حبا الله تعالى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، بعلم نبوي أصيل، وفكر منهاجي مبارك، يندرج في إطار منظومة من قواعد الدين، الأصولية والفرعية، والموسومة معا بالروح التجديدية. قواعد علمية متناسقة ومتكاملة، تكمل كل جزئية منها الأخرى، وتفضي بالضرورة إلى عمل ملموس في الواقع. لتجعل من منظومة الفكر المنهاجي مدرسة متنقلة ودعوة أصيلة، تلقن الأصول في زحفها، وتحاور الوقائع بآليات تنسجم وخصائص الفروع المتغيرة، حسب الموقع والموقف. مما يؤهل كل مشتغل في ثغر من ثغور الجهاد، أن تكون له رؤية استشرافية واضحة، تعينه على تقدير الأولويات، ثم تقييم أشكال الاشتغال ووسائله.

فإن كان سيرنا هو سير القائمين لله، وأفقنا المنشود هو الخلافة الثانية على منهاج النبوة، التي نزحف نحوها، اقتحاما للعقبة، بدأ بالنفس الأمارة بالسوء، ثم اهتماما بالشأن العام، وتهمما بحال المسلمين، مخالطة ومزاحمة ومدافعة، حتى يشتد عود الأمة الموعودة بالنصر، فإن خطواتنا المتوثبة والزاحفة وسط واقع متغير، عليها أن لا تغفل في سيرها ذلك الأفق الاستراتيجي، الذي يجعل من مجموع خطواتنا باختلاف مجالاتها واهتماماتها سياقا عاما، يخدم المشروع الأمة الأصل، ويقويه ويعضده. فمفهوم القومة يجعل الاستراتيجية منفتحة على المستقبل من خلال الوعي الاستراتيجي والعلم المستقبلي حيث وضوح الأهداف والمقاصد والغاية من العملية السياسية والمجتمعية للمشروع، وهو ما يوفر كفاءة عالية في تدقيق وتحديد نوع الوسائل في ذلك) 1 .

فلا فكاك إذا عن ربط موضوع العمل الاجتماعي في تفاصيله وحيثياته، بالنظرة الاستراتيجية للأمة، ذلك حتى يتموقع في سياق مشروع القومة، ويتم من خلاله إعادة تشكيل أهدافه العامة وآليات اشتغاله، حسب الأولوية والمرحلة. فالعمل الميداني إن لم يدخل في خطة محكمة لها وجهة مدروسة، وغاية معروفة، وأهداف مرحلية، وقسمة للمهام بين فئات جند الله، لن يؤدي لتأليف قوة التغيير المرجوة وإن انتهى إلى تكوين تكتل ذي حجم) 2 .

فضرورة البناء النفسي للأمة المهزومة، والاستعداد القلبي الإيماني للسواد الأعظم، وسيادة جو إحساني ملائم لازدهار العمران الأخوي من جهة، في مقابل واقع عزوف الناس عن الشأن العام، ومظاهر السلبية والقعود والانتظارية واللامبالاة، التي تثقل كاهل الأمة وتكبح حركة التغيير عن نشدان غايتها من جهة أخرى، يجعلنا نخوض غمار العمل الاجتماعي باعتباره وسيلة تغييرية مهمة، يفتل في مشروع بناء الأمة الإسلامية، لما يتيحه من إمكانيات تربوية وتواصلية وتأطيرية وتعبوية، تنمي في الإنسان الحس التشاركي، وتذكي فيه معاني التعاون والتآزر والتعاضد، وتربيه على المحبة وعلى روح الشورى، وهي الثمرة الأساس، المرجوة من عملنا الاجتماعي، والتي تؤسس لما يسميه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالمواطنة الإيمانية القلبية) 3 وهي أم الخصائص في العمران الأخوي المنشود.

فكيف نجعل من عملنا الاجتماعي مدخلا للتغيير وحلقة بنائية في مشروع الأمة الإسلامية؟

من خلال كتابات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، نطلع على جانب من علم الزحف نحو عدل الإسلام في الأرض، نبوبها في أربعة شروط، وهي أساسية لإحلال العمران الأخوي، وهو التمثل الأسمى والأمثل لنجاعة فعلنا الاجتماعي وسلوكنا الإحساني في المجتمع. شروط أربعة ضرورية لنجاعة عملنا الاجتماعي، تضم كل واحدة منها أهدافا عامة، تؤطر ممارستنا، باختلاف أشكالها ووسائلها. عرضها الإمام رحمه الله بشكل هرمي، بحيث تشكل الشورى رأس الشروط، والتي تنبني على قاعدة المشاركة العامة للناس في تنظيم جهود البناء، وهو الشرط الثاني، والذي من خلاله تتلمس الجماهير الشعبية الصدق في سيرها، والوضوح في أفقها، كشرط ثالث أساسي، ليخلص إلى شرط رابع وهو ملائمة الوسائل المتاحة للأهداف الإسلامية العمرانية الأخوية.

