ألقى الدكتور عبد الواحد متوكل، عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان، ورئيس دائرتها السياسية، كلمة في الدورة التاسعة عشرة من “مقدس”، التي عقدت يومي 14 و15 نونبر 2015م بالدار العامرة بسلا، افتتحها بالحديث عن الفقيد الراحل الحاج علي سقراط رحمه الله، الذي حملت الدورة التاسعة عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية اسمه، وتناول فيها بالنقد والتحليل بعض القضايا الراهنة داخل البلد. وفيما يلي النص الكامل لهذه الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أشكر للإخوة والأخوات، الأعضاء القدامى والجدد والضيوف والمسؤولين والمسؤولات في الجماعة الذين شرفونا بحضورهم، وعلى رأسهم أخونا العزيز الأمين العام الأستاذ محمد عبادي حفظه الله، في هذه الدورة التاسعة عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية. بارك الله سعي الجميع ووفقنا وإياكم لصالح الأقوال والأعمال وتقبلها منا ومنكم بقبول حسن، آمين.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

قبل أيام قليلة، وبالضبط في فاتح نونبر من هذا العام 2015 غادرنا إلى الدار الآخرة الحاج علي سقراط بن منصور رحمه الله رحمة واسعة. وبذلك يكون قد غاب عنا علم آخر من المؤسسين الأوائل لهذه الدعوة المباركة، دعوة العدل والإحسان.

من عرف منكم الحاج علي أو عاشره عن قرب، ولو لأيام معدودة، فإنه لاشك يعلم أي الرجال هو؛ ومن فاته الفرصة، وما كان ينبغي، فليسأل إخوانه أو ليقرأ بعض ما كتب عنه، نثرا أو شعرا، فإنه سيجد ولا شك ذكرا لأخلاق رفيعة لا تكون إلا للمومنين الربانيين، وخلال حميدة لا يتصف بها إلا الأتقياء الأوفياء الأخفياء، ومن فاته الفرصة ولم يسأل ولم يتيسر له أن يقرأ لواحد من أهل القرآن، أهل الله، كذلك نحسبه ولا نزكيه على الله، فليتأمل صورة الرجل لحظات ليرى آثار الصدق والإخبات والتبتل لله عز وجل.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

رحم الله فقيدنا العزيز، وتقبله في واسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، آمين.

وقد اتخذنا اسمه عنوانا لهذه الدورة، عربون وفاء، وتذكيرا بالمعاني الربانية التي تمثلها، والغاية السامية التي جمعتنا جميعا في جماعة العدل والإحسان. فأيا ما كان الثغر الذي ينتدب أحدنا للوقوف عليه، سواء كان فكريا أو سياسيا أو إعلاميا أو علميا تربويا، فإن دعوة العدل والإحسان كما أثل لها الأستاذ الإمام عبدالسلام ياسين، عليه رحمة الله ورضوان الله، لا تقبل التجزئة أو الانشطار؛ ورعايتها في عهدتنا جميعا، نحفظها بالعمل لا بالجدل، وبالانخراط الصادق في اقتسام الأعباء، والصبر عليها في السراء والضراء، وتوطين النفس على البذل والعطاء. ذلك بعض ما ينبغي لنسلم، عافانا الله وإياكم، من الادعاء وركوب الأهواء. والله بصير بالعباد.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

في كتاب العدل للأستاذ الإمام عبدالسلام ياسين رحمه الله فصل أفرده للحديث عن المروءة والأخلاق. وهو موضوع، كما تعلمون، غاية في الأهمية لمعرفة العلل التي سرت في المجتمع وأصابته بأعطاب بليغة.

وقد ذكروا في تعريف المروءة أقوالا تتكاثف وتتعاضد. فقالوا إنها آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات). وحقيقتها عند ابن القيم هي تجنب للدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال). وقالوا أيضا إن المراد بها هو كمال الرجولة وهي البذل والعطاء وكف الهمة عن الأسباب الدنية). وهو التعريف المذكور في كتاب العدل.

