أصدرت كتابة الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي المكلفة بالتعليم المدرسي، بتاريخ 19 يونيو 2009، مذكرةً تحمل رقم 93 في موضوع “تعميم اللباس الموحد في التعليم الإلزامي”، موجهة إلى مديري الأكاديميات الجهوية، ونواب الوزارة، والمفتشين، ومديري المؤسسات التعليمية. أنقُلُ عن المذكرة الفِقرة الأولى الأهم التي تحدد الأهداف كاملة: “وبعد، فمواصلة للجهود المبذولة للارتقاء بالحياة المدرسية؛ وتماشيا مع التدابير الواردة في المخطط الاستعجالي، والتي تسعى إلى تقوية الشعور بالانتماء للمدرسة المغربية لدى الناشئة، باعتباره مدخلا أساسيا لترسيخ السلوك المدني والتربية على المواطنة؛ وحرصا على جعل المدرسة فضاء للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم، يوفر أسس الاندماج الاجتماعي والحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية؛ وفي إطار إرساء “مدرسة النجاح” وجعلها مدرسة تشع بالمحبة والتسامح وتغرس القيم النبيلة في نفوس الناشئة، وتعزز الثقة في المدرسة المغربية باعتبارها فضاء لتكريس مبدأ تكافؤ الفرص؛ عمدت الوزارة إلى وضع مجموعة من الإجراءات المساعدة على خلق فضاء منسجم ومتناسق في مظهره الخارجي، ومعبر عن هوية مشتركة، وذلك من خلال توحيد لباس المتعلمات والمتعلمين وتعميمه في التعليم الإلزامي.”

إن أول ما يمكن أن يلاحظه القارئ، بغض النظر عن ضعف التعبير، هو أن المذكرة جاءت هرولةً ضمن “مخطط استعجالي” لإنقاذ المدرسة المغربية، لم ينقذ شيئا باعتراف الوزارة نفسها لأنه لامس القشور ولم ينفذ إلى لب المنظومة التربوية الكارثة. فما علاقة الزي المدرسي بالاكتظاظ؟ وما علاقته بجريمة “الخارطة المدرسية”؟ وما هي صلة الوصل بين اللباس وغياب الهدف من التعليم، ونقص الموارد البشرية، وتردي التجهيز، وغياب المراقبة التربوية، وتخلف المناهج؟ الملاحظة الثانية هو أن جل ما ورد في الفقرة المذكورة أعلاه عبارة عن كلام فضفاض لا رابط بين أجزائه ولا منطق، ساقه أصحابه لتبرير قرار اتُّخِذ لهدف آخر كما سنرى. إذ كيف للباس الموحد أن يرسخ السلوك المدني ويربي على المواطنة؟ وكيف له أن يرفع من الثقة في المدرسة المغربية؟ ثم كيف يُكرَهُ المتعلمون على لباس معين مع الحديث عن التسامح الذي يُندب إليه بين أطراف مختلفة؟ وما علاقة الزي بتكافؤ الفرص؟ وما هو السلوك المدني؟ وما هي علاماته وضوابطه؟ ولماذا يحصر اللباس الموحد في التعليم الأساسي فقط؟