شروط أربعة نعتبرها بوصلة تؤطر عملنا الاجتماعي، بشكل تكاملي وتراتبي، سنعرضها تباعا، بشكل تنازلي، من رأس الهرم، وهي الثمرة الأساس، إلى القاعدة البنائية التي تعد وسيلة ضرورية وإلزامية، وعلى أساسها تنبني باقي الشروط.

الشورى والولاية الجامعة

ليست الشورى بنظام إداري أو قاعدة تقريرية نستبدل بها في يوم من الأيام موروث الديمقراطية وآلياتها، وليست الشورى بقاصرة على نظام الحكم ومؤسساته، دونا عن صلب المجتمع وثناياه. بل الشورى روح قبل هذا وذاك، وتربية للنفس على معاني الإيمان والتواضع والإيثار والمحبة لكل عباد الله تعالى. وهي خصال حميدة لا تؤتى من علم الكتب، ولا تكتسب من تقنيات الإدارة والتسيير فقط. بل هي معان تنقدح في قلب المسلم والمؤمن، السالك في درب الصبر مع الناس، والمزاحم لأفكارهم واهتماماتهم ومشاريعهم، بالمجاورة والمحاورة.

في هذه المخالطة والمزاحمة تتحقق شروط المشاورة، حيث يربى الناس على التحاور والتناصح في الميدان، والتي تسيجها تلك المحبة المتناثرة في أرجاء الحي، من قلوب مؤمنة متوضئة متواضعة، تأسر ببذلها وعطائها وصدقها قلوب العامة، التي نفضت عنها الإمعية باجتهادها في الرأي والمشورة والتنفيذ، ولتتدرج معها في خطوات بنائية، تؤسس لروح الشورى في جسم الأمة بعد أن تكنس عنها مخلفات الاستكبار والاستعلاء، التي أنتجتها صنمية الديمقراطية الفارغة من كل معنى. هكذا تؤَسَّسُ الشورى في دولة الخلافة الثانية مُناطة برجال لهم سابقَتُهم في الدعوة، ولهم اقتـناعُهم، ولهم رأيُهم المستقل. ولهم خاصَّةً العلاقة الحميمة مع الشعب، يحملون همه، ويسعون في مصلحته، يتطابق عندهم هَمُّ الشعب ومصلحته مع هم قضيتهم التي بذلوا فيها جهدهم ومع مصلحتهم. يسيطر هَمُّ آخرتهم على سلوكهم في الدنيا) 4 .

ولن تتآلف القلوب والأرواح إلا على أساس متين جامع، يبث في المجتمعين طمأنينة وسكينة ورحمة، وهي مساجد الله تعالى، حيث تتزاحم المناكب والركب في لين ورحمة، وتتهامس القلوب بالمواساة والمؤاخاة والتآزر، وتلحظ أعين المصلين أسقام الآخرين، المادية والمعنوية، فتلبي نداء الإيمان بالسعي في قضاء حوائج الناس والتعاون على خدمة الآخرين، بعد أن تتشاور وتتشارك في هم الخدمة مع عمار المسجد وأبناء الحي، حتى تكون الجهود المبذولة لخدمة الآخرين تكوينا لروح الجماعة على أساس الشورى المنشودة. فالناس والجماهير الشعبية لن تجمعهم وتصوغ منهم القاعدة الحية للشورى إلا تربية المسجد، تجمع الجهود المبعثرة، وتقرب الشقة بين المتفاوت، وتكتل وتجمع وتجنس وتؤلف المتنافر والمتناقض والمتباعد) 5 .

فمن المسجد المنطلق، وفي ثنايا المجتمع والحي تتألف المجموعة المتطوعة والمبادرة للعون والخدمة، حيث تشع رحماتهم من خلال أعمال اجتماعية صادقة، يدبر شكلها وإطارها ووسائلها بتلقائية وبروح جماعية وتشاركية مع الساكنة، بعد أن اطمأنت لصدق المجتمعين الذين شهدوا لهم الناس بالإيمان العامر بالروح المسجدية.

