تحل اليوم 10 صفر1437 الذكرى الخامسة لرحيل الوالد سيدي أحمد الملاخ رحمه الله، أُذكر بها نفسي أولاً ومحبي الرجل ولكلِّ أهل الفضل، ففي يوم السبت 10صفر 1432 هجرية، الموافق ل 15 يناير2011، والمؤذن يرفع آذان صلاة العصر، كان موعد رحيل الأستاذ المجاهد أحمد الملاخ، وفي لحظة الاحتضار يسمع صوت صاحبه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يقول له عبر الهاتف: “لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليها نحيى وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله”.

لن أنس أبدا تلك اللحظات القوية التي تؤكد عمق الصحبة في الله، والموعد الله. فالرحيل عند أهل الأرض قرح، لكن الرحيل عند أهل الله فرح بلقاء الله، خاصة إذا كان من رحل قد ترك بفضل الله عليه إرثا عظيما لا يحده زمان ولا مكان.

أهل الله تركوا بصمة بارزة عند من يعمرون الأرض بعدهم؛ وذلك بإثمار غرس الشجرة المباركة التي تلقي بظلالها على من يتحلقون حولها ويسقونها كي لا تجف. ذكرى الرحيل تذكرة لمن يعمر الأرض لفترة من الزمن محدودة، بعدها يعرف حق المعرفة أن زمن الأرض محدود وأن زمن الآخرة ممدود، وأن الله عز وجل خلق الإنسان فوق الأرض ليعمل عملا صالحا يكون له ذخرا يوم القيامة، مصداقا لقول الله عز وجل: “من عمل عملا صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”. سورة النحل، الآية97

ذكرى الرحيل مناسبة لكل من أعجب بجسمه الفاني ونفسه الغافلة… وغفل عن الرجعى إلى الله. قال الوالد سيدي أحمد الملاخ رحمه الله في إحدى توجيهاته التربوية:”…يُسأل الإنسان عن أربع كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن حِبَّان والترمذي في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “. عمر وشباب ومال وعمل: أربع أركان بيت الآخرة، إما دركا- أعاذنا الله منها- وإما سموا وعلوا. الدركات في الحياة الأخرى تنال بتسخير العناصر الأربع في المعاصي ومطاوعة النفس الخبيثة، بينما المقامات العليا تنال بالطاعات وكبح جماح النفس الخبيثة لتصبح نفسا مطمئنة والتي تكون راضية مرضية يوم الرجعى.

ذكرى الرحيل تذكرة لكل منتسب لهذه الكوكبة النورانية التي رحلت إلى الدار الآخرة، أن انتسابه إليها انتساب سلوك وليس انتساب تبرك. انتساب التبرك يجعل النسب موسميا وانتماء عاطفيا، يظهر أحيانا ويختفي أحايين كثيرة. تختلط الأوراق على صاحبه ويفقد بوصلة الطريق ويصبح عرضة للتيه والانزلاق في مزلق من المزالق الثلاث التي نبه إليها الإمام المرشد عبد السلام ياسين في كتاب المنهاج النبوي: “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع والإسلام الفكري والحركية على حساب التقوى والعلم”، انتساب السلوك يجعل النسب دائماً وغير مظروف بيوم الذكرى فقط، بل يصبح صاحبه منخرطا فعليا في مدرسة السلوك الجهادي على قاعدة المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. مدرسة العدل والإحسان التي بنى أركانها جيل التأسيس الأستاذ علي سقراط ومحمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ مع الإمام عبد السلام ياسين رحمهم الله ورحمنا بهم ونفعنا بعلمهم وحلمهم وصبرهم ومصابرتهم.

ذكرى الرحيل تؤسس لكل منا معادلة التربية المتوازنة على قاعدة “الصحبة والجماعة والذكر والصدق”. قاعدة ذهبية تجعل الصحبة الصادقة ممتدة من الدنيا إلى الآخرة. معادلة مهددة بالتشويش إذا أدخلت عليها عناصر أو حذفت منها مكونات. ثوابت بناء متكامل ركز عليها جيل التأسيس لتأتي بعدهم أجيال موالية لإتمام البناء. ذكرى الرحيل مناسبة لتذكر قصد من مقاصد الإمام رحمه الله في وصيته الخالدة والذي يقول فيه:” القصد الثاني أن يتذكر متذكر خلاصة ما إليه دعونا لما كنا من سكان أرض الدنيا عابرين إلى دار البقاء. وصية ليتذكر متذكر ويدعو داعٍ فتلتئم أواصر الصلة ويتحقق التزاور في الله والتحاب في الله عبر الأزمان لا تحبس الصلة برازخ الموت”.(وصيتي،ص10)