إن العبارة الوحيدة التي يمكن قبولها إلى حدّ ما وبكثير من التحفظ في الفقرة المذكورة هي عبارة “الحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية”. ففي واقعنا الذي يتسم بالعنف والتسيب، يساعد اللباس المدرسي، حسب البعض، على كشف “الغرباء” عن المدرسة الذين يتسللون إليها بغية السرقة أو الاعتداء أو مضايقة الفتيات، كما يقلل اللباس الموحد من حدّة الفارق الاجتماعي المادي بين هذا التلميذ وذاك، إنه حماية نفسية له وللتلميذة خاصة من الشعور بالدون والعوز والتضعضع أمام من تلبس أفضل. أما الحماية الأخلاقية فتعني عدم سقوط التلميذ والتلميذة على الخصوص في مَهْواة الميوعة والانحراف والإباحية بارتداء ما هو غير أخلاقي. وهذا لعمري شيء عجيب. إذ كيف يُسمح للذكور بارتداء السراويل الهابطة عن العورة في الشارع، وهي بالمناسبة من إبداع مصممي أزياء شاذين جنسيا أو مناصرين لهم، ولا يسمح لهم بذلك في المدرسة؟ وكيف تشجع الفتاة على العُري والوِقاع بلا قيد أو شرط بدعوى حريتها الشخصية وتُمنع من ذلك في المدرسة؟ أليس الشارع امتدادا للمدرسة؟ أليس التلاميذ وغير التلاميذ كلاهما ينتمي لوطن واحد؟ أم أن المدرسة المغربية لا صلة لها بالمجتمع، فقد جُعِلت لشيء آخر؟

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فأغلب الذين يشتغلون في التعليم يعرفون أن مبررات الداعين للباس الموحد حمايةً لجسد المتعلم ونفسه وخُلُقه واهية. فمن يريد أن يتسلل إلى المدرسة لن تعوزه الحيلة، سيّما والأمن غائب، والمدرسة لا هيبة لها، والجدار المحيط يسهل تسوّره أو به فجوات؛ كما أن الزي الموحد لا يمكنه إخفاء الفارق الاجتماعي الذي يظهر بوضوح في الحديث والاهتمامات وأشياء أخرى خاصة في العصر الحالي، إذ يكفي على سبيل المثال أن يسحب التلميذُ هاتفَه الخلوي من جيبه، ويبدأ في عرض صورٍ له في منزل أسرته المميّز، أو في مدينة أو دولة أخرى سائحا رفقة والديه، ليظهر البون الشاسع؛ أما فكرة الحماية الأخلاقية فيمكن معرفة ضحالتها بتفقد محيط المدرسة، أو مشاهدة فضائح التلميذات بالصوت والصورة وهن بزيهن المدرسي على الأنترنيت. ولقد سبق لي شخصيا أن شهدتُ عملية طعن بالسكين قام بها تلميذ ضد رفيقه كانا بالزي المدرسي.

إن كل الحيثيات المذكورة المرتبطة بعبارة “الحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية” لا تعدو، إن سلمت النية وهيهات، أن تكون علاجا سطحيا جدا لأزمة بنيوية متفاقمة تضرب جذورها في عمق المنظومة التربوية وسياسة الدولة بشكل عام؛ لا مخرج منها إلا بإقامة العدالة الاجتماعية المُغيّبة، وإحياء التربية في المدرسة والمسجد والشارع وفي كل بقعة ومنبر، وتغيير المنظومة التعليمية الحالية التي لا تنشر سوى الجهل والتبعية.

إن المتمرسين بالسياسة يعلمون أن الدولة لا يمكن أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام دون أن تطلع على موطئ قدمها، أي ما من قانون أو نظام أو قرار إلا وله هدف ووراءه غاية، قد يُعلن عنهما وقد لا يعلن. فأي هدف يثوي تحت مذكرة اللباس الموحد؟

الجواب نستنبط مُقدّمَتَه من نصّ المذكرة نفسِها، ونجدُ موضوعَه فصيحا في الواقع العملي. أما نص المذكرة، فليس فيه ما يُترجم إرادة أصحابه غرْسَ “القيم النبيلة في نفوس الناشئة”، إذ لم يحدد أوصاف اللباس الموحد. فلو كانت الإرادةُ صادقةً، لتم تحديدها بشكل معتدل يرضى عنه المغاربة وهم مسلمون، مع اعتبار آراء غير المسلمين من أبناء الأجانب وحتى الآراء الشاذة للبعض من بني جلدتنا. ولا داعي لبسط مفهوم الاعتدال ههنا، إذ ليس هو موضوع مقالنا؛ وفي تقديري، لباسُ الحياء والعفة المعتدل معروفٌ وأوصافه معروفة، ومن ادّعى جهله به أبثه قول الشاعر:

وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ = إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ.