بهذه الروح نلج غمار الحي والمجتمع من باب العمل الاجتماعي، الذي نصبو من خلاله إلى تربية الناس على الإيجابية والاهتمام بالشأن العام، ونعلمهم أن المشاركة في التغيير هي واجب على كل مسلم ومسلمة، وأن الهَدَفُ من تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين إيقاظُ القلب إلى معاني الإيمان، ورفعُ الهمم إلى نُشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظُ الفِكر من سُبات الزمان، وبَثُّ الوعي السياسيِّ لِيَهْتَمَّ المستضعفون بما يَجري في الحَدَثَانِ. الهدفُ تحريك الساكن فينا، الخاملِ من أحوالنا) 6 .

الإشراك وتحمل المسؤولية

الانتظارية والسلبية العامة من العقبات المعيقة لمسار التغيير في البلاد العربية والإسلامية، فمتى استأصلنا هذا الداء صرنا على مقربة من القومة العامة المنشودة. فالقومة هي أن تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل.

لا مناص لنا إذا من ولوج العمل الاجتماعي في الأحياء من باب الإشراك الجماعي للناس في العمل، عوض الخدمة الاجتماعية التي قد نلجها بتفرد، فتكرس عقبات في طريقنا. عمل اجتماعي تشاركي وتشاوري، يتلمس كل جنبات الحي وكل اهتمامات الناس، يلبي نداءه القادر والمحفّز من الناس، فنتعاون على شحذ همم غيرنا وتحفيزهم، حتى يلبوا نداء التطوع بدورهم، لتستمر العملية الإحيائية في شكل متتالية تمخر عباب السلبية والانتظارية والقعود، التي سكنت جسم الأمة قرونا من الزمن.

ألف العامة من الناس عطاء الخاصة، من خذمة وصدقة وعمل اجتماعي، إلى غيرها من الأعمال التي لا تزيد العامة إلا سلبية وقعودا، إن لم يشركوا ويدمجوا في كل الأعمال الاجتماعية التي بمقدورهم القيام بها. قد يغنم الواحد منا كثيرا من الأجر حين يرشح نفسه لتحمل مسؤولية الخدمة الاجتماعية والعمل الإحساني، فيتفانى في تقديم الدعم المادي والمعنوي للناس دون أن ينتظر مشاركة من أحد. لكن الثمار الايجابية المرجوة من الاجتهاد في العمل الاجتماعي، قد تضاهيها ثمار سلبية، في المنهجية التي يتم بها تنزيل هذا العمل، والتي تثمر أيضا في المجتمع قعودا عن المشاركة في البناء، وسلبية عامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اليدُ العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بِمَن تعولُ. وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً. ومن يستعِفَّ يُعِفَّه الله. ومن يستَغْنِ يُغنِه الله” 7 .

فالواجب الأكيد، إذا، هو دفع الناس للاشتراك في الأعمال الاجتماعية الإحيائية، وتربيتهم على المشاركة والمبادرة والتطوع باعتبارها قيما أخلاقية إنسانية، تدعم جهود الدولة في البناء والتغيير. وهو ما على الطليعة المجاهدة والمناضلة والمثقفة من أبناء الأمة فهمه واستيعابه جيدا، حتى تكون خطواتنا موجهة في مسار بنائي إحيائي صحيح. فإن القيادة الناجحة هي التي تنهض بالجماهير إلى مستوى المشاركة الإرادية، لا التي تحصل على الموافقة الصامتة والتصفيق للطليعة، والحماس للزعيم) 8 .

تربية الناس على العمل، لا تملقها، والتربية تكون بالقدوة. نعلم الناس أن المؤمن القوي خير من الضعيف، ونتدرج معهم في خطوات البناء، يلمسون صدقنا في الأعمال الاجتماعية، ويقدرون تضحياتنا، يسمعون ويرون صنعنا في الحي والمجتمع، حتى يثقوا بنا. فإن دخلنا إلى السوق، والشارع، والمجلس، وخالطنا الناس في المكتب، والمعمل، والمدرسة، والكلية، فلكي نقوم بعملية إحياء، بعملية تربية شاملة تعلم الأمة طاعة الله، وأسبقيتها على طاعة العبيد… بهذه التربية وهذا الإحياء نكتل قوة لإبطال الباطل، ثم نتمم العملية في ظل دولة القرآن، ونستمر فيها ونوسعها، ليكسب السواد الأعظم القدرة على مسك زمامه بنفسه) 9 .

