لا أخفيكم سرا، نادرا ما كان يراودني هاجس أداء مناسك الحج، ولم يكن الأمر بدعا ولا مستغربا على الأقل في تقدير الجيل الذي أنتمي إليه، هكذا نشأنا، وهكذا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا: “التفكير في أداء مناسك الحج مسألة يختص بها صنفان من الناس: إما الشيوخ والعجائز، أو الأغنياء الميسورون”، والأكيد أن مرد هذا الشعور الاستبعادي لركن الحج، والموقف المؤجل له إلى خريف العمر، يعود إلى أسباب عديدة، أجملها في نقط ثلاث على الأقل:

– التربية المختلة التي أطرت نشأتنا، والتي زرعت فينا فصاما نكدا بين سعينا في الحياة الدنيا ومصيرنا الأخروي، والتي جعلتنا نرتب سلم أولوياتنا، بشكل يسعى لإشباع هم الدنيا أولا، مؤجلين النظر والتفكير في هم الآخرة، لدرجة صار معها الحديث عن هذا الهم مدعاة للتعجب والاستغراب بل للسخرية والاستهزاء.

– الأزمة الاقتصادية التي وسمت هذا الجيل، والتي جعلت كل اهتماماته تنصب على ما هو مادي محض، وجعلت غاية غاياته التخطيط والتدبير لتحقيق الكفاف، هكذا ظل شبح البطالة يخيم على المتعلمين منذ سنوات الدراسة الأولى، وصار الحصول على وظيفة تبعا لذلك كالكبريت الأحمر، وصار الحاصل على وظيفة “بطلا” مكبلا بجميل الأسرة، ملزما بتقديم عربون اعترافه بتحمله مسؤوليات إخوته، قبل أن يجرأ على التفكير في الاستقلال وبناء أسرة.

– طول الأمل وتسويف التوبة، وكأن الواحد منا امتلك زمام أجندة حياته، فينوي مسبقا إرجاء توبته إلى العقد الأخير من عمره، خضوعا لهوى النفس ووساوس الشيطان، وتناسيا لهاجس هادم اللذات ومفرق الجماعات الذي لا يأتينا إلى بغتة، ومادام “الحج” في أسمى وأدق معانيه توبة نصوح، فقد تعلمنا خطأ أن ندرجه في خانة المسكوت عنه إلى حين.

على أي لابد أن نسجل -بمداد من الشكر والاعتراف لذوي الفضل بفضلهم- بأن من ثمار اليقظة الإسلامية الراشدة في بلدنا العزيز، أن سلم الأولويات هذا بدأ في التغير، فطفقنا نشاهد شبابا في مقتبل العمر ينخرطون في قوافل الحجيج بكل صدق، وبكل حب وحماس، وبكل يقين.

هي إذا نسمات الشوق هزتنا فيمن هزت، وهو الحب الصادق الطافح أبى إلا أن يقودنا إلى هنالك، بعدما تسلمناها بشرى سارة عبر بريد الغيب، والرؤيا الصادقة جزء من بضع وأربعين جزءا من النبوة، زفت البشرى السارة، وانطلقت الاستعدادات للرحلة المباركة على قدم وساق، طفقنا نبتاع كل ما سيلزمنا طوال المدة التي ستستغرق شهرا كاملا، أفادتنا تجارب الحجاج السابقين أن كل ما يحمله الحاج من مؤونة سيكون مفيدا جدا هناك في الديار السعودية، ذلك أن التجار يستغلون موسم الحج فيلهبون أسعار المواد الغذائية، كما أن الفواكه والخضر هنالك ناقصة الجودة مقارنة مع ما تعودنا عليه هنا في المغرب.

والحقيقة أن أصدقائنا الحجاج حدثونا باستفاضة عن المؤونة والطعام، واستفدنا من تجاربهم كثيرا، غير أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء الحديث عن مشاكل جمة، وعقبات قاهرة، كان حري بهم -سامحهم الله تعالى وتقبل منهم- أن يحدثونا عنها، حتى نتسلح لمواجهتها بما يكفي من الصبر والجلد والقوة، وربما من اليسر والرفق والتسامح والأريحية.