والمروءة مراتب، والناس فيها كما في الدين درجات. والنقص في المروءة أو الدين أو فيهما معا له آثار كارثية. فقد تجد نفسك أمام مواقف صادمة لا يفهم لها معنى ولا مغزى. وتصدر من بعض الناس أنماط من السلوك غاية في التناقض دون أن يشعر أصحابها بأي انزعاج. وتقوم بين الناس مشاريع لكن سرعان ما تنهار، وتبرم اتفاقات فيأتي في أعقابها النقض سريعا. وذلك لخصاص قد يكون مهولا في الدين أو المروءة أو في الاثنين معا.

ليس في وسع هذه الكلمة أن تتعقب آثار العطب الذي لحق المروءة والدين في مجتمعنا ولا أن تتناوله من كل الجوانب. ولذلك سأقتصر على ما له علاقة بالجانب السياسي، ومكتفيا بذكر ثلاثة مظاهر أرجو أن يتحقق بها المقصود.

1/ صمت كالتآمر وكلام كالاستخفاف

قبل أيام تفرجنا على مسلسل هزلي وإن لم يضحك أحدا، موضوعه الانتخابات، انتهى بتشكيل الغرفة الثانية للبرلمان. وقد تابعنا كيف تم الإعداد لهذا المسلسل والقوانين التي أطرته وظروف تحضيرها والأجواء التي تم فيها والتلاعبات التي رافقته والمآلات التي انتهى إليها. ومع ذلك كان هناك صمت غريب من قبل جل القوى السياسية المشاركة. لم يتحدث أحد عن الأعطاب التي أحالت هذا المسلسل إلى عملية عبثية، ولم ينتفض أو يسجل موقفا يُذْكَر له ويحمد عليه، علما بأنها معلومة ولا تحتاج إلى ذكاء خارق لمعرفتها وتحديد آثارها السلبية. بل كان الكثير، في البداية، يعزف على نفس النغمة، ويتحدث عن وجود إرادة سياسية حقيقية لتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، ويطمئن المتشككين بأن مغرب ما بعد 2011 ليس هو مغرب ما قبل 2011، تماما مثل ما قالوا غداة استلام محمد السادس المسؤولية: إن المغرب في العهد الجديد ليس هو المغرب أيام الملك الراحل الحسن الثاني.

لكن لما حمي الوطيس، وعادت الممارسات القديمة وإن بأشكال جديدة مثل استعمال المال، وشراء الأصوات، والمتاجرة في المناصب والتوافق حول المكاسب، والتحكم في صناعة التحالفات، واستخراج خريطة سياسية على المقاس الذي لا يضر بمصالح المخزن المرعية، غضب بعضهم واحتج على الفساد الذي رافق العملية الانتخابية؛ بل إن الجميع انخرط في هذا الاحتجاج سواء الأحزاب الموجودة في الحكومة أو أحزاب المعارضة.

بيد أن المحير هو أنه لا أحد أومأ ولو من طرف خفي إلى الجهة التي كانت وراء هذا التحكم وتغاضت إن لم تكن شجعت على التلاعبات التي تمت على نطاق واسع. احتجاج على من؟ وتنديد بمن؟ لا ندري. قدرة هائلة على إثارة الضجيج من غير طائل، واتهام للمجهول، وكأننا بصدد جريمة احترافية لا سبيل لتحديد فاعلها. أليس من المروءة مصارحة الناس وكشف الحقيقة ليعلم الجميع من يعبث بمصير هذا البلد ويسعى بكل الوسائل لتكريس الفساد والاستبداد؟ وهل من المروءة الحديث عن التجربة المغربية الجديرة بالاقتداء والحال أن انتخاباتنا كانت مسخرة ظهر فيها التحكم من البداية إلى النهاية وفي كل مفاصيلها؟ ألا نشعر بالخجل عندما نقارن انتخاباتنا بالانتخابات في البلاد التي تحترم شعوبها؟ خذ تركيا مثلا حتى لا نتحدث عن البلاد المستقرة ديمقراطيا. مدح وذم في نفس الآن والممدوح والمذموم واحد. وقديما قيل من مدح وذم فقد كذب مرتين. مدح ثم ذم حتى إذا فطنوا للتناقض في الموقف، حاولوا تلطيفه بالقول إن الخروقات التي وقعت لم تبلغ الحد الذي يسوغ الطعن في العملية الانتخابية برمتها. وإن لم يعجبك هذا الجواب، تسمع ردا من آخر يقول إنها مجرد حالات معزولة وبأن هذا يقع حتى في البلاد الديمقراطية العريقة. وسلام على المنطق والمروءة والدين حين يكون الصمت أشبه بالتآمر، والكلام أشبه بالاستخفاف بذكاء الناس.

