في طريقي من الثانوية إلى المنزل وأنا ملتاع مما آلت إليه أحوال أمتنا العربية الإسلامية من هَرْج، وفتن مظلمة، وأهوال محدقة وداهمة، ألفيتني مصفوعا على خدي الأيسر بصوت مُنبعث من نافذة حافلة تُقِلّ تلاميذ روض يُطل من شرفتها طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره ينظر إلي بعينين ضاحكتين ويقول بنبرة مبطنة بالسخرية والاستهزاء: “داعش”.

ابتسمت نصف ابتسامة عتاب لا على الطفل المبادئ بالسباب ولكن على ضياع أمة يُعَلَّمُ أبناؤها معاملة الكبار بهذا النوع من الاستفزاز والاستهتار، وتربى ناشئتها على هذا النبوغ المبكر الموشى بذكاء مبطن بدهاء حصرمي مُعار.

ماذا لو جَشَّمَ الآباء والأمهات ووسائل الإعلام والتعليم في دول الإسلام أنفسهم بعض الجهد في سبيل أن يبينوا لأطفالهم – منذ نعومة أظفارهم – أن اللحية سنة نبوية، وأن الحجاب فريضة ربانية؟ ماذا لو قالوا لهم موضحين مذكرين، لا محجرين ولا مسيطرين، أن الإسلام هو دين السلام، وملة خير الأنام المبعوث رحمة للعالمين؟ ماذا لو أفهموهم أن ما يقع ويوقع باسم الإسلام أفرادا وجماعة، دولا وأنظمة، إنما هو زيف وادعاء لا تُغري سُبُله، ولا تنطلي حِيَلُه إلا على “النَّعَميِّين” و”النَّعاميين” الذين منعهم عمى البصيرة عن رؤية الحق حقا واتباعه، ورؤية الباطل باطلا واجتنابه.

“داعش” كلمة باتت شماعة تبرير للنظام العالمي القديم/الجديد والأنظمة التابعة له؛ تبعية استبداد وفساد يختفي وراءها لينفذ مخططاته الارهابية، واستراتيجياته التوسعية الانتهازية والابتزازية، وهي أيضا فزاعة تغرير وتحذير من الإسلام الذي بات عدو هذا النظام واتباعه الأوحد بعد أن سقطت كل الايديولوجيات اللبيرالية والثورية المتشدقة بكل الشعارات المُحنَّطة، والتي أعلنت عن إفلاسها في عقر دارها قبل أن تُصَدَّر إلينا في نعش بوارها منتهية الصلاحية، لنعيد نحن في عقر دارنا بعثها وإحياءها في نعش إنعاشنا (إن عاشت)، نحاول جاهدين إمدادها بإكسير حياة وأمل وحلم وانتظار، وأكسجين فرصة، أو ربع فرصة لاختبار مدى صلاحيتها للبقاء بعد أن أكد الأطباء والخبراء المجربون والمكتوون بنارها أن لا أمل في الشفاء، ولا رجاء في استثمارها لتقويم ونماء.

“داعش” كلمة مدانة بألف ألف إصبع اتهام، مدان كل من يَمُتُّ إليها بصلة بجرائم ضد الإسلام وضد الإنسان جهلا وجاهلية، وعنفا وتقتيلا وغصبا وسبيا ونهبا وسلبا وتهجيرا وتكفيرا وعِدَاء وادعاء وتضليلا وإغواء وإغراء وتفجيرا وانتقاما وذبحا وتربُّحا واستعلاء واستغناء…

وهي أيضا كلمة مدانة بألف ألف علامة استفهام، وإلا من يجيب – وإِنْ ملك الجواب – عن الأسئلة الوجودية المرتبطة بهذا المخلوق العجيب، بل العجب العُجاب: من؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟ وكيف؟

من هو ومن أنجبه؟ ومتى وأين زمانا ومكانا؟ ولماذا ولد وأوجد، لأية غاية ولأية أهداف؟ وكيف أُنجبَ، هل من خلال ولادة طبيعية أم قيصرية أو كسروية؟! أم جينية…؟!

وهل هو ولد من نكاح أو سفاح؟ وهل هو نكاح متعة، أو نكاح مصلحة، أو نكاح شهود، أو نكاح عقد أو عقود؟!

