رأينا في الحلقة السابقة كيف أن السي عمر اتفق مع أحد الشباب للذهاب إلى زيارة العالم الذي أثنى عليه الشاب خيرا، الأستاذ عبد السلام ياسين، وذلك بعد أن تجلى له بوضوح عدم جدوى مكوثه مع مجموعة الشباب الطيبين الذين كان يجتمع بهم، والذين لم يستطيعوا أن يوفروا له، رغم صدقهم وإخلاصهم، إجابات مقنعة عن الأسئلة الحارقة التي كانت تقض مضجعه بالليل وتسلبه راحة البال بالنهار، فحرمته الإحساس بحلاوة العبادة التي لم يكن مقصرا في الاجتهاد فيها، وكأن عَلَمَ صوفية المغرب وساكن عَلَمِها 1 ، الشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش إنما عناه هو بقوله ومن دَلَّكَ على العمل فقد أتعبك) 2 . نعم لقد تعب من عمل لا يجد له في نفسه أثرا. وما لم يَبُحْ به عمر للشاب الذي اقترح عليه هذه الزيارة، هو أن ذهابه إليه لن يكون إلا على سبيل الاستطلاع والاختبار والتجريب، فإن حصل له بعض الاطمئنان، يستخير الله ويقرر في الأمر فيما بعد، وإن عزفت نفسه ولم يجد للمزور عنده قبولا، استمر مع المجموعة إلى أن يجعل الله له سبيلا.

وحان الموعد الذي ضرباه للقيا، وذهب الرجلان إلى سلا، إلى زنقة الخيزران، حيث بيت الأستاذ عبد السلام ياسين.

“سبحان الله! ما شاء الله!” هذا ما دار بخَلَدِ عمر وهو يرد السلام على الأستاذ ياسين، عندما خرج إليهما مسلما مبتسما ليراه لأول مرة: أي نور هذا الذي يطبع محيا هذا الرجل، وأي صفاء تنم عنه هذه الابتسامة النابعة من أعماق القلب!)

رحب الأستاذ بزائرَيْهِ، وتوجه بالسؤال إلى مُرافق عمر: من هذا الزائر الكريم الذي جئتنا به؟). وكان من عادة المرشد الإمام رحمه الله، إذا صَحِبْتَ معك لزيارته رجلا، أن يطلب منك التعريف به، حتى تُوَفِّيَهُ حقه من التعريف وتُبْرِزَ خصاله ومميزاته، وتُفْصِحَ عن موضوع الزيارة. فلا يُحرِجُ الوافدَ بسؤاله مباشرة، وقد يمنعه تواضعه من الكلام عن نفسه بما فيه الكفاية.

فأجاب المرافق: السي عمر عزيز، من الإخوان الذين كنت أجلس معهم، وهو بدوره لم يعد يرتاح الارتياح الكامل إلى مجالستهم، وجاءك لتحدثه عن مشروعك في الدعوة والعمل الجهادي التغييري).

فرح الإمام بضيفه، وازدادت أسارير وجهه انشراحا، وانطلق في الحديث معه، يلخص له مشروعه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا)، وكيف أنه مشروع يَتَغَيَّى الاتساء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهَجِهِ في التغيير والإصلاح. فهو صلى الله عليه وسلم، ركز على تغيير ما بنفوس أصحابه حتى يغير الله بهم ما بقومهم من وضلال إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 3 ، وكيف كانت صحبتهم لرسول الله ومحبتهم له منبع كل خير وباب كل فضل. ثم أشار إلى حديث شعب الإيمان 4 ، وكيف استقصى هذه الشعب وجعل منها محور تصوره للتحزب لله والعمل على نصرة دين الله، المنشور على صفحات مجلة “الجماعة” على امتداد أربعة أعداد تحت عنوان المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا).

توقف الإمام لحظة ثم استأنف الكلام مخاطبا السي عمر: استخر الله في أمر انضمامك إلينا، وإذا انضممت، فاعلم أننا في الجماعة لنا رجل في الدنيا ورجل في الآخرة)، ثم استطرد بالدارجة: أو نقول لك رجلينا بزوج (كلاهما) في الآخرة).

لم يتكلم الإمام المرشد رحمه الله – على عادته – طويلا، ولم تدم الزيارة في مجموعها أكثر من ربع ساعة، ولم يتكلم خلالها عمر إلا عندما يسأله الإمام فيجيب باقتضاب. ولم يطرح طيلة اللقاء ولو سؤالا واحدا، وهو الذي ما دفعه لزيارة الأستاذ ياسين إلا كثرة الأسئلة التي تشغله وتؤرقه كما أسلفنا. لكنه في طريق العودة إلى الرباط، صرح لصاحبه: لقد جئت بسيل من الأسئلة أريد أن أستوضحها مع الأستاذ ياسين، لم أطرح منها سؤالا، لكن سبحان الله! أي فراسة هذه! لقد أجابني عنها كلها، استقصاها دون أن أطرحها، وأخذ يجيبني عنها الواحد بعد الآخر). وطفق يمسح الدموع من مقلتيه.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الثانية: من أمزميز إلى الرباط

ولنعد إلى ما كنا فيه من حديث عن مجريات اللقاء الأول لعمر بالإمام ياسين.