2/ شجاعة الشجعان وجراءة الجبناء

ومثاله النقاش الذي راج مؤخرا حول نصيب المرأة من الإرث بعد “الفتوى” التي أصدرها المجلس الوطني لحقوق الإنسان. لنفترض أن الحامل على إصدار هذه التوصية أو التقرير أو سمه ما شئت هو الغيرة على وضع المرأة في المغرب والرغبة في إنهاء الحيف الذي يلحقها من هذا الجانب، لاسيما بعد ما مكنت من حقوقها في كل المجالات، فنالت نصيبها المستحق من ثروة بلدها، وأصبحت تعامل بالتكريم اللائق بها في كل المرافق العمومية، ابتداء من المستشفيات حيث يكفي للوقوف على هذه الحقيقة زيارة قسم الولادة في أي مستشفى في البلد. وانتهى كذلك زمن الاستغلال في المعامل والحقول والمقاهي والنوادي، كما انتهت أيضا شبكات الدعارة التي تستغل البؤس والفاقة للمتاجرة في أعراض بنات المسلمين وأصبح كل ذلك جزءا من الماضي الذي دفنا ما تبقى من سوءاته في العهد الجديد السعيد، ولم يعد يخدش هذه الصورة المشرقة والوضع المريح الذي وصلت إليه المرأة إلا كون القسمة في الإرث في إحدى حالاتها تجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. لو كان هذا الذي ذكرنا حاصلا، إذن لالتمسنا للمجلس الموقر بعض العذر حتى وإن كان قد وقع في غلط شنيع. أما والحال أن المرأة كأخيها الرجل تعاني المآسي التي لم نذكر إلا نماذج منها، ثم يسكت عنها ويثير قضية يخالفه فيها عموم المسلمين، فهذا لا يكون من عقلاء الناس، وليس بالقطع دليلا على شهامة أو شجاعة.

وهل انتهى المجلس الموقر من القضايا الأخرى وهي كثيرة ومعروفة لدى القاصي والداني؟ فهل أصبحت حرية التعبير مضمونة؟ وهل أصبحت حرية التنظيم والاجتماع مكفولة للجميع بمن فيهم جماعة العدل والإحسان وحركة الأمة والبديل الحضاري وغيرهم؟ هل أصبح تأسيس الجمعيات حقا ثابتا لا يجرؤ أحد على المساس به؟ هل أصبحت شروط المحاكمة العادلة متوفرة والقضاء مستقلا ونزيها ولا يخضع الحكم فيه إلا لضمير القاضي؟ ولعل قضية يحيى فضل الله في الأسبوع الماضي تعطينا فكرة واضحة عن هذه الاستقلالية والنزاهة إلخ إلخ… وهل أصبح منع الأطفال الصغار من التخييم والكبار من النزهة في الغابة أو الشاطئ جريمة يعاقب عليها القانون؟ فما بال قضايا الشطط في استعمال السلطة والدوس على حقوق الناس بالآلاف ثم لا تبصر عين المجلس الموقر إلا قضية الإرث التي فصل فيها رب العالمين، العليم الخبير، بآيات صريحة وقطعية؟ فهل القفز إلى هذا الموضوع والحال ما نرى دليل على مروءة عالية وشجاعة زائدة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

