في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من الحلقات التعريفية بالراحل الأخ المجاهد عمر عزيز، أقترح عليكم أن نستمع لثلاثة نفر ممن شاركوني معرفة الرجل ومعاشرته وقاسموني محبته ومودته ليدلوا بشهادتهم في حق الفقيد. ثم بعد ذلك، هلمّوا جميعا، لنستمع إلى سيدي عمر وهو يوصي أهلَهَ وصية الميت وهو مقبل على عملية جراحية على القلب، ليس يدري أيخرج منها حيا سليما، أم تكون آخر عهده بالدنيا. وحق على كل منا أن يوصي ويفعل ما فعل هذا الرجل، فقد روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده” 1 . كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر قوله: “من مات على وصية مات على سبيل وسنة ومات على تقى وشهادة ومات مغفورا له” 2 .

ثلاثة رجال وثلاث شهادات

قال الأول: لم يكن عمر مفوها في الخطابة، ولكن في الدعوة كان وتدا. كان رحمه الله من رجال الخفاء. ولقد كان صوانا للود، لم يُنْسِه ألم المرض ولا قيد الشلل، من معهم عاش أزهى لحظات عمره، إخوانَه في الجماعة. فلقد زرته في مرض موته فسألني عن كل إخوان الشعبة، وطلب إلي ان أبلغهم سلامه، كما كلفني بتبليغ سلامه إلى الإخوان الجدد الملتحقين بعد احتجابه عن العمل الدعوي ولم يتسن له التعرف عليهم. وعدت لأعوده مرة أخرى، فأُخبِرت أنه دخل في غيبوبة، لكنه استفاق منها وأنا بجوار سريره، فتعرف علي وسألني عن الإخوان، كثير منهم، وطلب إلي أن أسألهم الدعاء له. وزرناه مع مجموعة من الإخوان في غيبوبته، وكنا نقرأ القرآن جماعة، فإذا به يُفيق ويقرأ معنا القرآن، إلى أن ختمنا. رحمه الله فقد آواني واحتضنني تلميذا، ثم مد الله في عمره فاحتضن أبنائي بمثل ما كان يفعل معي. وذهبنا معه مرة لزيارة الإمام المرشد رحمه الله، فرأينا مدى تقديره للسي عمر، وأوصانا به خيرا، فقال: “ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ومن لم يعرف لعالمنا حقه” 3 يرحمه الله…

وقال الثاني: كان عمر عزيز عزيزا علينا، ندخل بيته كما ندخل بيوتنا، وكان بيته ثاني بيت أدخله في مسيرتي الدعوية. ابتسامته لصيقة بمحياه، فلا تكاد تراه مكفهرا مهما كانت قساوة الظروف التي يجتازها. ولقد كان رحمه الله -شأنه شأن المؤمنين- مصابا 4 فلقد فقد ابنه محمدا وهو طفل صغير، وفقد ابنته مريم بعد معاناة مع زوج خيب ظن الجميع به، تبعتها معاناتها وهي في عز شبابها مع مرض السرطان، وتعرض ابنه محمود لمرض كاد يفقده بصره بالكلية، وأصيبت زوجته بالسكري الحاد، فقابل كل هذه الابتلاءات بالصبر والاحتساب، حتى كان ينطبق عليه وصف سيدنا علي كرم الله وجهه المؤمنَ لما قال عنه: المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه).