فعندما انتهى الإمام من كلامه، انتظر تعقيب عمر وطرحه لتساؤلاته وتنبيهاته أو اعتراضاته وانتقاداته، كما كان يفعل كثير من الشباب – وحتى الأقل منهم شبابا – ممن كانوا يزورونه في تلك الفترة مناقشين معه ما كتب، معقبين وفي كثير من الأحيان مُعَلِّمين موجهين، فهو في تصورهم، طارئ على الدعوة وافد! بينما هم أساتذة مبرزون، يحملون تجربة سنوات من العمل ورصيدا من التحرك في السر -خاصة – وفي العلن، من أجل أن يحكم الإسلام وتعود إليه الريادة في التشريع والحكم والسياسة. ولما لم يعقب عمر ولم يسأل، بادره المرشد بالسؤال: كم تبلغ من العمر سيدي عمر)؟ فأجاب عمر أنه بلغ السابعة والأربعين. فوجئ الإمام بالجواب فعمر يبدو من ملامحه أصغر من ذلك بكثير، لكنه فرح بهذا الخبر، فالذي أمامه رجل، بالإضافة إلى ما يبدو على ملامحه من سيما الطيبوبة والصلاح، كَهْلٌ تجاوز خفة الشباب وعدم استقرارهم وتحقق بالرشد والرصانة والثبات. ثم إن أقرانه بالجماعة سنة 1982 قليل ولم يكونوا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.

ويزداد إعجاب الإمام بالزائر الكريم، عند جوابه على سؤاله الثاني:

– أخبرني مرافقك السي نجم الدين، بأنك من أطر السكك الحديدية، فما وظيفتك هناك؟

– أنا مسؤول عن وحدة التوثيق المركزية للمكتب الوطني للسكك الحديدية.

فتوجه الإمام إلى المرافق معلقا:

– كان ينقصنا خبير في التوثيق بالجماعة، وكم نحن بحاجة إليه وقد شرعنا في إصدار صحيفة أسبوعية 5 ، والأسبوعيات تستلزم توثيقا دقيقا ومنظما غاية التنظيم.

ثم التفت نحو عمر مجددا مخاطبا إياه:

– غدا مساء إن شاء الله، سيعقد الإخوان الكتبة المشرفون على الصحيفة اجتماعا هنا في البيت… ثم استطرد قائلا: هل قرأت عددها الأول؟

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة السادسة: عمر داخل بيته

– لا، ليس بعد.

– إذن يمدك نجم الدين بنسخة، تقرأها إن أسعفك الوقت الليلة وغدا، وتحضر معنا إذا أردت لقاء الغد لتدقيق محتويات العدد الثالث.

قد يتعجب القارئ من فعل الله في هذين الرجلين!

– فالأول يدعو رجلا راشدا “شارب عقله” كما نقول بلساننا الدارج، للانضمام إلى عمل جهادي قد يكلفه الابتلاء والمتابعات، في ربع ساعة!

– والثاني يستجيب ويقتنع ولا يتحرى ولا يناقش!

– ثم يُلحِقُ الأولُ الثانِيَ باجتماع الكتبة المحررين الذي سينعقد عشية الغد!

– ويقبل الثاني ويستجيب على الفور!

فما هذا في ميزان الحذق والسياسة والتدبير؟

– أهو استعجال وخفة وطيش من الأول؟

– وهل هو تهور واندفاع من الثاني؟

لا هذا ولا ذاك! وإنما هي للأول فراسة المؤمن الذي يرى بنور الله وفراسة المؤمن تكاد لا تخطئ، وإنها للثاني سيما الصالحين تظهر في الوجوه وقبول يقذفه الله في القلوب فتتعرف إلى بعضها.

وها هو الزمان، والزمان كشاف كما يقال، كشاف للعيوب ومبدٍ لما تنطوي عليه القلوب، يُثْبِتُ صدق المَوْقِفَيْن. هذا دون أن ننسى أن حديثنا في هذه الحلقات إنما هو عن الرجال، والرجال وصف قرآني له معناه ومدلوله، وقد لا يَفْهَمُ موقف الرجلين من ابتلي بمعاشرة أنصاف الرجال وأشباه الرجال، من ضعاف النفوس المتذبذبين أو من الأدعياء الخبثاء الماكرين، فليس عن هؤلاء كلامنا ولا مع أمثالهم تعاملنا.