ثم إنه لو صدقت الإرادة لَوَرَد في المذكرة الحد الأدنى مما يجب أن يشتمل عليه اللباس كستر العورة مثلا، كما تفعل الدول الغربية، خصوصا في المرحلة الثانوية التي ينضج فيها الجسد. رب قائلٍ: إنّ فرض أوصافٍ معينة في اللباس المدرسي لا ينسجم مع ديمقراطية الدولة ورعايتها للاختلاف داخل المجتمع، وهذا رأي صائب لا يملك العاقل إلا أن يصفق له؛ لكن كان على الدولة، مثلما أشارت في نفس المذكرة إلى “مراعاة الاختلافات الجهوية والخصوصية الجغرافية والمناخية” رغم قِلّتها وضعف تأثيرها فنحن في المغرب وليس في الهند، أن تشير إلى هذه الاختلافات، وتحث على ضرورة احترامها دفعا لأي اضطراب، ودرءاً لاستغلال هذا الفراغ وفرض رأي معين من طرف جهة ما، بدلا عن ترك الأمر بيد “فريق القيادة والتأطير الجهوي لمشروع المؤسسة وممثلي جمعيات دعم مدرسة النجاح، وجمعيات الآباء والأمهات، وكل من يمكنه دعم هذه العملية”.

هذا عن نص المذكرة، أما في الواقع العملي، أي في المؤسسة التعليمية، التي غالبا ما يكون الآمر الناهي فيها هو المدير، لتراجع معظم المدرسين عن الاهتمام بكل ما يخرج عن حجرة الدرس، ولأسباب نفسية واجتماعية وأخرى ذات صلة بهندسة القرار وبنية العلاقات داخل المرفق العام بالنسبة لباقي موظفي الإدارة التربوية وسائر مكونات المجتمع المدرسي، فإن المراقب يلاحظ بلا شك نزوعا نحو تعرية الفتاة (سأركز على الفتاة في باقي المقال لأنها المستهدفة الأولى). قلتُ “تعرية” لأنه لا براءة للمتحكّمين فعلا في الشأن التربوي في هذا النزوع الذي يُرعى بأساليب ومناورات مختلفة، أكتفي بذكر أوضحها.

إن ما يلفت الانتباه ويستحق دراسة خاصة هو أن المدير، لمركزه المحوري في المنظومة فهو المخاطَب الوحيد للنيابة الإقليمية، وإلاّ فهو وباقي أعضاء الإدارة التربوية ومجلس التدبير، لا يجرؤون على فرض لباس عفة وذوق يرتضيه أغلب المغاربة، رغم أن المغرب دولة إسلامية بنص الدستور(لستُ أقصد غطاءَ الرأس). إنهم يقومون ب”رقابة ذاتية” تجنبا لأي “ملاحظة” من لدن الرئيس أو الرؤساء في النيابة الإقليمية ذوي التوجه المعروف في هذا الشأن، عن اقتناع أو خضوع؛ فكلٌّ يخشى الضربات المخزنية من تحت التي قد تأتي على المنصب. أمّا إذا لم يدرك أعضاءُ الإدارة التربوية ما ينبغي فعله ولم يكونوا على عِلم بهذا التوجه غير المكتوب، وهو أمر مستبعد جدّا بالنظر لكيفية انتقاءهم، فتجرؤوا على فرض لباس حياء داخل المدرسة، مدعومين بأعضاء مجلس التدبير، فإن الأكاديمية الوصية ترفض المصادقة على النظام الداخلي للمؤسسة الذي وضعه مجلس التدبير، وقد تعتبر أن المجلس والمدير بصفة خاصة يفرقان بين المغاربة ويمارسان السياسة في وسط تربوي! وقد تتدخل النيابة بصرامة في الموضوع قبل الأكاديمية لنفس الاعتبار.

