في سياق الملف الذي ينشره موقع الجماعة نت هذه الأيام، أجرى الموقع حوارا مع الأستاذ فؤاد المومني الفاعل الحقوقي والسياسي، وعضو اللجنة الوطنية لدعم المؤرخ المغربي المعطي منجب، حول قضية منجيب والتضييقات التي يتعرض لها ولفيف من الفاعلين الأكاديميين والإعلاميين والسياسيين والحقوقيين. فيما يلي نصه:

ما هو الوضع الصحي للمعطي منجب الآن، خاصة بعد مرور أزيد من أسبوعين عن إضرابه عن الطعام؟

إلى حدود الساعة الحادية العشرة اليوم (الحوار أجري يوم الخميس 22 أكتوبر الجاري) يكون المعطي منجب قد أمضى حوالي 17 يوما من الإضراب عن الطعام، هذه الوضعية تنذر بالخطر خصوصا لما يكون الإنسان في وضعية صحية هشة؛ فمنجب لديه صعوبات مرتبطة بالقلب والسكر وهو مضطر أن يتناول رغم إضرابه عن الطعام أدوية لضمان استقرار النقائص المرتبطة بمرضه وبالتالي فهو مهدد في أي لحظة، سجل المعطي إلى الآن حالتي إغماء وضعف كبير ذهب على إثرهما إلى المستعجلات، الأمور خرجت سليمة هذين المرتين ولكن لا شيء يؤشر على أن أي وعكة أو إغماء تقع له في الأمد القريب يمكن التحكم فيها. الآن يصحبه، بالإضافة إلى أصدقاء، ممرض مختص كي يراقب حالته عن كثب كي يتمكن من إجراء الإسعافات الأولية ويطلب المساعدة في حالة الضرورة.

متمنياتنا بالصحة والعافية للأستاذ منجب، فيما يخص طبيعة الملف؛ وزارة الداخلية تقول بأن الأستاذ منجب متابع بسبب اختلالات مالية أثناء إشرافه على تدبير مركز ابن رشد، ماذا تقولون في هذا الاتهام؟

كأي مواطن المعطي منجب قابل للمساءلة أمام القضاء، ولو أننا أمام حالة عادية لما طرح أحد السؤال، يكون المشكل عندما نرى التدرج الذي وقع في هذه القضية. في حالة المعطي منجب وصل الكلام عن الاختلالات بعدما سبقه كلام عن المس بأمن الدولة يوم 31 غشت، وتبعثه عبارات مرتبطة بزعزعة ولاء المواطنين لمؤسسة الدولة وخدمة أجندات أجنبية عبر تلقي أموال منها وتوزيعها، وهذه تهم سياسية وخطيرة. ثم بعدها تنزل الأمور إلى مستوى الاختلالات، وهي كلمة تستعمل في محاسبة المقاولات على أدنى إجراء لم تحترم فيه المساطر المفترضة نظريا، فالمراقبة المالية للمقاولات التي تخضع لها سنويا لا تذهب إلى جرد كافة الاختلالات أمام التقارير المرفوعة إلى المجالس الإدارية؛ مثلا إذا اشتريت “حزمة الوراق” ب30 درهما وأخذتها من عند مقاولة لم تعطك فاتورة مضبوطة في رقم السجل التجاري.. إلى آخره، هذا يمكن اعتباره اختلالا، وإن توفرت على فاتورة من المحل. لذلك فنحن نستغرب استغرابا شديدا جدا أن مجرد اختلالات -إن وُجدت- تؤدي إلى قضية يمنع فيها الشخص من مغادرة التراب الوطني ويقال أنه يتم البحث عنه فبالتالي نضطر أن نقفل عليه حدود الوطن. ثم إن قضية الاختلالات في مقاولات تجارية تهم مالكي المقاولة، إن كانت هذه الاختلالات ذات طابع تجاري فقد تهم الجهات المرتبطة ماليا، والجهة الوحيدة التي رأينا تقاريرها هي الجهات المانحة للجمعيات المرتبطة بأنشطة هذا المركز والتي أعطت شهادات حسن السيرة والسلوك والتي تقول أنها لم تر إلا الخير في تعاملها مع مركز ابن رشد، وأن المعاملات معه تتم على أحسن وجه بما فيه أوجه الصرف المالي.

في هذا السياق، قلتم في الندوة الصحفية، التي نظمتها اللجنة الوطنية لدعم المؤرخ المغربي المعطي منجب يوم الجمعة 16 أكتوبر، بأن التضييق على المعطي منجب ومنعه من السفر له خلفيات سياسية واضحة، على ماذا استندتم أستاذ في هذا القول؟

العناصر التي قدمتها بين أيديكم الآن أعتبرها من المؤشرات؛ ذلك أن ضرب الطوق على مواطن باعتبار اختلالات التبذير المالي لمقاولة والذي هو أحد مالكي رأسمالها وليس هو مسيرها، هذا لوحده مؤشر قوي جدا ولكن هناك مؤشرات أخرى مهمة هي:

أولا: الضغوط المباشرة للدولة عبر الاستنطاق من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، هذه الفرقة تاريخيا مختصة في قضايا سياسية وهي الفرقة التي كانت تستعمل درب مولاي الشريف وبعض المراكز الأخرى كمركز رئيسي للاستنطاق وتعذيب المعارضين.

ثانيا: الحملة الإعلامية الممنهجة والمدبرة والموحدة والشنيعة التي خاضتها كل المنابر المشبوهة المشهورة بارتباطها بالمخابرات هذا كذلك من المؤشرات..

