أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور محمد سلمي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومنسق هيئتها الحقوقية، وذلك في سياق ملف خنق الأصوات الحرة) الذي ينشره الموقع. وقد تطرق الحوار لجملة من القضايا التي تتمحور حول كيفية مواجهة أصحاب الرأي في المغرب للسلطة التي تحاول خنقهم، ناهيك عن عدد من القضايا الحقوقية وبينها قضايا بعض أصحاب الرأي في جماعة العدل والإحسان.

تابعتم دكتور سلمي تطورات ملف الدكتور المعطي منجيب، وهو ما يحيل إلى ملف عام يرتبط بالتضييقات المتواصلة التي تمارسها السلطة إزاء معارضيها من الأكاديميين والحقوقيين والإعلاميين… كيف تنظرون إلى نهج السلطة هذا؟

التضييق على الدكتور المعطي منجب، وعلى الأصوات الحرة من إعلاميين وأكاديميين وفنانين وحقوقيين وخطباء وجمعيات وهيئات…. سياسة خاطئة للدولة وأجهزتها. فوجود مثل هؤلاء في البلد عنصر توازن للحفاظ على دينامية حقيقية، وبناء مجتمع مدني فعال بنخب لها دورها الواقعي في ممارسة الرقابة المعنوية على مؤسسات تدبير الشأن العام. وإذا كان التنوع والاختلاف من نواميس الكون، وعنصر قوة في بناء التاريخ، فإن عملية التنميط التي يمارسها المخزن، تشكل خطرا كبيرا ليس على خصومه فحسب بل على وجوده. إن المشهد السياسي المصطنع، والمشهد الإعلامي المخنوق، والفن الرسالي المقموع، والمجتمع المدني المناسباتي الانتهازي الذي تحركه السلطة… مشاهد وفصول من مسرحية انتهت صلاحيتها وولى عهدها.

يرى البعض أن من حق الدولة أن تدافع عن مصالحها اتجاه “مناوشين” يشتغلون ضدها؟

الخطير في الأمر ألا تعلم بعض الأجهزة أين تكمن المصلحة الحقيقية للدولة. فوجود الآلاف من أمثال الأستاذ منجب دعامة أساسية لدولة ديمقراطية، ولن يشكلوا أبدا أدنى خطر على الدولة بل العكس. وخذ الدول القوية على سبيل المثال، فقوتها من قوة مؤسساتها، وقوة معارضيها على حد سواء. أما الذي يجهز على المعارضة، فيبرهن من خلال فعله على مدى ضعفه وخوفه، وليتوقع الكوارث العظمى أثناء فعله، أو بداية التفكك والصراع من داخل الأجهزة إن نجح في فعله وأتمه. فالصراع والتدافع أمر مفروغ منه، إما مع معارض يساهم في تقوية الذات، أو بين مكونات الذات فيما بينها.

يلاحظ أن جل الملفات التي يتابع فيها أصحاب الرأي المعارضون تتخذ طابعا جنائيا ويُلَبَّس أصحابها لبوس تهم الحق العام (اختلاسات، تهم أخلاقية…)، وهي التهم التي تضعف تعاطف الرأي العام مع أصحابها وتجعلهم موضع “التهمة” و”الشك”. كيف يمكن التعاطي مع “الضرب تحت الحزام” التي تمارسه السلطة؟