اتهام واستفهام ل”داعش” المرتبطة بالإسلام زعما والتي تُرجِمت حروفها على الشكل التالي: “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

وأما “داعش” الأم التي وُلِدت من رحِمها، و”الدواعش” الأخريات اللائي تنسلت من هذه الأمم “الداعشية” الحاضنة والممولة والمدولة الراعية والمسؤولة فترجمة حروفها تكون على الشكل التالي: “دعم الإرهاب العالمي للشعوب”.

عملة واحدة لها وجهان؛ “داعش” الارهابيين، و”داعش” الداعمين للإرهاب، وكلاهما ضد الإسلام والإنسان، وبيان مشروعهما غير المشروع وارد في القرآن؛ قوله تعالى: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وهو إعلام وإعلان عن وجود مؤمنين يخربون مع المخربين. فاعتبروا يا أولي الأبصار (الحشر 2).

ومن لا بصيرة له حتى يميز “داعش” عن “داعش”، ومن لا صبر له على السؤال والمسائلة، والفحص والتمحيص والتبين وقع في شراك هذه وكمائن تلك، وجرته عقليته النعامية الحمقاء، ونفسه الشيطانية الخرساء إلى أن يُردد هذه الكلمة صباح مساء ليجعل منها ورد تبرير وتغرير للكبار والصغار على حد سواء. وهكذا تصبح الكلمة قلم رصاصٍ إعلامي مأجور، أو إصبع اتهام حاقد مغرور، أو مطرقة قضاء حاجة آمر مأمور، أو سيف حكم ظالم جهول غشوم مأزور، وعجلة الداعشيين علينا تدور.

“داعش” وهل أدعشها إلا من استبدل نظاما فوضويا في العراق بفوضى منظمة، وشام تاريخ وحضارة وبِشارة، ب”بشار أسد” استدعى الدُّبَّ واسْتعْداهُ ليهتك عرض شامية شامة بموجب زواج مُتعة شيعي في سبيل الحفاظ على بيت سيء السمعة مبني على المصلحة والمنفعة.

“داعش” وهل أكثر “دعشا” و”إدعاشا” ممن انقلب على مرسي الشرعية في ميناء ديموقراطي شعبي حر متحرر ليعلنها عسكرية فاشية فاشلة مُدعَّمة بكل “دواعش” العالم، “مُدعَّشة” بمن يرفضون كل انقلاب إلا على المشروع الإسلامي، ويقبلون كل ديموقراطية إلا أن يحمل لواءها من لا يدين بنحلة الغالب، ولا يُقر بشريعة الغاب؛ شريعة أصحاب الفيل، والأسد، والدب، والتنين وكل الوحوش من ذوي الأنياب والمخالب.

“داعش” ومن أدعش ممن ترك المسجد الأقصى للأقسى، والمواطنين للمستوطنين، والعُزَّل للقنابل المُسيِّلة للدموع والضلوع يعدمون شبانا وشابات في عمر الزهر لا من أنكر بقلبه، ولا من استنكر بلسانه، ومن له لسان لا صوت له يُسمع، ومن سُمِعَ صوته لا من عنه يفهم، ومن فُهم كلامه غيروا منكر ما أبان عنه بيد تصفق لبلاغة البيان، لا بيد قرار أممي يوقف العدوان، ويحاكم كل جان. وينفَضُّ جمع المؤتمرات المؤامرات لتبقى حليمة على عادتها القديمة، ويبقى مصير شعب وأمة بيد الفئة المفاوضة المطاوعة المقاولة لا الفئة الرافضة الممانعة المقاومة.

وأكثر “الدواعش” شيوعا تلك التي تجعل من الوطن سجنا كبيرا، وأنت في زنزانة بيتك حُرٌّ شرط أن تختار مما تقرر، وتدخل في اللعبة بشرط من نظر وأطر وأراد للوضع أن يتكرر ليتقرر، وألا يتبدل أو يتغير، والكل يتعذر ويبرر أن ليس في الإمكان خير مما كان، وقد أعذر من أنذر.

