استجابة لواجب النصرة ولنداء الإنسانية الذي تبثه في كل لحظة صرخات الشعب الفلسطيني المكلوم خلال انتفاضته الثالثة المباركة، انتظمت بالأمس (25 أكتوبر 2015) بمدينة البيضاء عدة هيئات دعوية وسياسية في مسيرة حاشدة حج إليها المتظاهرون من كل ربوع الوطن الحبيب، أمواج بشرية متراصة الصفوف موحدة الشعارات في شكل يعبر عن رقي جماهير الشعب المغربي في نضالاته وولائه التام للقضية الفلسطينية.

كان لا بد بعد إنجاز نضالي تاريخي كهذا أن نستنبط الدروس ونقرأ الرسائل التي بعثتها شوارع البيضاء للداخل والخارج. والتي كان أبرزها على المستوى الخارجي، أن القضية الفلسطينية تشكل إجماعا وطنيا، وأن الخلافات السياسية والإيديولوجية واختلاف المواقع داخل رقعة المشهد السياسي المغربي تتلاشى إذا كان الأمر يتعلق بفلسطين، هذا الإجماع الذي افتقدناه للأسف في قضيتي مصر وسوريا لحسابات سياسية وأيدولوجية ضيقة لأطراف لم تراع حق الإنسانية في مقابل ولائها التاريخي لأنظمة تقاسمها نفس الشعارات ونفس الخطاب الأيديولوجي.

أما على المستوى الداخلي، فقد أرسلت جماهير البيضاء بالأمس رسالة واضحة غير مشفرة إلى المؤسسات الرسمية تتنكر من خلالها لسياسة اللامبالاة التي تنهجها تجاه أولى القبيلتين وثالث الحرمين. كما عبرت على أن الموقف الحقيقي الذي ينبغي أن تتبناه المؤسسات الدبلوماسية والخارجية المغربية وكذا الإعلام الرسمي هو موقف الشعب المغربي المساند للمقاومة والرافض لأي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني أو مع الأنظمة الانقلابية القائمة على مصالحه.

ومن الدروس بل من أهم الدروس التي تلقتها المكونات السياسية والإطارات الداعمة لقضايا الشعوب أن مبدأي التشاركية والانفتاح على الآخر هما سبيلا النجاح الفعلي والحقيقي لكل أشكالنا النضالية، وبالتالي هو أقوى نصرة نقدمها للقضية، إذ إن النجاح النضالي حقيقة لا يتأتى فقط بالكم العددي بل بتنوع المكونات السياسية والحقوقية والنقابية المساهمة فيه، وهذا ما يعبر فعلا عن إجماع وطني تجاه القضية الفلسطينية، أما منطق إلغاء الآخر وتجاوزه أو محاولة احتوائه باسم الإطار الوحيد والشرعية النضالية التاريخية، فلا يعدو أن يكون صبيانية تكرس منطق التشرذم وتفسح المجال للاستبداد خادم الصهيونية أن يدخل على الخط، ويؤثر سلبا على فعلنا النضالي وبالتالي يصير المخزن هو الحاسم في مسألة التنسيقات الوطنية، يأذن بها تارة ويمنعها أخرى ويحدد لها الصيغ والأشكال التي من خلالها يصفي حساباته مع المغضوب عليهم، ويواصل حصارهم والتضييق عليهم، وهنا تصير الإطارات الإقصائية باسم الشرعية التاريخية خادمة للاستبداد الابن الغير الشرعي للإمبريالية العالمية.

ومن أبلغ الدروس التي لاحت اليوم خفاقة فوق مسيرة البيضاء أن القواعد الحزبية ومعها عموم الشعب المغربي ليست في حاجة الى استنفار من القيادات واللجان المركزية حتى تهب لنصرة الأقصى الشريف، بل يكفي أن تتحمل المكونات السياسية بفرع ما مسؤوليتها وتتنظم في تنسيقية سمتها الانفتاح والتشاركية حتى تجد عموم الجماهير المغربية تهب من مختلف المدن لتنخرط معها في شكلها النضالي، وهذا ما فعلته بالأمس المكونات السياسية بالبيضاء التي استطاعت أن تنتزع بحق قرار التنسيق الوطني من المركز لصالح الفرع في خطوة يصلح أن نسميها لامركزية القرار النضالي، وفي هذا دعوة لكل الفروع أن تذيب جليد الفرقة في ما بين مكوناتها وتبادر إلى تشكيل تنسيقيات بروح ميثاقية تفتح أبوابها لكل أبناء هذا الشعب ولكل مكوناته السياسية بعيدا عن تحكم المخزن وتجاوزا لكل خطوطه الحمراء الفاصلة بين مكونات هذا الوطن الحبيب دفعا له في سبيل الحرية والانعتاق.