الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى أهلـه الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر المحجّـلين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الزكاة في اللغة تعني؛ الطهارة والنماء والزيادة والصلاح والبركة 1 .

والزكاة تزكية للنفوس والأموال معاَ، فهي مشتقة من فعل “زكـا” أي؛ نمـا وطهر، ويشملان الإنسان المزكّي والمال المزكّى، كما قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ اَلرَّازِقِينَ 2 . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو: يطهر ويزيد في المعنى) 3 . لذلك جعلها الله تعالى ركنا من أركان الإسلام، لتكون تزكية للنفوس ونماءً للأموال، ويتجلى ذلك في مجموعة من المعاني منها:

1- تطهير نفس المعطي وتزكيتها من الشح والبخل، وتخليصها من سيطرة حب المال والحرص عليه، فيعلم أن الحياة ليست كلها مادة، الأمر الذي يدفعه إلى البذل والعطاء، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُـزَكِّيهِمْ بِهَا 4 .

قال سيد قطب رحمه الله تعالى، في تفسير هذه الآية: ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة، فهم يشاركون في واجباتها، وينهضون بأعبائها، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها، وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية، وفي دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم طمأنينة وسكن) 5 .

2- التفاعل الوجداني بين أفراد المجتمع، يقول الدكتور القرضاوي: وهي نظام خُلُقي؛ لأنها تهدف إلى تطهير نفوس الأغنياء من دنس الشح المهلك، ورجس الأنانية الممقوتة، وتزكيتها بالبذل وحب الخير، والمشاركة الوجدانية والعملية للآخرين. كما تعمل على إطفاء نار الحسد في قلوب المحرومين الذين يمدون أعينهم إلى ما متع الله به غيرهم من زهرة الحياة الدنيا. وإشاعة المحبة والإخاء بين الناس) 6 .

3- تحقيق مزيد من التآلف والمحبة والتواصل والأخوة بين المؤمنين، قال الله تعالى: إنَّمَا اَلمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ 7 .

4- الزكاة نماء وتطهير لشخصية الفقير حتى يشارِك في واجباته الاجتماعية، حيث يشعر أنه ليس ضائعا في المجتمع ولا متروكا لفقره وعوزه ويستمتع بكرامته عندما يأخذ حقه. وربما تكون الزكاة منطلقا ليكون من ذوي اليد العليا يعطي بدوره الزكاة وذلك إذا أعطي له من الزكاة ما يقيم به مشروعا أو زود بأدوات العمل.

5- الزَّكاة شكرٌ لنعمة الله، واعتراف بفضله سبحانه وإحسانه إليه وهي علاج للقلب من حب الدنيا وتزكية للنفس وتحويلها إلى الرغبة في الآخرة.

6- الإحساس بالانتماء إلى المجتمع الواحد والمساهمة في خدمته، قال سيد قطب رحمه الله، ذلك أن أخذ الصدقة منهم –يقصد الزكاة- يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة، فهم يشاركون في واجباتها، وينهضون بأعبائها، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها، وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية، وفي دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم طمأنينة وسكن) 8 .

نختم بكلام نفيس للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: الصدقة المأخذوة من أغنياء الأمة، المردودة على فقرائها، وسيلة لتزكية النفوس والأموال وتطهيرها وتطييبها. تزكية وتطييب وتطهير للنفس التي صدقت في فعلها حيث يقيها البذل في سبيل الله شحها. وتزكية وتطييب وتطهير للنفوس التي رد عليها نصيب من المال تسد به الحاجة فتختفي أسباب الحقد الطبقي. قال الله تعالى لعبده النبي وعباده ولاة الأمر من بعده: “وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ”. فكان صلى الله عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء والخير والبركة لمؤتي الزكاة فتزكو الأموال ويكثر الخير والبركة) 9 .

والحمد لله رب العالمين.


[1] يُـنظر: ابن منظور، لسـان العرب، مادة (زكـا) ج: 14 / ص:358-359.والفـيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة (زك و) الصفحة: 1163. ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي.\
[2] سورة سبأ / الآية: 39.\
[3] يُـنظر: ابن تيمية، مجموع الـفتاوى، ج: 8 / ص: 25.\
[4] سورة التوبة/ الآية: 104.\
[5] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج: 3 / ص: 1708.\
[6] يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج: 2 / ص: 633.\
[7] سورة الحجرات / الآية: 10.\
[8] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج: 3 / ص: 1708.\
[9] عبد السلام ياسين، في الاقتصاد؛ البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الصفحة: 52.\