نلج المجتمع والحي لإحياء ساكنيه، بزرع ثمار الإيجابية في الناس، ونشتغل رفقة العامة، نوجهها، ونحمل معها عبء التغيير الذي يبتدئ بعمل اجتماعي بسيط، يرى من خلاله المشارك ثمار جهده وعمله، فيدفعه إلى المزيد من العمل والاجتهاد، حتى يذوب عنه جليد التقليد والركون والسلبية، فينخرط بكليته في مشروع شامل يروم تغيير ما بالنفس من عجز وسلبية، إلى تغيير عام للمجتمع.

صدق ووضوح

غير أن جسور التواصل القلبي مع الناس لن تمتد إن لمسوا فينا غموضا، أو ارتابوا من أعمالنا وفعلنا، وتناسلت أسئلتهم عن الغرض والهدف من عمل لا تصاغ معالمه وأهدافه معهم وبينهم. فأي مؤسسة تدعي أنها تشجع المصلحة العامة تكون في وضع خطر عندما تتحالف مع أجندات سياسية حزبية، لأنها ستخسر عندئذ ادعاءاتها بأنها تمثل أجندات أوسع للمجتمع المدني) 10 وهو أخطر شيء قد يصيب أي حركة أو تنظيم أو حزب سياسي، بوعي أو دون وعي منه. فإن كانت أهدافنا من العمل الاجتماعي واضحة صادقة، فإن الآخر، أو بعض منه، قد لا يتسع فهمه لإدراك درجة الصدق من خلال أعمالنا الاجتماعية، وهو يرى عملا اجتماعيا في الحي، من منطلق الإشارات الإعلامية المضللة التي تلقاها كباقي أبناء الشعوب الإسلامية، على أن غرضنا، وغرض كل عمل اجتماعي، منه هو استمالة الأصوات الانتخابية، أو الحصول على مكاسب سياسية، أو حزبية، أو فئوية.

لذلك، فبعد شرط المشاركة مع الناس في الأعمال الاجتماعية يبقى التأكيد على ضرورة الوضوح في تعاملنا مع الناس في كل خطواتنا، والاشتغال معهم على أسس وقواعد واضحة. فقد تخوننا الحكمة إن كان معولنا على حسن نياتنا، ونبل أهدافنا في تعاملنا مع الناس، دون إيلاء موضوع الوضوح والتعاقد من أول خطوة أية أهمية، فإن اكتفينا بصلاح النيات ولم نعط لأعمالنا ما يؤهلها لسد ثغرات العجز التكنولوجي، والإداري، والتنظيمي، والسياسي، والاقتصادي، فيليق بنا أن ننزوي في ركن هادئ من أركان التاريخ) 11 .

لن يقبل بالأعمال الاجتماعية والخدمات في الحي دون مشاركة في صياغتها وتنظيمها وتنفيذها إلا القاعدون من الناس، الذين يمدون أيديهم للأخذ فقط دون العطاء، وهو داء مستشر، ينخر جسم الأمة كما ذكرنا. أما من يشاركنا عملنا الاجتماعي في الحي ويمد يده بالخدمة والتطوع في تنظيم وإنجاح الأنشطة الاجتماعية المنظمة بالجهد والوقت والمال، فلا يمكن تجاوز آرائهم وأفكارهم ومقترحاتهم في الموضوع. بل لا يصح إغفال أهمية اضطلاعهم بأدوار طلائعية في قيادة الأعمال الاجتماعية في الحي، حيث يستشعرون أهمية فعلهم، لما يرون ثمارها بادية في محيا الناس الذين سعوا في خدمتهم وتأطيرهم. نريد أن يكون الشعب معنا يشارك، يناقش، ينتقد، يتعلم، يعلم، يجاهد إلى جانبنا. ولا يفعل ذلك إلا إذا وثق بأننا منه ومع المستضعفين بلا قيد ولا شرط، إلا قيد الشريعة وشرط الإيمان) 12 .

حكمة الإطارات المجتمعية

ولنستظل بعد ذلك بحكمة الإطارات المجتمعية (الجمعيات) كشرط رابع، التي تعلن قدرتها على تربية الناس وتنشئتهم على مبادئ الديمقراطية، والتي إن استصلحناها وغشيناها بروح مسجدية، وقادها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات رفقة عامة الشعب، فلا شك ستكون مدرسة عملية ميدانية، تربي الناس على مبادئ الشورى، ويكون لفعلها أثر بليغ في نفوس الناس وواقعهم.