سوف أتجاوز الحديث عن المشاكل التي تنشب بين الحجاج، والتي يكون للشيطان نصيب الأسد في إشعال فتيلها، لأركز حديثي عن “الحكرة” التي يستشعرها الحاج المغربي في تلك الديار التي شكلت مهوى أفئدة أجداده منذ أقدم العهود، والتي تكبد من أجل زيارتها ما لا يخطر عل بال أحد 1 ، نعم “الحكرة” وأعني ما أقول لأن عالمية هذه العبادة تفرض عليك باستمرار القيام بمقارنات بين الوفد المغربي والمسؤولين المغاربة، ووفود الحجاج القادمين من كل بقاع العالم:

1- أول ما يلفت انتباه الحاج المغربي هو زيف الخطاب الإعلامي الرسمي الذي شنف أسماعنا منذ مطلع الأشهر الحرم بأكاذيب وخدع مفادها أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قامت بكل الترتيبات اللازمة لتأطير الحجاج ومساعدتهم على أداء مناسك الحج في أحسن الظروف، وتبعا لذلك فقد تم تعيين بعثة إرشادية وأخرى طبية لمرافقتهم، وإمعانا في لعبة التمويه والخداع فإن الاجتماع الرسمي الذي تحتضنه قاعة الاجتماعات بعمالات الأقاليم، يتم خلاله تقديم أعضاء البعثتين بألبسة متميزة، وبِشَارَاتٍ تعريفية مثيرة. تنتهي المسرحية الرديئة الإخراج بمجرد انتهاء الحفل المصنوع، وتتبدى حقيقة البعثات بعد انطلاق الرحلة مباشرة، تختفي الألبسة المميزة، وتغيب الشارات إلى الأبد، ويتحول أغلب ممرضي وأطباء البعثة الطبية، وكذا مرشدو البعثة الوعظية إلى حجاج عاديين، وليتحمل كل حاج مسؤوليته الكاملة، ولكم أن تتصوروا العدد الهائل من المسنين الذين يصابون بأمراض أيسرها الحمى والزكام دون أن يلتفت إليهم أحدـ، والعدد الكبير من أولئك الذين يتيهون وتتقادفهم الأزقة والشوارع وهم في طريق العودة من المسجد إلى الفندق دون أن يجدوا دليلا ولا مرشدا، والجم الغفير من الحجاج الأميين (المساكين) الذين لا يميزون بين الركن والواجب والسنة والمستحب والمكروه، فيخبطون خبط عشواء دون أن يجدوا واعظا ولا ناصحا موجها.

2- وبعدما شنفوا أسماعنا بالحديث عن ضرورة التحلي بالصبر والتسامح ولين الجانب، نفاجأ بالغياب المطلق لكل هذه الأخلاق، وبالحضور المطلق لأضدادها، فأن تتحلى بالصبر معناه أن تمكث في مكانك في انتظار الحافلة التي سوف لن تأتي، وعندما ترتفع الأصوات محتجة تأتي أخيرا بعد نفاد الصبر، لينفجر غضب الحجاج ويترجم إلى تزاحم قاس وخصام فظيع وجدال مقيت منهي عنه صراحة في آيات الذكر الحكيم 2 . ستكون من المحظوظين عندما تفوز بمقعد في الحافلة، ولكن لمعاناة النقل بقية تكتشفها عندما يتيه السائق وتضيع منه الطريق الموصلة إلى نقطة الوصول، ولا غرابة في ذلك إذ تدرك من خلال لهجته أنه أجنبي (سوداني أو مصري) استعير مؤقتا خلال موسم الحج.