لو تعلق الأمر بحدث معزول لربما صدق الناس التهمة. لو كان لدينا قضاء نزيه مستقل، لصدق الناس أحكام القضاء. لكن الواقع يثبت أنها سياسة ممنهجة لبعض أجهزة دولة أخطر مظاهر ضعفها قضاء غير مستقل. وهو ما أكده القضاة الذي خرجوا للشارع يطالبون باستقلال القضاء. كما تزايدت حدة ووتيرة هذه التهم الملفقة والمحاكمات الصورية في السنين الأخيرة بشكل ترسم به هذه الأجهزة عن نفسها في متخيل المواطن صورة العدو المتربص الناصب للفخاخ المتتبع لعثرات المعارضين والشخصيات المستقلة، عوض أن تكون مؤسسات مُواطِنة تتصدى لكبار المفسدين وللأخطار الحقيقية التي تهدد البلد في سياسته واقتصاده وقيمه. إن درس “البنعلة” (نسبة إلى الرئيس التونسي الهارب بن علي) درس بليغ للغاية، وضع الأسس لعقد اجتماعي رصين من أولويات هذه المرحلة، خدمة لمصلحة البلد ومستقبله.

عانى، وما زال، العديد من الفاعلين وأصحاب الرأي المنتمين لجماعة العدل والإحسان من التضييق والرقابة والمحاكمة، وما ملفات ندية ياسين ومنير الركراكي ورشيد غلام إلا نماذج، كيف تتعاملون مع هذه التضييقات؟ وما خطتكم لتجاوز تأثيراتها؟

وأضف إلى السلسلة اعتقال الأخت فاطمة قرماد بمدينة تازة لتكتمل صورة التضييق بوجهيها: وجه التعليمات الرسمية الجائرة، ووجه الانتقامات وتصفية الحسابات الشخصية لبعض رجال السلطة. فموضوع اعتقال هذه السيدة بعد اعتقال أخويها ظلما وعدوانا جدير بأن تكتب حوله رواية، ويصور فيلم عنوانه “فرعون تازة”، وأضف تقبيل الحذاء بميدلت، وقصيدة الشاعر منير الركراكي، وأنشودة الفنان رشيد غلام، وحرية الأستاذة ندية ياسين… من بين ما نستهدفه بعملنا أن يدرك الجميع أن الظلم إيذان بنهاية الاستبداد كما بشر بذلك ابن خلدون في المقدمة، وأن تلميع الصورة بتبذير الملايير مع وجود هذا الظلم البشع نفخة في رماد وصيحة في واد.

يلاحظ حضور معتبر (إعلامي وحقوقي وسياسي) للجماعة في الدفاع عن أصحاب الرأي المضيق عليهم (منجيب، أنوزلا، المرابط…). لماذا؟

من الواجب أن تتظافر جهود كل المخلصين الأوفياء للحرية والكرامة وحقوق الإنسان وبناء دولة الحق والقانون، ودولة المؤسسات الديمقراطية… وأن يكونوا كالجسد الواحد، حتى يتبين لخصوم المغرب وأعدائه الحقيقيين أنهم مخطئون، وأن استعداء الرأي المخالف جناية في حق هذا الوطن.

ماذا تقترح العدل والإحسان على أصحاب الرأي المدافعين عن مغرب أفضل للدفاع عن حقهم في الوجود والتعبير؟

لا يمكن بناء مغرب قوي يواجه التحديات المتنوعة إن لم تتظافر جهود المخلصين من أبناء وبنات هذا الوطن لإرساء دعائم ديمقراطية حقيقية تضمن للجميع حرية الرأي والتعبير والتنظيم. إن احترام الاختلاف والتنوع، ونبذ الإقصاء والتطرف، والتعاون للدفاع عن المشترك، سبيل لإشعار حماة الرجعية والتخلف والفساد بضرورة التغيير وإلا فعجلة الزمان لن تتوقف، والركب سيتجاوزهم مهما ظنوا أنهم ماسكون بزمام الأمور. المبادئ والقيم والمؤسسات أطول أعمارا من الأشخاص. فالرهان في بناء دولة قوية على تقديم الصالح العام على المصالح الشخصية، الفردانية والذاتية والأنانية قواصم لا بد من كبحها. تحالف الأخيار مفزع مزعج، لكن إضعافهم أو الإجهاز عليهم ينذر بوضع لن يكون فيه مطاردوهم أحسن حالا.