وأخيرا وأساسا: ما يتعرض له المعطي منجب لا يتعرض له كشخص، فهم يقولون أنهم يحققون معه وربما تقع متابعة ولكن هذا وقع بعدما رفضت الدولة أن تعطي أصول إيداع جمعية الحرية الآن التي يترأسها، بعدما أعطتنا الدولة مبررات خطيرة على أن موظفيها رفضوا تلقي الملف حين وضع في بلاغ رسمي بأن فيها أناس كانوا من قبل متابعين بالإرهاب أو من سبق خلعه البيعة للملك محمد السادس، يعني أن المسطرة تعطي لنفسها صلاحية نزع الحقوق المدنية على مواطنين كانوا متابعين بدون مقاضاة، هذا لا يقع فقط لمركز ابن رشد و”فريدوم ناو” بل أيضا لجمعيات أخرى مرتبطة معهم وأنشطة مرتبطة بهذا الفضاء وموجهة بشكل رئيسي للصحفيين وقضايا التحقيق الصحفي الذين تعرضوا للمنع الممنهج، وبشكل خاص منذ الندوة التي نظمها مركز ابن رشد يوم 6 أبريل 2014 حول الحوار الإسلامي التقدمي وقضايا الديمقراطية.

لا يستساغ إذن أن لا نسمي هذه قضية سياسية، فعندما نرى بأن مقاولة صغرى يدقق في حساباتها بالشكل الذي يدعونه في الوقت الذي إن حققنا فيه في القضايا السياسية الجمعوية والمالية نجد أن هناك قضايا كثيرة، حين نسمع بأن الجمعية التي تنظم موازين كانت تتلقى الملايير أو ربما عشرات ملايير السنتيمات وتسرقها والتي من الطبيعي جدا أن تكون عليها تساؤلات وتتلقى جزءا منها إما المؤسسات العمومية أو من مؤسسات خصوصية ذات الارتباط وأحيانا تابعة للدولة فهذه لا تتعرض للمساءلة، والجمعية التي نظمت السنة الفارطة منتدى حقوق الإنسان في مراكش والتي هي الأخرى أنفقت عليها الدولة مئات الملايير من الدراهم هي كذلك لم نسمع أنها تعرضت للمحاسبة. أنا هنا لا أقول بأنه يجب أن ألا تكون المحاسبة، ولكن نستنكر أن يكون هناك منطق ومقاييس تصرف فقط للهجوم وللتضييق ولإيجاد مبررات للتضييق على مواطنين نزهاء في الوقت مواطن الخلل الواضحة مسكوت عنها.

يلاحظ بأن العديد من المناضلين والإعلاميين والحقوقيين والأكاديميين تعرضوا في السنوات الأخيرة لتضييقات تراوحت بين التشويه الإعلامي والأخلاقي والتضييق على الحريات والحكم بالسجن، وطبعا هذه الشريحة من المثقفين لا تروق آراؤها السلطة، كيف تقرؤون تعامل السلطة مع جزء من نخبة الوطن لها تقديراتها واقتراحاتها والتي لا تروق نظام الحكم؟

أظن بأن الدولة المغربية قررت منذ سقوط جدار برلين أن تستثمر صورة الانفتاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، هذه الصورة تأتي ثمارا وأرباح مهمة ولكن المغربيات والمغاربة بدأوا يخرجون قبل هذه المرحلة والنضال ضد التضييق المطلق وضد القمع المطلق، ومن حالة الخوف المحبط وأصبحوا قادرين أن يدلوا بصوتهم، هنا تصل استراتيجية الاستفادة من ريع حقوق الإنسان وهذه الكلفة هي أنها لا يستقيم الاستبداد مع حقوق الإنسان والديمقراطية.

يقول الناس إذن جميل، ما دمت تدعون بأنكم اصبحتم ديمقراطيين فتعالوا نتحاسب مع الجميع ونقول بأن كل من يمارس السلطة يصبح خاضعا للمساءلة والمحاسبة والعقاب هنا طبعا لمربط الفرس في النظام السياسي المغربي وهو التسلط الملكي الذي لا يتحمل هذا التناقض “أنا باغي نكون ديمقراطي ولكن ما تسمحوش أنني مايمكنليش نكون ديمقراطي”، في نهاية المطاف هذا التناقض يصل إلى درجة إما أن تقدم الدولة تنازلات حقيقية وتنتقل إلى الديمقراطية وإما تضطر أن تلجأ إلى الأساليب القمعية البئيسة والقديمة وتعري عن عدم قدرتها على مواجهة الخطاب الديمقراطي بأساليب قمعية.

كيف يمكن لهؤلاء الأفراد الصمود في مواجهة جبروت السلطة المخزنية وآلياتها الإكراهية المتعددة، ومواصلة أداء أدوارهم التحريرية والنضالية؟

أظن بأن قوة التجبر تأتي بالأساس من ضعف الفاعلين المرتبطين بالنضال من أجل الديمقراطية وسيادة حكم الشعب، وأظن بأن هذا الضعف نابع من أن غلبة من المواطنات والمواطنين الذين لديهم طموح لتحقيق المواطنة وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان يتخوفون من الأطراف التي تواجه التسلط راهنا من أن تبني هي الأخرى تسلطا جديدا بطريقتها أو أن يشكل برنامجها خطرا على الانتقال الآمن والسليم من التسلط إلى الديمقراطية، وهذا ما يطرح على مجموع القوى الناشدة للديمقراطية أن توضح خطابها وتبلور مشروع برنامج صريح وواضح وقادر على أن يحصل على مصادقة أغلبية المواطنات والمواطنين. وأظن أن التضييق الحاصل ضد المعطي منجيب لأنه أراد أن يلعب دورا متميزا في هذا الاتجاه.