وشهد الثالث: كان خدوما، سيارته دائما ملأى بالإخوان، يوصل هذا ويقضي حاجة ذاك. ولإنجاز أي نشاط دعوي، فغالبا ما يتم الاعتماد عليها، إذ لم يكن لنا في الشعبة -زمانا طويلا- غيرها. وكان عفيفا ولا يستدين إلا نادرا جدا، ولم أره استدان إلا مرة واحدة فكان رده مضبوطا وفي الأجل المحدد، لم يماطل ولم يسوف. ولما أحيل على المعاش، واحتاج إلى مال ليواجه مصاريفه الكثيرة، بحث عن عمل سد مدخولُه منه بعض حاجياتِه. ومما أذكره من روح المسؤولية والتهمم بمصائر الإخوان: أننا كنا نخرج إلى مسيرة أو وقفة احتجاجية أو لحضور محاكمة، فيخرج معنا السي عمر، ويخلف أحدنا ليطوف على عوائلنا في حالة اعتقالنا، فيشد أزرهم ويثبتهم. رحمه الله وتقبل منه وخلد في الصالحات ذكره، فقد كان موته رُزءا علينا كبيرا.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة السادسة: عمر داخل بيته

وصية عمر عزيز لأهله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، الحمد لله كما يحبه ويرضاه، الحمد لله الحميد، ذي الجلال والإكرام، الحمد لله حتى يرضى وله الحمد والشكر إذا رضي وله الحمد والشكر مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض ومِلءَ ما شاء من بعد، الحمد لله على كل النعم، قليل ما نعلم ولا يُحصى ما لا نعلم. الحمد الله على نعمة الإسلام، وعلى نعمة إرساله إلينا نبينا وحبيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم، والحمد لله على الحياة وعلى الممات، وصلى الله وسلم على النبيء الرحمة المهداة، وأشهد أنه الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأن محمدا عبده ورسوله أُشهِده على ذلك وأُشْهِدُ ملائكته وحملة عرشه وجميع خلقه شهادة تنفعني يوم لقائه. وبعد:

فإني كتبت هذه الوصية قُبَيْلَ دخولي المستشفى لإجراء العملية التي في علمكم، والله الوحيد العالم هل سأحيى أو يميتني، وليس ذلك إلا له علما يحيط بما تحوي السماوات والأرض.

– لست أوصي إلا بما أَوْصى به نبينا عند وفاته صلى الله عليه وسلم، أوصى بالصلاة، الصلاة، الصلاة وأوصى بالنساء خيرا، الصلاة في وقتها وفي المساجد للرجال؛

– ثم أوصيكم بصلة الأرحام وإعطاء كل ذي حق حقه حتى لا تُحاسبوا يوم القيامة على كل صغيرة وكبيرة؛

– وأن تجتنبوا التفرقة بينكم أو تتخاصموا على أمور الدنيا؛

– وتجتنبوا النظر إلى ما حرمه الله وأكل ما حرمه الله والتعامل بالربا لأنكم لن تنالوا به غير ما كتب لكم، والحمد لله الذي جنبني ذلك طول حياتي وأستغفره وأشكره؛

– ثم أوصيكم بوالدتكم فأحسنوا إليها وعظموا قدرها فإنها ضحت معي ومعكم ولسوف يعطيها الله حتى ترضى إن شاء الله. فستتزوجون فاحرصوا على رضاها فهو رأس مالكم. أما أنا فأُشْهِدُ الله أني راض عنها وأسأل الله أن يستجيب. أمكم ابتلاها الله بشتى الابتلاءات فإن صبرت فلها أجر عظيم؛

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الرابعة: وتتم اللقيا ويهتدي الحيران

– إياكم وقطع صلة الأرحام فإنها الخسارة الكبرى؛

– إن استطعتم أن تُبقوا الصلة بجماعة العدل والإحسان فافعلوا، احضروا الجلسات والرباطات وشاركوا في الدعوة إلى الله، فذلك هو النجاة في هذا الزمان الفاتن فلا تذوبوا في الجهالة.

– وصية خاصة لعبد الصمد 5 أن لا يبتعد عن وسط المسلمين وأن تبقى صلته بهم دائما حتى لا يذوب إسلامه في وسط الكفار وأن يحافظ على دينه كله وخصوصا الصلاة، وأن لا يتزوج إلا بمسلمة تعينه على دينه ودنياه.

– لست خائفا عليكم من الفقر ولكن من الغفلة عن الله، فكونوا دائما مع الله يكن معكم في كل حين: صلاةً، ودعاءً وذِكرا وصدقة والقول الحسن والبعد عن قول الفحشاء.

