تمهيد

تعرض هذه الورقة لقراءة تأملية في حجاج الخطاب السياسي لأشغال المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته 19، وذلك من خلال النظر في ثلاث وثائق كانت ثمرة تحليل نقدي لواقع الفعل السياسي الحالي بالمغرب خطابا وممارسة، وهما:

– الكلمة الافتتاحية لرئيس الدائرة السياسية.

– وثيقة التقرير السياسي.

– وثيقة البيان الختامي.

ومرمى هذه القراءة أساسا، أن تقف عند نقض الخطاب السياسي المتضمن في هذه الوثائق لمقولة “وهم الإصلاح في ظل الاستقرار” بالمغرب. تلكم المقولة التي أضحت لازمة من لوازم الخطاب المخزني الرسمي، وقاعدة من قواعد التداول السياسي تجيش لترسيخها مختلف أجهزة الدولة حتى غدت عند البعض مسلمة لا تحوم حولها أدنى شبهات الريب أو الشك خاصة مع الجهد الجهيد التي تبذله تلكم الأجهزة لتجذيرها في الوعي العام ليس في مستوى المخيال الشعبي لدى فئات العامة فقط، وإنما وللأسف في مستوى خطاب “النخبة المثقفة”.

أولا: الكلمة الافتتاحية ونقض أوهام الخطاب السياسي الرسمي

اعتمدت الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الدكتور عبد الواحد متوكل في مستهل افتتاح أشغال المجلس القطري لـ”مقدس” في نقضها لـ”وهم الإصلاح في ظل الاستقرار” على نقض ثلاث دعاوى أساسية، إليكم بيانها:

1- نقض دعوى سلامة العملية الديموقراطية

إن مما انبنى عليه الخطاب السياسي المخزني في المغرب بعد عمليات الالتفاف الكبرى لما بعد حركة 20 فبراير الترداد الكثير لمقولة تنزيل دستور 2011، وكانت فرصة الانتخابات الأخيرة في شتنبر 2015 فرصة سانحة للدعاية السخية للدستور الممنوح، ولديمقراطية الواجهة.

ولقد عملت هذه الكلمة الافتتاحية على نقض هذه الدعوى من خلال بيان تهافت العملية على مستويات ثلاث:

أ- مستوى الإعداد: بالنظر إلى طبيعة الترسانة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية والتي طبعها التقييد والتحكم.

ب- مستوى السيرورة: بالنظر إلى ما شاب العملية من خروقات قانونية أعادت إلى الواجهة السلوكات الانتخابية المشينة المعهودة القديمة الجديدة.

ج- مستوى المآلات التي أفرزت “خياطة” خريطة سياسية طبعتها التوافقات والتحالفات التي وضعت في حسبانها عدم المس بـ”مصالح المخزن المرعية”.

2- نقض دعوى حرية النقاش المجتمعي

من الأوهام الأساسية التي يتم الترويج لها في المشهد السياسي المغربي وهم وجود نقاش مجتمعي بالمعنى العلمي السياسي للمفهوم على النحو الذي نجده مؤسسا في البلدان العريقة ديموقراطيا، وهو وجود يستبطن التوفر على مجال واسع للتأسيس لمعاني الحرية في النقاش المجتمعي داخل فضاء التواصل الجماعي للفاعلين المتعددين بمختلف توجهاتهم ومرجعياتهم، وهو ما يتيح عرض قضايا شائكة على بساط البحث والنقد والتحليل.

تتخذ كلمة الدكتور عبد الواحد المتوكل قضية “الغلط الشنيع” في “فتوى” المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول نصيب المرأة من الإرث منطلقا لنقض دعوى توفر الحرية في النقاش المجتمعي، وذلك من خلال التشكيك في الدوافع المقدمة لإصدار هذه التوصية والتي تغلف عادة بأقنعة الدفاع عن حقوق المرأة عبر الحجج التالية:

– الحجة الواقعية الماثلة في الوضع العام المتردي للمرأة على كافة الأصعدة، وهي حجة تسائل النظرة التجزيئية المعتمدة في مقاربة وضعية المرأة، إذ لم السكوت المريب عن الحيف المزري العام بذات المرأة وكرامتها والنبش في قضايا تخالف إجماع عموم المسلمين؟!!

– الحجة الحقوقية الظاهرة في هذا الإجهاز العام على الحقوق الفردية والجماعية للشعب ولقواه الحية في مستويات التعبير والتنظيم والاجتماع والاعتقاد والتقاضي والتنقل، وهي القضايا المغيبة المنفية من دائرة عمل المجلس المعين.