3- ولعل أفظع ما تحتفظ به الذاكرة تلك الأكوام الهائلة من الأزبال التي تزكم روائحها الكريهة الأنوف في كل شوارع وأزقة مكة ومنى، مشاهد تضايقك مهما حاولت تناسيها أو الترفع عنها حتى لا تضيع منك حلاوة لحظات مناجاة صادقة، ولعمري إن المرء ليتساءل بمرارة: ما الذي يقصده شعراء القبيلة وهم يتحدثون عن خدمة الحرمين الشريفين، وفيم تتجلى هذه الخدمة يا ترى؟ وهل يا ترى ثمة حرم أشرف من “الحرم المكي” ومن “منى”؟ كيف يعقل أن تفشل وزارة اصطلح على تسميتها “وزارة الحج” في تنظيف هذه الأماكن المقدسة؟ وهي التي تتسلم مبالغ تقدر بالملايير!! لو أنها تعاقدت مع شركة نظافة صينية أو يابانية لكان للمشاهد إخراج آخر مختلف تماما…

4- ومن غرائب ما أثار انتباهنا بعد فاجعة منى، أنها كشفت المستور، وبينت حجم الاستخفاف بكرامة الحاج المغربي، فكل الحجاج الذين فقدوا رفاقهم في ذات الفاجعة، وجدوا أنفسهم ملزمين بتجشم عناء التنقل من مستشفى إلى آخر لمعرفة مصائر الذين لم يعودوا إلى المخيم في ذات اليوم، أهم من الموتى الذين وافاهم الأجل المحتوم وسط الزحام الملغوم فيستحقون الرحمة؟ أم أنهم من الجرحى الذين نقلوا إلى المستشفيات طلبا للعلاج؟ أم أنهم من المغمى عليهم الذين عدتهم السلطات في عداد الأموات رغما عنهم؟ هكذا غابت البعثة المرافقة الغائبة أصلا، ولم تكشف عن نفسها إلا بعد أن توصلت بفتوى تسمح للحجاج برمي الجمرات خارج ما ورد في السنة (من الزوال إلى مغيب الشمس)، ومن المضحك/المبكي أنهم أخيرا التفتوا أخيرا إلى إجراء بسيط يتمثل في اصطحاب علم مغربي بحجم كبير جدا يحمله أحدهم تجنبا لتيه الشيوخ والعجائز والأميين، اقتداء بالجارتين القريبتين “الجزائر” و”تونس” اللتين التزمتا بهذا الإجراء اليسير منذ بداية موسم الحج.

هذا مجرد غيض من فيض، وإلا فإن صور معاناة الحاج المغربي لا يحصيها العد، معاناة جعلتني شخصيا أتساءل: لماذا يكتفي حجاجنا الميامين عند عودتهم بالحديث عن نسمات ونفحات الديار المقدسة، ويفضلون التكتم على كل ما يلاقونه هنالك من استخفاف ولامبالاة وتهميش؟ لماذا لا يجرؤون على فضح هؤلاء المسؤولين اللامسؤولين الذين لا يجدون أدنى غضاضة وهم يواصلون كذبهم وخداعهم كلما اقترب موعد شد الرحال إلى مهوى أفئدة النساء والرجال؟ لماذا ينسون -أو يتناسون- كل شيء بمجرد عودتهم؟ أهي الذاكرة التي لا تسعف أصحابها؟ أم أنها فرحة لقاء الأهل والأحباب بعد غياب كان من المحتمل جدا أن يكون أبديا؟ أهو الحياء؟ أهو الخوف؟ أهو الصبر في أبشع معانيه وصوره؟ لست أدري بالضبط… أسئلة أطرحها على الحجاج الكرام هامسا في آذانهم: لا تكونوا أقل حكمة ولا يقظة ووعيا من أجدادكم الذين كانوا يعكفون بمجرد عودتهم من الحج على تدوين رحلاتهم التي كانت تستغرق ستة عشرا شهرا ذهابا وإيابا، وكانوا لا يتورعون عن وصف كل آلامهم وكل معاناتهم بكامل الشفافية والصدق والوضوح.


[1] أحيل القارئ الكريم على بعض نصوص الرحلات الحجازية التي تصور ما كان يلاقيه ركب الحج المغربي من مشاق ومتاعب من أجل أداء فريضة الحج، منها: (رحلة العبدري)، و(ماء الموائد) لأبي سالم العياشي، و(الرحلة الناصرية الكبرى) لمحمد بن عبد السلام الناصري، و(الرحلة الحجازية) للحضيكي…\
[2] يقول عز وجل: “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج” البقرة/197.\