فالجمعيات والمنظمات التشاركية هي الوعاء التنظيمي الكفيل بتنظيم الجماهير الشعبية وتأطيرها، حيث يسعى الناس إلى تنظيم أنفسهم في إطار مؤسسات ولجان، يتدربون من خلالها على التشاور والتناصح والتعاون، لغرض تحقيق أهدافهم العامة، التي حددوها بأنفسهم واجتمعوا لأجلها. هنا يبرز العمل الاجتماعي كهدف جامع يوحد جهود أبناء الحي الواحد، ويدفعهم لمزيد من الجهد والتآزر والتعاون، حتى تغدو المجموعة المتطوعة منتجة وفاعلة، ويصير الفرد إيجابيا، تتحقق فيهم أواصل المحبة والرحمة، بعد أن أثمر سعيهم وتعلمهم المباشر والميداني لمعاني الشورى والتي تنمو معها البلاد وتزدهر. ولأن الإنسان هو محور هذه التنمية، فهو الذي يصنعها وهو الذي يحصد ثمارها، فإن تحقيقها يعتمد على مبادرات الجماهير الخلاقة صاحبة المصلحة وعلى المشاركة الشعبية الكاملة في صنع وتنفيذ القرارات على جميع المستويات) 13 .

تنظيم العمل الاجتماعي في إطار مؤسسي يعد من بين الوسائل الكفيلة بنهوض الأمة العربية الإسلامية من سباتها ودركات تخلفها، بفعل عوامل التحريض والتحفيز والتعبئة الجماعية التي يواكب عمل التنظيمات المجتمعية، وبفعل المشاركة الجماعية للناس في تسييرها، وبفعل الإشراك الموجه للفئات السلبية في المجتمع، في أعمال تنموية وتوعوية وتأطيرية، تعينهم على كسب آليات التفاعل في تلقائية وبإرادة فاعلة، حتى تعم هذه الروح كل نواحي الحياة الاجتماعية للأمة، ويشتد عودها، فتصير خصال البذل والتطوع أصل التحرك النشيط للفرد، وأصل الحراك الجماعي للأمة، الموعودة بغد التمكين، إن هي نهضت وشمرت ولبت نداء الحكمة في نهوضها وجعلت من العمل المؤسسي علامة بارزة في سلم أولوياتها.

يقول الإمام رحمه الله:

وتحت دولة القرآن يرجع للمسجد مكانته، وتشجع التكتلات المحلية، والمهنية، والتعاونية، والخيرية، فتنظم في اتحادات نصيرة للجماعة، جماعة المسلمين المترابطة، تابعة لها ومؤيدة).

… الجماعة أو الرابطة بعد توليها الحكم ينبغي أن تجند الشعب بكل فئاته وأصنافه بجانبها، فيقع الانتماء إليها من خلال هذه الاتحادات، وتتداخل هذه الاتحادات مع الجماعة بواسطة أعضاء من ذوي السابقة والهجرة، يشرفون على الاتحادات ويربون، ويوجهون. تكون هذه الاتحادات واسطة بين الجماعة الأم وبين “السواد الأعظم”… فمن خلالها ينتشر في الشعب حتى قواعده تأثير الجماعة وتربيتها وتجنيدها. وبالتحرك النشيط لمنظمات الشباب ولجمعيات الدعوة، والتعليم، ومحو الأمية، والجمعيات النسوية، والرياضية، المتفرعة عن الجماعة يصل نداء الدعوة إلى كل بيت وإلى كل شخص. ويعمم بناء المساجد وملحقاتها في كل ركن لتؤوي صلاة المسلمين، وتعليم المسلمين، وجندية المسلمين، وتربية المسلمين) 14 .

هذا أفق نستشرفه، علم مستقبلي نطالع معالمه، يعيننا على اقتحام عقبات الحاضر المتخاذل، بولوج الميدان ومزاحمة الواقع والتدرب على الزحف نحو غد العدل في الأرض، عبر طرق، لا يهم إن طالت أو قصرت، ما دامت صائبة تبلغنا الهدف.


[1] مبارك الموساوي، القومة والاستراتيجية السياسية في مدرسة العدل والإحسان، الإصلاح والتغيير والبناء.\
[2] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 235.\
[3] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص: 197.\
[4] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص: 663.\
[5] ياسين، عبد السلام، العدل، الإسلاميون والحكم، ص: 654.\
[6] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 46.\
[7] رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[8] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 32.\
[9] ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 32.\
[10] المجتمع المدني، النظرية والممارسة، لمايكل إدواردز.\
[11] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 101.\
[12] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 243.\
[13] المنظمات الأهلية العربية على مشارف القرن الحادي والعشرين، محددات الواقع وآفاق المستقبل.\
[14] ياسين، عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 89.\