– الحجة الشرعية القائمة على أن حالة التفاضل في الإرث بين الذكر والأنثى هي فقط إحدى حالات الإرث الشرعية للمرأة المتفق عليها نصا وإجماعا، وهي حجة تشكك في نية هؤلاء المتصدين لإثارة الشبه حول دين الأمة وعقيدتها.

– حجة النظرة الانتقائية البارزة في صناعة قضايا هلامية وقيادة معارك وهمية لا وجود لها إلا في ذهن من يثيرها، والغيبوبة المستقيلة عن تناول قضايا أخرى، ذلك أن الشجاعة التي يدعيها البعض في نقد “الطابوهات” المسكوت عنها يقتضي التعرض لمختلف هذه “الطابوهات” وعلى رأسها قضية الزواج المدنس بين الثروة والسلطة.

3- نقض دعوى رقي وتقدم الوضع الاجتماعي والاقتصادي

إلى جانب اشتغال الخطاب المخزني الرسمي على الدعاية لمقولة الإصلاح في ظل الاستقرار من خلال التأكيد على ديموقراطية العمل السياسي، وحرية النقاش المجتمعي، اشتغل هذا الخطاب على بيان تطور وتقدم ورقي الوضع الاجتماعي العام للشعب المغربي، وهو الشيء الذي عملت الكلمة الافتتاحية لمقدس على نقضه من خلال مناقشة ما يسميه أهل الحجاج بالحجة المغالطية المبنية أساسا في الدعوى المعروضة أمامنا على:

– نقض المقارنة الخطأ، ذلك أن الاستناد إلى تبرير الواقع المتأزم على المقارنة بين أحوالنا المتردية وبين ما يقع في الدول التي عرفت ثورات على أنظمتها المستبدة بدعوى الأمن مقابل الاستقرار، لهو منطق غريب عجيب قائم على المقارنة بالنماذج السيئة. والأصل عند العقلاء أن تتم المقارنة بين السيئ والأجود لا بين السيئ والأسوإ منه.

– نقض الاستدلال الفاسد، إذ إن اعتماد منطق: “إن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ” استدلال فاسد يشيع اليأس في أي أمل يرتجى للتغيير الحقيقي، ويرهن البلاد والعباد لإرادة الاستبداد والفساد، ويؤصل لتأبيد واقع الظلم والاستعباد، ويشيد لرعاية ذهنيات الخنوع والقعود رضى بما هو قائم. وهي استراتيجيات استبدادية تلقى سندها التاريخي في دعائم دين الانقياد وتبريرات المنطق المصالحي القاعد دون إرادة الفاعلية القائمة للحق الشاهدة بالقسط وسط دنيا الناس وهموم الناس.

لقد رافق عملية نقض هذه الدعاوى الثلاث نقد ساخر لاذع لمظاهر الردة والبؤس في العمل السياسي بالمغرب، وذلك على مستويين:

– مستوى الفعل السياسي من خلال الإلماع إلى هذه الظاهرة العجائبية للمشهد السياسي المغربي المتمثلة في إجماع الكل حكومة ومعارضة على انتقاد فساد العملية الانتخابية من دون الجرأة على تحديد الجهة المتسببة في عمليات الإفساد تلك، على نحو أدخل الفعل السياسي في غياهب صمت التآمر وجعجعة الاستخفاف.

– مستوى الخطاب السياسي من خلال الوقوف عند تناقض وتهافت هذا الخطاب الذي يرتهن إلى وهم النقاشات الهامشية التي لا تجرأ على مس حمى الأسياد، بل “تخنس وتبتلع ألسنتها وتجبن عن مناقشة البشر الخطاء، وهو ما يهدم دعاوى انتصارها للمظلوم وغيرتها على الحق المضيع”.

ثانيا: التقرير السياسي لمقدس ونقض أوهام الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي

إذا كانت الكلمة الافتتاحية لمقدس قد جعلت وُكْدَها نقض أوهام الخطاب السياسي، فإن التقرير السياسي لمقدس قد انصرف إلى مستوى آخر انبنى على نقض أوهام الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وذلك عبر التحليل الناقد لمجالين اثنين:

أ‌- مجال تم فيه استحضار السياقات المحيطة عالميا وإقليميا وهي السياقات التي انطبعت حسب التقرير بتصاعد التوتر في مختلف مناطق العالم، واستمرار الاستكبار العالمي في دعم الاستبداد العربي والإجرام الصهيوني. ولعل استحضار هذه السياقات مهم في فهم وعي واضعي التقرير بآثار الموجات الارتدادية للتغول العالمي وصنائعه المحلية على تنمية وتصليب إرادات التحرر والانعتاق لدى الشعوب المضطهدة، وفي ذلكم تلميح يستشرف المآلات التاريخية الناصعة لكل ذي لب أريب المنبئة بقدوم موجات حركات تحررية رافضة للظلم منتفضة ضد الاستبداد، وفي ذلكم أيضا رسالة بالواضح تنقض وهم كون المغرب بمنأى ما -بدعوى الخصوصية والاستثناء- عن سنة الله في الضرب على يد الظالمين المترفين، وكون البلاد بعيدة عن ما شهدته بلدان الجوار وغير الجوار من ثورات اقتلعت مستبديها من سلطانهم.

ب‌- مجال الرصد التشخيصي الوصفي التحليلي للواقع المحلي من خلال مقاربة علمية اعتمدت لغة الأرقام لتسائل سياسات الحاكمين في مستويات متعددة شملت على الخصوص:

– المجال السياسي: وفيه اهتم التقرير من خلال تتبع راصد لعناصر شتى من السلوكات السياسية بنقض دعوى الإصلاح الدستوري والتطور الديموقراطي، لتكون الخلاصة البرهنة على استمرار التحكم المخزني في مختلف تمفصلات التدبيرية بعيدا عن آليات المحاسبة والمراقبة، وتأكيد استمرار الطبيعة الانغلاقية للنظام الحاكم، وترسيم سياسات الإلهاء التي تدخل العمل السياسي في الهوامش المفرغة من أي فعل حقيقي.

– المجال الحقوقي: واستدل فيه التقرير -عبر صور متعددة للانتهاك الممنهج لحقوق الإنسان أفرادا وجماعات اعتقالا واحتكارا وتضييقا وتحكما- على استمرار النظام الحاكم في الإجهاز على الحقوق والحريات والإصرار على التمادي في شرعنة الاستبداد)، وهو ما ينقض جملة وتفصيلا دعاوى الانفتاح والحريات والعدالة المجتمعية.

– المجال الاجتماعي: نقض التقرير من خلال معطيات إحصائية وطنية ودولية ادعاءات الحكم والحكومة المتغنية باستقرار الوضع الاجتماعي في مختلف المناحي القطاعية، ليبرهن على الانهيار العام الذي يتهدد النسيج الاجتماعي بفعل الفشل الذريع للسياسات الحكيمة للنظام الحاكم.

– مجال التعليم: بين التقرير أن مجموع التقارير التدبيرية المتسمة بالارتجال والاستعجال والمرتهنة لمنهجية توصيات المجالس المعينة واللقاءات الصورية مع الإجراءات العملية الماسة بالحق في التعليم والتقاعد والحرية النقابية لهي أكبر دليل يهدم من الأساس دعوى إصلاح التعليم على نحو يجعل قاطرة المجال الحيوي لدى الأمم العاقلة يسير في الاتجاه المعاكس.

– وضعية المرأة: ركز التقرير هنا على بيان التناقض الصارخ بين تضخم الخطاب البراق المنتج حول المرأة وبين الواقع الموسوم بالهشاشة والهامشية والمظلومية والإقصاء، وهو تناقض تم الاستدلال عليه من خلال تلمس مجموعة من المؤشرات البليغة في توصيف الواقع الحقيقي للمرأة، كما تم الاشتغال على بيان تهافت المقاربة القانونية في ظل غياب تصور مجتمعي متكامل وشامل.

– الوضع الاقتصادي: اهتم فيه التقرير برصد معطيات اقتصادية رقمية تقود إلى دعم أطروحة إدخال البلاد في دوامة مفرغة يزداد فيه الغني ثراء فاحشا والفقير فقرا مذقعا خاصة مع تنامي المقاربات التجزيئية والتقنية والانفرادية التي تصب كلها في استهداف القدرة الشرائية لعموم المواطنين.

يجدر التنبيه إلى أن اشتغال التقرير السياسي على نقض وهم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مغرب ما بعد دستور 2011، انتبه في ثناياه إلى أهمية نقض دعاوى التيئيس والتبئيس من أي تغيير مجتمعي حقيقي، وذلك عبر إشارات مهمة تقرأ توتر الوضع العالمي وبؤس الوضع المحلي قراءة مفعمة بالأمل. وذلك من خلال الرهان على:

– جذوة المقاومة الحاملة للواء النضال ضد الاستكبار العالمي والتسلط الاستبدادي لوكلائه من الحكام المحليين.