والذي أثارني في هذا النقاش المغلوط شريط فديو على اليوتيوب لأحد المناضلين الذي كان يوما ما من المناضلين الراديكاليين الأقحاح ثم دار الزمان دورته فدار صاحبنا معه (والراس لما يدور كدية) وتحول إلى جنس من النضال لا أدري بم يسمى بلغة السياسة؛ سمعته يدعو بنبرة حازمة إلى ضرورة فتح نقاش حول الموضوع وفي الفضاءات العمومية، نقاش هادئ، يقول، وبعيدا عن ردود الأفعال المتشنجة والمتطرفة. ثم يضيق بصرامة الواثق بما يقول: “داخل بلدنا ما كينش طابوهات، ولا ينبغي أن تكون هناك طابوهات، ينبغي أن نناقش كل شيء”. برافو!

هل كان صاحبنا في وعيه الكامل لما أدلى بهذا التصريح؟ أم كانت زلة لسان التقطتها الكاميرا الملعونة أم نفتة غير محسوبة في لحظة سخونة عابرة؟ لندع جانبا الخواطر السيئة ولنحسن الظن بالرجل ولنعتبر أنه بالفعل كان في وعي كامل لما أدلى بهذا التصريح. يريد أن يخضع موضوع الإرث للنقاش، فليكن، ولكن بشرط بسيط جدا وما أحسب أن مناضلا بقامته سيرفضه وهو أن يدعو وبنفس القوة ونفس الشجاعة إلى فتح نقاش حول كل الطابوهات الأخرى. ألم يقل ينبغي أن لا يكون عندنا طابوهات؟!

فهل يستطيع صاحبنا مثلا، مثلا، أن يدعو إلى طرح موضوع الملكية للنقاش، ضرورتها من عدمها، صلاحياتها، تكاليفها، وأيهما أفضل لتقدم المغرب وخروجه من التخلف وأنسب للمشروع الحداثي العظيم الملكية أم الجمهورية؟ إلخ إلخ… فها أنت ترى أيها المناضل الشهم أن طرح هذا الموضوع سيكون مناسبة لنقاش رائع ومنسجما غاية الانسجام مع دعوتك الشجاعة أن لا تبقى عندنا طابوهات. وأنا معك في أن النقاش ينبغي أن يكون، كما قلت، هادئا وبعيدا عن ردود الأفعال المتشنجة والمتطرفة ومن يعتبرونها دعوة للفتنة.

وهناك قضايا أخرى أو طابوهات أخرى لا تقل أهمية؛ فالجميع يتذكر مثلا الخطاب الملكي الذي طرح فيه الجالس على العرش سؤالا غاية في الأهمية: وهو أين ذهبت ثروة المغرب؟ هل تستطيع أن تدعو إلى مناقشة هذا الموضوع حتى يعلم المغاربة أين ذهبت ثروة بلدهم، ومن يملك أكبر الشركات وأضخم العقارات وأجود الأراضي، ومن يحقق الأرباح الطائلة ولا يؤدي الضرائب المستحقة، ومن يستفيد من عائدات المناجم والبحار والرمال والغابات ولا يعرف عامة الناس شيئا عن حيثيات الاستغلال وهل تؤدى لخزينة الدولة الواجبات المتعينة؟ ومن يستفيد من التسهيلات والإعفاءات والهبات والصفقات السمينة؟ ومن كان وراء مشاريع مفلسة وأخرى في أحسن الأحوال مرجوحة الفائدة؟ ومن المسؤول عن النهب والاختلاسات التي تتحدث عنها التقارير الرسمية؟ ها نحن مرة أخرى أمام موضوع هام يمكن أن يكون فرصة لنقاش رائع. ونحن معك ينبغي أن يكون، تماما كما قلت، بعيدا عن ردود الأفعال المتشنجة والمتطرفة. وربما يكون فرصة للتأسيس لاستثناء مغربي حقيقي لا النموذج المغشوش الذي تطبل له الدعاية الرسمية.

أختصر وأقول إن الذي يتطاول على مناقشة رب العالمين ويخنس ويبتلع لسانه ويجبن عن مناقشة البشر الخطاء لا يمكن أن تسلم له دعوى الانتصار لمظلوم أو الغيرة على حق مضيع.

