حكمة ورحمة

الصلاة أمرها علوي وشأنها عظيم، وهي الطاعة الوحيدة التي فرضت وشرعت من فوق سبع سماوات دون واسطة. هي أول ما يسأل عنه المرء يوم لقاء الله تعالى.

ومن حكمة الله تعالى البالغة ورحمته بخلقه أن كساها بحلل وجعلها وفق شكليات معينة ذات جمال وبهاء ليجذب النفوس إليها ويمتع الأجسام فيها قبل إمتاع القلوب. والنفوس جبلت في أول الخلق على التعلق بالمظاهر والأشكال، والنزر القليل من بني البشر فقط يصل إلى حقائق الأمور ومقاصدها.

الحكمة هي كون الصلاة وفق حركات وهيآت معينة ذات بعد جمالي رحمة بالإنسان الذي ينجذب إلى المظاهر الجميلة فينتهي به الأمر إلى الركوع السجود.

في المواقيت جمال وجلال

ولمواقيت الصلاة جمال وجلال، فصلاة الغداة أو الفجر يحس مؤديها لوقتها بجلال الله وعظمته، ويتذوق حلاوة، ويستشعر نورا، ويتنسم جمالا. ولا يجد هذا كله في غيرها من الصلوات. والصلوات الأربع الأخرى تنظم يوم المسلم وليلته فلا يكون أمره تسيبا وانسيابا مع الغافلين.

إن توقيت الطاعات عموما تنبيه للمسلم إلى حرمتها وقدسيتها؛ فالنفوس عادة تذهب إلى الدعة والعبث والتسيب في الأوقات وهذا لا يسوغ في أمر المسلم.

الجمال إحساس تتنسمه القلوب السليمة، والجلال استشعار عظمة الله عز وجل. وكلاهما يدرك بالصلاة وفيها. وقد جعلت قرة عين 1 النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها وراحته بها 2 .

في الهيآت والصفات

هيآت الصلاة وصفاتها مظاهر جمالية في طياتها حكم ورحمات؛ وقد بينا آنفا أن الحكمة استمالة النفوس التي تتأثر فطرة بالمظاهر والأشكال، وباعث ذلك رحمة الله جل وعلا بخلقه.

مظاهر الجمال في الصلاة تجسدها تلكم الحركات التي يقوم بها المصلي لله تعالى، من ركوع وقيام له وسجود، بأحرفه، وغير ذلك من الصفات المسنونة.

والجمال في هذا المقام ذو بعدين أساسيين؛ الأول يدركه المصلي لله تعالى نفسُه؛ من أحاسيس في جسمه ونفسه أثناء ذلك وعقبه، والثاني ينظره ويستمتع به الرائي، ألم تر تلك الجموع الغفيرة من المصلين لله؟ أليست لوحة جمالية بديعة. أليست تحقق متعة لناظرها وإن كان من الغافلين؟

وللصلاة مقاصد وأبعاد جمالية أخرى، نعرضها في لقاء آخر إن شاء الله.


[1] رواه النسائي وأحمد وغيرهما.\
[2] رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده.\