– هبة الجهاد الفلسطيني المتجدد ودروسه في البذل والثبات ضد الغطرسة الصهيونية.

– السخط الجماهيري المتنامي ضد الأوضاع العامة التي تحياها الشعوب.

– العمل المجتمعي القائم على التكتل والثقة والصدق في إطار جبهة لمحاربة الفساد والاستبداد.

ثالثا: البيان الختامي ومخرجات نقض وهم الإصلاح في ظل الاستقرار

باعتماد قراءة نسقية تعتمد مقاربة شمولية، وبلغة مفهومية مدعمة بمعطيات رصدية وصفية تشخيصية تحليلية تصل بنا الوثيقتان أعلاه إلى الوثيقة الثالثة التي كانت بيانا يعلن مواقف مؤطرة بمبادئ ضابطة هي جماع مخرجات ما بناه الخطاب السياسي الذي اشتغل على نقض أوهام الإصلاح في ظل الاستقرار.

تبرز المبادئ المؤطرة لهذه المواقف في:

– اليقين الذي لا يخالطه ريب في نصرة الله عز وجل لعباده المستضعفين.

– الوفاء التام لخط الجماعة في تلازم معاني الإيمان والشورى والثبات على المحجة اللاحبة.

– الاستناد إلى المرجعية القيمية الأخلاقية في بناء السلوك السياسي النزيه الذي يقف ضد سلوكات العبث والاستخفاف والتآمر والتناقض والتهافت واللعب في الهوامش.

– التأكيد على أرضية الحوار الوطني الحر المفتوح الذي يشرك فيه الكل مدخلا لانطلاق تغيير حقيقي.

واعتمادا على هذه المبادئ بمرجعيتها القيمية حدد البيان مجموعة من المواقف دوليا ومحليا كان جوهرها مباركة صمود نضال كل القوى الحية ضد الغطرسة العالمية والاستبداد المحلي، واستنكار العنف الممارس ضد الأبرياء، ورفضه لمختلف سياسات المخزن المغربي في استهداف قيم الشعب المغربي ودينه وأخلاقه ومعيشه ومحاربة قواه الحية وعموم المستضعفين.

رابعا: أقوال للتأمل

1- إن دعوة العدل والإحسان كما أثل لها الأستاذ الإمام عبدالسلام ياسين، عليه رحمة الله، لا تقبل التجزئة أو الانشطار؛ ورعايتها في عهدتنا جميعا، نحفظها بالعمل لا بالجدل، وبالانخراط الصادق في اقتسام الأعباء، والصبر عليها في السراء والضراء، وتوطين النفس على البذل والعطاء. ذلك بعض ما ينبغي لنسلم، عافانا الله وإياكم، من الادعاء وركوب الأهواء. والله بصير بالعباد.

2- إن الذي يتطاول على مناقشة رب العالمين ويخنس ويبتلع لسانه ويجبن عن مناقشة البشر الخطاء لا يمكن أن تسلم له دعوى الانتصار لمظلوم أو الغيرة على حق مضيع.

3- هناك أمل تبشر به المقاومة التي لا زالت جذوتها مشتعلة مواجِهة للاستبداد وقرينه الفساد وفاضِحة لجرائمه ومنافِحة عن حقوق المستضعفين وحامِلة لواءَ معركة تأسيس دولة الحرية والعدل والكرامة. وتقود هذه المقاومة في البلدان العربية حركات وطنية متنوعة المشارب، وهذا ما يدحر اليأس ويرفع منسوب الرجاء في انتصار الحق واليقين في تمكينه وهزيمة الاستبداد وتجفيف منابع الفساد إن شاء العزيز الوهاب.

إن الاختلاف يمكن أن يشكل قوة محركة وحامية للتغيير المنشود، فكلما تعددت المشارب الفكرية والسياسية إلا وكان ذلك حافزا على بذل الجهد والتضحية إذا توفر نكران الذات وتم التخلي عن الأنانيات الصغيرة والبحث عن نقط الالتقاء وتجاوز الخلافات الطبيعية وتدبيرها بروح وطنية وإرادة مشتركة. وهذه خطوة كبيرة في مسار بناء جبهة موسعة للتغيير الحقيقي بالمغرب وتحقيق آمال الملايين من أبناء شعبنا التواقين للتحرر من الاستبداد والفساد والعيش في دولة الحرية والكرامة والعدل.