يعتبر الاحتجاج من أرقى الوسائل القانونية للتعبير عن الرأي في العالم، ووسيلة فعالة أسقطت أنظمة بأكملها، لكننا نجد أن للاحتجاج في الدول العربية والإسلامية تعريفات متعددة، من ضمنها “صدع راس”، وأحكاما متناقضة من ضمنها “حرام مطلق”، وألوانا مختلفة من ضمنها “30 شخصا يحاولون إسقاط النظام…!”.

وفي مغربنا الحبيب، وبالأمس القريب، كان الاحتجاج ينظر إليه نظرة استحقار كرسها المخزن وحاول ترويجها. لكن يخطئ من يظن أنه يستطيع إعادة الشعب إلى “زريبة” الطاعة للأبد، فقد تطورت وسائل التعبير عن الرأي واستنكار الوضع الراهن. وفي المقابل حاول النظام المخزني تلجيم الأصوات الحرة بسن قوانين جديدة تجرم التظاهر. ورغم هذا لم يفلح النظام في إخراس الشعب.

في 2011 وبعد انطلاق موجة الاحتجاجات، أو ما يسمى “بالربيع العربي”، ظهرت حركة 20 فبراير لتوحد أطياف مختلفة من الشعب المغربي تحت شعار واحد “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”، وقدمت هذه ما يمكن تقديمه. وما يحسب لها وللربيع العربي بصفة عامة هو أنها نمت في الشعب ثقافة الاحتجاج؛ فبعد 2011 صار الشعب المغربي يخرج بشكل مستمر للاحتجاج على الأوضاع المزرية “غلاء فواتير الماء والكهرباء، غلاء أثمنة المواد الغذائية، رداءة البنية التحتية…”، ولنا في هذه السنة ما يبشر بأن هذا الشعب الذي كان النظام يحاول إخراسه ما زال قادرا على أن يبعثر أوراق المخزن، وعلى أن يطالب بحقوقه العادلة والمشروعة…

بعد قرار وزير الصحة بتمرير قانون عقد شراكات بين القطاع الخاص والعام للصحة، وقانون الخدمة الإجبارية، تصدى الطلبة الأطباء لهذه القرارات بمقاطعتهم للدراسة رغم التهديدات بسنة بيضاء، وخاضوا مسيرات بأشكال مبدعة، أبهرت المراقبين.

وفي طنجة العالية بلغ السيل الزبى ضد شركة “أمانديس” بسبب غلاء فواتير الماء والكهرباء فخرج الشعب للاحتجاج بأشكال لافتة.

وفي المراكز الجهوية للتربية والتكوين رفض الطلبة المتدربون قرار فصل التكوين عن التوظيف وتقزيم منحتهم وانخرطوا في أشكالهم.

نرى من خلال هذه المعارك أن الأمر قد مس قطاعين مهمين جدا، قطاع الصحة، وقطاع التعليم، والنموذج الثالث له علاقة مباشرة بالشعب، وهو غلاء فواتير الماء والكهرباء.

الدروس المستفادة من هذه المعارك تتلخص في أربعة دروس كل منها له علاقة بنموذج من النماذج الثلاثة، والدرس والأخير جامع مانع:

الدرس الأول: الضغط يولد الانفجار، فالمساس بجيوب المواطنين مهما طال فإنه يولد موجة من الاحتجاجات، وهذا ما نلاحظه في مدينة طنجة.

الدرس الثاني: الخطوات الأخيرة في طريق التوظيف لا تعني ارتضاء القرارات الساعية للخوصصة، وهذا ما نراه في مراكز التربية والتكوين بعد رفض الطلبة قرار فصل التكوين عن التوظيف، وقرار خفض منح المتدربين.

الدرس الثالث: غياب العمل النقابي اليومي لا يعني غياب العمل النقابي نهائيا فحين تتوفر شروطه قد يظهر، وهذا ما نشهده في ما يجري في كليات الطب، فالشرط الذي أشعل فتيل النضال هو قرار وزير الصحة الذي يهدف إلى خصوصة قطاع الصحة.

الدرس الرابع: مخطئ من ظن أن الشعب لن يستيقظ يوما.