وحان الموعد وحضر عمر. فقدمه الإمام المرشد للحاضرين، وطلب إليه أن يتكلم لهم عن قيمة التوثيق ومكانته في التدبير الحديث. وبعد عرضه المركز المختصر، طالب الجميع بالعمل على توفير قاعدة توثيق ليرجع إليها الجميع عند تحريرهم المقالات. وقد كان هذا في زمان لم يكن فيه للإنترنيت وجود، ولم يكن الوصول للمعلومة بالأمر الهين المتاح.

اشتغل عمر مع الفريق، في إعداد العدد الثالث للصحيفة.

وبينما هم منهمكون في التحضير، وعمر يعيش معهم أسبوعه الأول في الجماعة، بدأت طلائع اختبار اختيار عمر للانضمام إلى هذا الرجل وجماعته تظهر. فقد وصلهم خبر هجوم البوليس على المطبعة وسطوهم على العدد الثاني من صحيفة “الصبح” الذي كان قيد الطبع واقتحامهم بيوت بعض الإخوان لحجز ما تبقى من العدد الأول.

اجتمع الإخوان عشية المنع، ومعهم عمر، بالمرشد الإمام في بيته، والعيون – عيون المخابرات – محيطة به من كل جانب، فأخبرهم أن ما وقع لم يكن مفاجئا، فالمنع والتضييق قاعدة تعامل النظام مع الجماعة. مُنِعت مجلة “الجماعة” وصودرت أعدادها، وطيف على المكتبات يوقع أصحابها على الالتزام بعدم تداول كتب عبد السلام ياسين ومنشوراته من جرائد وأشرطة ومجلات، وهُدِّدَت المطابع وخُوِّف أصحابها… ولهذا، يقول الإمام رحمه الله، كنا أخذنا حذرنا من قبل، فاستصدرنا رخصة لإصدار صحيفة ثانية تحت عنوان “الخطاب”، اذخرناها ليوم تمنع فيه “الصبح”، وها هي الحاجة إلى إصدارها قد حلت.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الأخيرة: الوصية

لم يصرف الإخوة ما تبقى من اجتماعهم في التباكي على ظلم النظام وتعديه على حقوق الناس وحرياتهم، والتنديد بفعله الإجرامي غير المستند إلى حق أو قانون، وإنما انكبوا مباشرة على وضع أبواب الصحيفة الجديدة، وتحويل عدد من المقالات المعدة للعدد الثالث من الصبح لينشر على صفحاتها.

ولم تمض إلا أيام قليلة حتى اعتقل الإمام وحكمت عليه “عدالة” النظام بسنتين نافذتين، قضاهما في سجن “لعلو” الرهيب.

فما مرت جلسة من جلسات المحاكمة، مع ما كان فيها من ضرب وتكسير للعظام، وسب وشتم واعتقال ومبيت بمخافر الشرطة، وما من زيارة للإمام في سجن لعلو 6 وما يحصل فيها من جمع البطائق من طرف البوليس، واصطحاب الزائرين إلى مراكز الشرطة وإعداد الملفات لهم، ومضايقتهم عند الرجوع لمدنهم، إلا وكان عمر حاضرا مشاركا مبتلى مستجوَبا صابرا ثابتا محتسبا. هذا مع قصر مدة انتمائه ومحدودية ساعات لقائه ومجالسته للمرشد الإمام رحمه الله. لكن عمر كان فرحا مسرورا مزهوا. لقد حصل له اطمئنان القلب، وسكينة الروح، وشعر أن الله لم يرحه من معاناته مع أسئلته الوجودية لِمَا بعد أربعينيته فحسب، ولكن كذلك عوضه عما كان ضيعه من جهاد أيام مراهقته وشبابه. وإن يهيئ لك الله أعوانا على الحق تعيشه معهم وفي أحضانهم لمِمّا يذكرك بعيش الرعيل الأول، وهذه نعمة ما فوقها نعمة، ونِعْمَتِ النِّعْمَةُ هذه النعمة.

يتبع … الحلقة القادمة: بلاء عمر في الدعوة إلى لله


[1] جبل الَعَلم بشمال المغرب، حيث يوجد مقام الشيخ عبد السلام بن مشيش رحمه الله وأعلى مقامه.\
[2] جزء من المقولة التالية: “فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك”.\
[3] الرعد الآية 11.\
[4] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، شُعْبَةً، أَعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ”. أخرجه الإمام مسلم.\
[5] أسبوعية الصبح التي وئدت في مهدها، لما حجز عددها الثاني من المطبعة ومنع إصدارها، وحكم على مديرها الأستاذ ياسين بسنتين نافذتين قضاهما في سجن العلو الرهيب.\
[6] أقصد زيارة يوم السبت، أما زيارة يوم الأربعاء، فكان يغيب عنها عمر لوجوده في العمل. ولم يكن يسمح بزيارة الإمام خارج هذين اليومين.\