أما إن كان المدير يميل إلى العُري و”التحرّر” ولم يجد من يُعارضه داخل المؤسسة، أو وجد لامبالاةً أو ضعفاً في مجلس التدبير، فإنه يفرض رُؤيته الخاصة للباس كِتابةً في النظام الداخلي للمؤسسة، بحيث يتم إلزام التلميذات بارتداء السروال والقميص، أو “التنورة” والقميص، دون تحديد طول “التنورة”، أو إشارة إلى وَساعة السروال؛ وقد يشار إلى وساعة السروال و/أو طول “التنورة”، لكن ميدانيا يُغَضّ الطرفُ عن السراويل الضيقة و”التنورات” فوق الركبة؛ وقد يعمد مديرٌ من هذه الطائفة إلى حظر الجلباب وما يُشاكِله، أو يتحرش به في الخفاء. حتى إذا احتج أحدُهم على منع ابنته ذات الجلباب من دخول المؤسسة، قيل له إن هذا القرار مسطور في “القانون الداخلي للمؤسسة” الذي وضعه مجلس التدبير، فيخرس المواطن ويخضع تحت تأثير وسطوة كلمة “قانون”، وربما غادرت البنت المدرسة بمحض إرادتها، معتقدة أن المنع قانونيا. وإذا حدث أن احتج آباء على المنع، واتصلوا بنيابة وزارة التربية الوطنية وأقاموا الدنيا، تكتفي النيابة في غالب الأحيان بالاتصال بالمدير على الهاتف كي يسمح للتلميذات بالدخول، لا تستطيع أكثر من ذلك لأنها تعلم أن المدير يخرق القانون، لكنه يخدم أهداف المخزن التربوي وسياسة جهات نافذة في الدولة تُراقب “سياسة” النيابة أيضا؛ بينما كان يجب إعفاؤه من مهامه لأنه خرق الدستور المغربي الذي جاء فيه أن “التعليم الأساسي حقّ للطفل وواجب على الأسرة والدولة”، وهو “مُيَسّر الولوج”، وأن الدولة تحظر “كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي ..”. هكذا يحسب السذجُ والبسطاءُ أن السماح للتلميذات بالدخول رغم أنف الإدارة ومجلس التدبير انتصارا للديمقراطية و”الحق”، بينما هو في واقع الأمر إنما يمثل حلقة في سلسلة التضييق الممنهج على التصوّن والعفة ومحاربة التديّن، والتطبيع مع السروال اللاصق و”التنورة” فوق الركبة بحيث يصبح تدريجيا هذا اللباس بعد عقود هو اللباس الوحيد المقبول ذهنيا ووجدانيا واجتماعيا عند المرأة. ألا إنّ من عواقب عملية المنع ثم التراجع إحجامُ عدد من التلميذات عن ارتداء الجلباب أو الكسوة الطويلة، اجتنابا لما يصير في وعي التلاميذ مرادفاً ل”المشاكل”.