– أوصيكم أهم الوصايا بأن تتشبثوا بالقرآن تلاوة وحفظا ما استطعتم، فهو تركة النبي صلى الله عليه وسلم وعلموه أولادكم تفوزوا ويفوزوا.

– بلغوا سلامي ودعائي إلى حبيبنا المرشد عبد السلام ياسين.

– أدوا عني الديون من معاشي إن استطعتم 6 واعتذروا لأصحابها عن التأخير.

كل نفس ذائقة الموت فبماذا ستنفعونني وأنا ميت؟

1- بالدعاء لي في كل صلاة وفي كل مناسبة؛

2- بقراءة ما تيسر من القرآن ثم تدعون بهذا الدعاء: اللهم اكتب ثواب ما تلوته وقرأته إلى روح سيد المرسلين وإلى أرواح أزواجه وذريته وأهل بيته وإلى أرواح جميع الأنبياء والمرسلين وإلى أرواح أسلافنا وإلى أرواح كل موتانا وإلى رُوح وَالِدي… إلخ وأجدادنا وجداتنا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه؛

3- وأن تتصدقوا بنية الصدقة سائلين الله أن ينالني أجر هذه الصدقة.

– أرجو أن لا تبنوا على قبري واكتفوا ببعض “الياجورات” كما فعلنا على قبر مريم رحمها الله ووسع عليها وجمعنا بها في جنة الفردوس إن شاء الله. وأكتفي بهذا فإن الدموع غلبتني.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الخامسة: بلاء عمر في الدعوة إلى الله

وصلى الله وسلم على سيد المرسلين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كتبت يوم الثلاثاء 27 صفر 1432 على الساعة 3 والنصف مساء 7

والدكم المفتقر إلى الله

ويسلم عمر الروح لباريها

ليلة الأربعاء 23 ذي القعدة 1436 الموافق 08 شتنبر 2015 لبى عمر عزيز نداء ربه، راضيا مطمئنا، فشيعه عدد كبير ممن تسنى لهم سماع خبر وفاته، وأغلبيتهم الذين تربوا في بيته وبين أحضانه. ومما توصلتُ به عشية دفنه، جذاذة تعزية أرسلها إلي أحد الإخوان يقول فيها:

رحم الله حبيبنا سيدي عمر عزيز رحمة واسعة وألحقه بالصالحين ورزق أهله الصبر والاحتساب وأجزل لهم الأجر والثواب. فلقد عرفت سيدي عمر الرجل المجاهد الذي يعمل في الظل ويشتغل في صمت ويتحرك بتؤدة ويرى بتبصر، كان سمته في صمته، دائم الذكر جوال الفكر، متواضع الجناح، يبذل النصيحة وينشر الفضيلة ويعلم بالقدوة، توالت عليه المحن والنوازل فلم تلن له قناة أو تضعف له شكيمة، كان وهو في غمرتها الصبور المحتسب يلهج لسانه بالحمد ويتلألأ وجهه بالرضا. صحبناه فكان لنا نعم الأب والمربي فجزاه الله عنا خير الجزاء وبوأه مقعد الصدق ومنزل الرضوان ومقام القرب مع أحبابه وأصفيائه آمين وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.

تم بحمد الله تعالى.

مقتطف من بداية وصية الأخ سيدي عمر عزيز

الفقرة الأخيرة من الوصية


[1] أخرجه مسلم في صحيحه.\
[2] أخرجه ابن ماجه في سننه.\
[3] رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يرفعه: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ”.\
[4] يرمز إلى الحديث المروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “ما يصيب المسلم من هم و لا غم و لا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” متفق عليه.\
[5] ابنه عبد الصمد كان يدرس آنذاك بأوروبا.\
[6] يعني أُفَضِّلُ أن تُقضى من معاشي، على أن يِؤديها أحدكم عني من ماله الخاص.\
[7] الموافق ل: 01 فبراير 2011.\