3/ المقارنة الخطأ والاستدلال الفاسد

الرد الجاهز الذي أصبح دارجا على ألسنة المنافحين عن الأمر الواقع من داخل المؤسسات أو من خارجها يقارن دائما بين الوضع في المغرب مع غيره من البلاد المبتلاة بالحكم الفردي مثل سوريا ومصر واليمن… وفي كثير من الأحيان يأتي الرد في صيغة استفهام لا ينتظر له جوابا لبداهته في اعتقاده. أيهما أفضل، يقول أحدهم وبجرعة زائدة من الثقة: الوضع في المغرب أم في البلاد التي انتفضت شعوبها فآل أمرها إلى ما نرى؟ وإن تواضع محاورك قليلا أضاف: على ما في أوضاع بلدنا من نقائص وملاحظات بطبيعة الحال. ثم يستدرك حتى على هذه الإضافة متسائلا: وأي البلاد تسلم من النقائص والهنات؟!

وهنا نجد أنفسنا أمام مغالطتين. الأولى تتعلق بالمقارنة مع النماذج السيئة، وكأن قدرنا أن نختار بين السيئ والأسوأ، وليس هناك أي خيار آخر. وهذا منطق غاية في الغرابة. ترى أي مصير كان سيكون للأمم المستقرة اليوم سياسيا واجتماعيا وديمقراطيا لو أنها أصغت إلى دعاة هذا المنطق الذين كانوا ولا شك موجودين في تلك الأزمنة؟ إذا لكانت دول الغرب لا تزال غارقة إلى يومنا هذا في وحل الاستبداد والاستعباد والبؤس وغير ذلك من المظالم والمآسي التي سجلتها كتب التاريخ وتناولها الكتاب والأدباء في مكتوباتهم.

أما المغالطة الثانية فتتعلق بتقييم الحال التي عليها بلدنا. فبعضهم لا يقتصر فقط على دعوتك للقبول بالموجود الرديء، وإنما يتجاوز ذلك لإقناعك بقيمة هذا الموجود والصلاة لله من أجل بقائه واستمراره. وغاية ما يعترف لك به هو وجود بعض النقائص والثغرات. بمعنى أن أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والتعليمية والاقتصادية لا تشكو إلا من بعض النقائص التي لا يخلو منها بلد مهما بلغ من الرقي والتقدم.

وبناء على هذا المنطق، فإن اشتكيت مثلا من رداءة التعليم والهدر المدرسي أو الاكتظاظ الذي وصل إلى 56 وفي حالات 72 تلميذا في القسم، فالجواب الجاهز هو أن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ وأن لا تكون هناك مقاعد كافية للأطفال. فإن قلت إنه بالفعل هناك عدد كبير من التلاميذ لا يجدون لهم مقاعد في المدارس، قال وكان عددهم يمكن أن يكون أكبر من ذلك بكثير. وإن اشتكيت من حال المستشفيات، قيل احمد الله أنك تجد مستشفى تذهب إليه، وكان بالإمكان ألا تجده أصلا. وإن تحدثت عن سوء أحوال الطرقات، قيل لك احمد الله أن هناك طرقات على كل حال، وإلا ففي بعض البلاد فإن وضعية الطرقات إن وجدت أصلا أكثر سوءا مما عندنا… وهكذا كلما ذكرت من أوضاعنا السيئة شيئا، قيل إن الأمر أقل سوءا مما هو موجود في بعض البلاد. والمرجع في ذلك دائما هو النماذج السيئة، الغارقة في التخلف والرازحة تحت نير القهر والاستعباد. منطق عجيب تراودني شكوك حقيقية أن يكون دعاته أو أغلبهم يؤمنون فعلا بما يقولون. ولله في خلقه شؤون.

تلك بعض التجليات للخصاص في الدين أو المروءة أو فيهما معا أوردناها على سبيل المثال لا الاستقصاء.

أشكر لكم حسن الإصغاء. والسلام عليكم ورحمة الله.

عبد الواحد متوكل.