقه، لأن كُلَّ الفقهِ كما تواطأت عليه نصوص الكتاب والسنة صحبةٌ للربانيين، بإرادة جهادية على منهاج النبوة، مرادها جمع شمل المسلمين واسترداد جماعتهم بـ”بيضتها” السياسية، وشوكتها الاقتصادية، ونَفَسِها العُلُومي، وجوهرها الأخلاقي، حتى يظهر الإسلام الذي رضيه الله عز وجل على الدين كله.

وبهذا المعنى ينبغي أن نفهم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الترغيب في الفقه في الدين والحضِّ على التفقيه فيه.

“عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: “أَتْقَاهُمْ”. فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك.َ قَالَ : “فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّه”. قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك. قَالَ: “فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُون، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا”” 7 . وله أيضا في (الأدب المفرد): “عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: “خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا””.

و“عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِير، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”” 8 .

يُذَكِّرنا تشبيهُ الفقه بالغيث في هذا الحديث بقول سيدنا عمر أن السيادة بالفقه حياةٌ.

ويُذكي الحبيب روح التنافس بين الأصحاب، فيَذْكُر أقواما بخير، ويُنْكِرُ على آخرين تضييعهم واجب تفقيه جيرانهم. “عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: “ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون. والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتفطنون أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا. ثم نزل. فقال قوم: من ترونه عني بهؤلاء، قال: الأشعريين، هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب. فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوما بخير وذكرتنا بشر فما بالنا؟ فقال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفقهنهم وليفطننهم وليأمرنهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفطنون ويتفقهون أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم وأعادوا قولهم أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضا. فقالوا: أمهلنا سنة. فأمهلهم سنة يفقهونهم ويعلمونهم ويفطنونهم. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم” الآية” 9 .

انظر إلى قوله “هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب” لتعلم أن الفقه نقلة من أعرابية اللصوق بالعادة إلى صدق الهجرة والنصرة والجهاد في سبيل الله، ومن جفاء البداوة إلى صفاء الصحبة في الله.

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول3- الفقه في الدين والصحبة

ويوصي صلى الله عليه وسلم بطلبة الفقه إلى يوم الدين خيرا. ف“عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ رحمه الله قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّين، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا”” 10 .

حرصٌ على الأمة كبير، وتواصل بين أبناء “القرنين” لطيف، حتى لا تضيع النسبة القلبية الجهادية بين شتات العلم والأرض، وسُبات الغفلة عن يوم العرض.

المطلوب إذن أن يُحْسِنَ المسلمون التفقه على مثل هذه النصوص، فتتحرك فيهم داعية النهوض، ويقدموا النموذج الناجح الشاهد بالقسط لخير أمة أخرجت للناس قصدا واقتصادا. الله تعالى ولي ذلك والقادر عليه، لكنْ بِأَيْدٍ مؤمنة متوضئة قامت من وطاء الدعة والاسترواح، منتصبة على ساق العمل الدؤوب، لتودع زمان الغربة… وتلتقي بالموعود.

الموعود نجده في سورة الصف مطلقا: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون الآية 9. ومشروطا بالإيمان والجهاد الشامل: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب. وبشر المؤمنين الآيات 10-13. ومشروطا بالصحبة في الله محبة وتشربا: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارا لله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين الآية 14.

جاءت الآيات بلفظ الجهاد عاما لتحرضنا على خوض جميع أشكاله، وجعلتْ نصرةَ الله (أنصارا لله) هي عينَ النصرة إليه (أنصاري إلى الله) لتُعَلِّقَ قلوبنا بمعاني الصحبة والمخاللة لأوليائه سلوكا إليه.

ثمرة فقه الجهاد الجامع الموصول بصحبة سالكة مسلكة إلى الله، نصر من الله وفتح قريب، وظهور على الأعداء وتأييد، ثم إتمام لهذا النور وإظهاره على الدين كله ولو كره كل جبار عنيد.


[1] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[2] رواه الإمام البخاري رحمه الله.\
[3] رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله.\
[4] رواه الإمام الدارمي رحمه الله.\
[5] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[6] رواه الإمام الهيثمي رحمه الله في “مجمع الزوائد”.\
[7] رواه الإمام البخاري رحمه الله.\
[8] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[9] رواه الإمام الهيثمي رحمه الله في (مجمع الزوائد).\
[10] رواه الإمامان ابن ماجه والترمذي رحمهما الله.\