ومبررات “الداعشيين” -إرهابيين وداعمين للإرهاب- عدد حصى الجبال، كُلَّما أخطأ كبير قالوا من الخطأ يتعلم الرجال. وكلما اختلس مُبير قالوا سوء تدبير – إن اسأنا الظن – حرامٌ أن يستقيل أو يُقال. وكلما أجرم مسؤول قالوا لكل جواد كبوة وأي حسام لمْ يُصبه كلال؟! وكلما جار قاض قالوا أملُنا في قضائنا عال عال، وثقتنا في استقلالهم لا يرقى إليها جدال. وكلما انقلب مُنقلب على الشرع والشرعية، وحكم مُستبدٍ ببدلة مدنية تخفي نرجسية سادية عسكرية، قالوا وضعية البلاد مزرية وتحتاج إلى شخصية قومية قوية، لها قدرة على التوسل بكل وسيلة تبررها غاية أمنية، ومهارات في البكاء والتسول عند الأمم الحاضنة “للدواعش” الدولية لإقناع من يتمنى أن يقتنع بحجج وهمية ليتواطأ مع “الداعشيين” الحقيقيين بغية تكميمِ الأفواه الحُرة، والسكوت عن الحقائق والحرائق المُرة، وعقد الصفقات على حساب الحقوق المهضومة والدماء المُهدرة.

وكلما استأسدت “نعامة” و”تدببت” و”تنتنت” و”تهوَّدت” قلنا دمشقية أصيلة، علوية حسيبة نسيبة، أفرزها الصندوق، وأوباما ربما لم يجد عنها بديلا، ولو تركها لبديل معارضين لسقط النظام، وحل مَحَلَّهُ فوضى الأصوليين الوصوليين، والإسلاميين السياسويين.

أمة عربية إسلامية بين “داعش” الارهابية، والداعمة للإرهاب و”ناعج” الشيطانية الساكتة عن حق الشعوب في نظام شوري ديموقراطي حقيقي لا صوري ولا سوري ولا مصري؛ فرعوني هاماني قاروني سامري، ولا ليبي معمري ولا خفتري، ولا يمني مخلوع، أو عاصفي أو مخدوع، ولا تونسي زيتوني ياسميني بطعم الحنظل، ولا فلسطيني يحاول أن يرد حماس الجهاد بتفاوض سلطوي مدجل ومؤجل بلا هدف ولا أمل. ساكتة هي عن حق الشعوب ومساومة متاجرة مقاولة، ومقاومة لحق الجماعات الإسلامية السلمية الوسطية الراشدة، والأحزاب المعارضة الجادة، ووسائل الإعلام الصادقة، والمنظمات الحقوقية العصية على الترويض والترويج للسلع المنتهية الصلاحية.

ألا إن البقاء لله والدوام له وحده لا لسواه. ألا إن عمر الكذب قصير. ألا إن الجور على الجائر يدور ومكر أولئك هو يبور (فاطر 10)، ولله عاقبة الأمور (الحج 41)، ولا “داعش” ولا “ناعج” جدير أن يكون له القرار الأخير في تقرير مصير شعوب بدأت تستيقظ وتنتفض، ربيعها العربي إن لم يكن نورا على نور، بل نورا من لهب أطفأتهُ رياح تقصير بل قصور، وتواطؤ مُبير بين “داعش” محسوبة على الإسلام وهمًا وزعما، و”داعش” ولية لأعداء الإسلام إعلاما وانتفاعا وحكما، و”ناعج” ساكتة شيطنة ووهنا، أو ناطقة بما يُشرعنُ “للدعوشة” طمعا أو جبنا، فإن هذا الربيع العربي لم يكن إلا مقالة تحت عنوان: ولتستبين سبيل المجرمين (الأنعام 55)، والمخاض متواصل بين يدي ميلاد فجر جديد صادق لمقالات بديلة تحت عنوان: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون (إبراهيم 42)، أو فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون (الأنفال 36) ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله (الروم 4-5) ألا إن نصر الله قريب (البقرة 214) صدق الله العظيم.

وإلى حين تفضح الأيام هُراءَ الشائعات عند من بقي رهينتها من طلبة الحق والحقيقة. وإلى حين تُطيح الأحلام بشمَّاعَاتِ التبرير عند من “يَتكلَّسُ مُتَكولِسا” وراءها يُداري عقوقه ومُروقه، وإلى حين تُريح صوارم الألسنة والأقلام صغار الأحلام من فَزَّاعات وهمية لا وجود لها، أو من أفزع بها هو من أوجدها، أو هو/هي ذاتها العدوة الصديقة، لا نملك إلا أن نقول: بدلا من استفراغ الوسع والوقت والمال في التبرير والتغرير استنفذوا عُشُرَ ذلكُ في البحث عن دلائل وبدائل للإصلاح والتغيير، وإلا فانتظروا انتفاضة “ضَفّاتٍ” بعد “غزّات”، واستقلال أحرارٍ مُمانعين مقاومين بعد تبعية عبيد مُطبِّعين مُقاولين.

والصلاة والسلام على الصادق الأمين والحمد لله رب العالمين.