إن منع التلاميذ من دخول المؤسسة التعليمية، أو طردُهم منها من طرف عضو في الإدارة التربوية بسبب شكل اللباس المدرسي لا يتجاوز الدستور والقوانين الوطنية فحسب، وإنما يُعَد خرقا سافرا للتشريعات التربوية أيضا. فمن جهة لا يمكن الاحتكام، في موضوع شائك كلباس المرأة يتداخل فيه العقدي والنفسي والاجتماعي، إلى ما يسمى ب”القانون الداخلي للمؤسسة”، لأنه ببساطة ليس بقانون، بل عبارة عن توصيات تنظيمية مُكملة للتشريع التربوي في ما يخص بعض جزئيات الحياة المدرسية البسيطة، ترمي إلى حسم الاختلاف حولها حفاظاً على السير الطبيعي للمؤسسة التعليمية. فهو لا يملك حق التأديب وإنزال العقوبة. ومن جهة ثانية، لا يمكن للنظام الداخلي للمؤسسة أن يكتسي صبغة قانونية إلا بعد مصادقة الجهة الوصية على كافة بنوده كتابةً وهي الأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين. كما أن هذا المنع يتجاوز ما جاء في المذكرة الوزارية السالفة الذكر التي لم يقل أي سطر فيها بمنع من لم يلتزم باللباس الموحد من ولوج المدرسة. كما أن هذا المنع يعتبر مخالفة لنصين صريحين: لدليل الحياة المدرسية الصادر سنة 2008 وفيه: “لا يسمح لأي مدرس بحرمان أحد تلامذته من الدرس”، وللمذكرة الوزارية رقم 94 الصادرة بتاريخ 24 يونيو 2009 إذ جاء فيها: “اجتناب عدم قبول المتعلمين والمتعلمات بالقسم أو حرمانهم من متابعة الحصة التعليمية-التعلّمية بسبب عدم اقتناء الكتب واللوازم المدرسية”. فهل يكتسي اللباس أهمية أكبر من الكتاب وباقي مستلزمات التحصيل الدراسي؟ أم أن الغاية الإيديولوجية السياسية تبرر كل وسيلة ولو كانت تنسف أسس العملية التعليمية؟

هذا وإن لجوء مجلس التدبير إلى فرض الزي المدرسي لا يبعث عليه دائما التربية والغيرة على “أولادنا”، إنما لما تتيحه صفقةُ صناعة اللباس بالآلاف مع إحدى شركات النسيج من فرصةٍ للكسب المادي غير المشروع.

هناك دول كثيرة ذات تعليم راقٍ لا تفرض اللباس الموحد على المتعلمين ذكورا وإناثا، منها فنلندا وألمانيا وفرنسا ومعظم مدراس الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك دول “عظمى” تعمل به كاليابان وسنغافورة وكوريا وبريطانيا، وأخرى تدع الأمر للأقاليم المُكوّنة لها. وهذا يدل على أن اللباس الموحد لا أثر له إطلاقا على التعلم. إن الاختلاف يعود إلى رؤية كل بلد لقضية التعليم بشكل عام. هذا البلد يؤمن بأن الحرية يجب أن تسود في كل مرفق وفي سائر المجتمع، وبالتالي يرى أن التعليم هو الحقل الخصب والمناسب لغرس قيمة الحرية في نفوس الناشئة؛ وذاك الكيان يركز في نظرته على صفة الجندية التي يجب أن يصطبغ بها التعليم باعتباره قضية حياة أو موت بالنسبة للفرد والأمة (La nation). وكلٌ يضع ضوابط في اللباس، حفاظا على مروءة المتعلم وحرية الآخرين، يُعاقَب من خالفها بصرامة مِعيارية قانونية. على النقيض مما يجري في تعليمنا، إذ يُتغافل عمّن ضيّقت على أردافها وجعلت صدرها في الهواء، وتُمنع أو تُضايق من اختارت التصوّن وستر محاسنها؛ فلا الحرية نغرسُها في النفوس، ولا المساواة ندافع عنها!

إنه لو كان تعليمنا حيّا يرزق، واختار المشرفون عليه الزي الموحد بعد نقاش صريح ومفتوح، لكان اختيارا منسجما مع الواقع يعبر عن التجنّد والتجنيد للثورة على الجهل والتخلف ولتحقيق النهضة المجتمعية الشاملة. أما وتعليمنا “خَمَجٌ” بتعبير وزير مسؤول في الحكومة الحالية، بل جثة هامدة ينبغي دفنها في رأي العارفين بالأمر، فإن اللباس الموحد لا يعدو أن يكون لباسا لستر البؤس (Un cache-misère)، ومناورة للتعمية عن جوهر المعضلة والفساد الذي أهلك المنظومة، وإثارة للتناقضات لتأبيد التسلط والاستبداد؛ وإن فرضه على التلاميذ الأبرياء لا يزيدهم إلاّ شعورا بالقماءة والاعتقال داخل مدرسة صارت سجنا كامل المعالم والأوصاف.