سلسلة طويلة من الانتهاكات الحقوقية طالت، وما تزال، إعلاميين ومفكرين وسياسيين معارضين مغاربة، ذنبهم أنهم، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، يرفضون أن يكونوا دمى في أيدي السلطة، وأن ذمتهم ترفض السكوت عن إبداء الرأي والصدع بكلمة الحق. حقيقة لم تفلح في تغطيتها الشعارات المرفوعة على إيقاعات وأنغام الجوقة المطبلة لما سمي بـ”العهد الجديد”، الذي تجدد فيه قمع الرأي المخالف لمذهب السلطة، الفاضح للفساد والاستبداد ولرموزهما.

وليس ما يتعرض له الناشط السياسي والحقوقي المعطي منجب هذه الأيام سوى حلقة واحدة من حلقات سلسلة التضييق التي تخنق الأصوات الحرة والآراء المستقلة بذاتها عن فلك السلطة. وهو ما سيعمل موقع الجماعة نت على الوقوف عنده وتسليط الضوء على بعض تفاصيله وقضاياه من خلال ملف خاص يتضمن حوارات وتحليلات وأخبارا تكشف قمع السلطة لأصحاب الرأي الحر في المغرب.

ولعله من المفيد هنا أن نستحضر نماذج من هذه الأصوات، راعينا جدة ملفاتها من جهة، وإلا فتاريخ المغرب السياسي مليء بالقمع، واستحضرنا تنوع وتعدد مشارب أصحابها من جهة ثانية، واعتبرناها نماذج ليس إلا من جهة ثالثة.

نادية ياسين

فبتهمة إهانة المقدسات والإخلال بالنظام العام) تُوبعت الأستاذة ندية ياسين بعد تصريحات أدلت بها في حديث نشرته “الأسبوعية الجديدة” في عددها لـ30 من شهر يونيو 2005، عبرت فيه عن رأيها بخصوص طبيعة نظام الحكم الأصلح للمغرب.

وبالموازاة مع هذه المحاكمة التي تعرف إلى حدود الساعة سلسلة طويلة من التأجيلات، انتصبت جوقة إعلامية وسياسية تدور في فلك السلطة لشن هجوم ناري على صاحبة الرأي اعتبر تصريحاتها مجرد مزايدة سياسية تبحث لها عن موقع قدم تحت الشمس بما لا تخدم المصالح العليا للوطن، وتستغل فضاء الحريات المبالغ فيه داخل المغرب لفك العزلة عن جماعتها المحاصرة)!!

وما يزال ملف السيدة ندية مفتوحا أمام المحكمة، يتأجل المرة تلو المرة دون أن تغلقه السلطة أو تنهيه.

علي أنوزلا

نموذج آخر للتضييق على الكلمة الحرة هو ما تعرض له الإعلامي علي أنوزلا، مدير موقع “لكم 2” حاليا، الذي عُرف بكتاباته النقدية تجاه الواقع السياسي المغربي ومظاهر الاستبداد والفساد فيه.

فقد قامت السلطات المغربية، صباح الثلاثاء 17 شتنبر 2013، باعتقال أنوزلا، مدير موقع “لكم” إذ ذاك، من شقته بالعاصمة الرباط، على إثر نشر موقعه الإلكتروني شريطا منسوبا لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، قالت النيابة إنه تضمن دعوة صريحة وتحريض مباشر على ارتكاب أفعال إرهابية بالمملكة المغربية). كما قامت السلطات بحجز أجهزة الكومبيوتر الموجودة في مقر الموقع. وبعد شهر من الاعتقال وافق قاضي التحقيق المكلف بجرائم الإرهاب في محكمة الاستئناف بمدينة سلا على طلب إطلاق السراح المؤقت لأنوزلا.

بزيز

ويطال التضييق بسبب الرأي الفنان أحمد السنوسي (بزيز) الذي اتخذ من الفن وسيلة للتعبير عن رأيه فيما يعيشه البلد من أزمات ويكابده الشعب من ضغط الفساد والاستبداد. وقد جر عليه آخر عروضه “أبو نهب” تهديدات حادة وصلت حد التصفية الجسدية من مجهولين عبر هاتفه الشخصي بحيث لم يعد مطمئنا على نفسه وعلى عائلته

وعلى الرغم من كل هذه التهديدات يظل السنوسي مصرا على ألا يثنيه ذلك عن مواقفه، ويعتبر أن هذا اختيار لا رجعة فيه مهما كلفنه ذلك من ثمن).

ولم يقف الأمر عند حد التهديدات الهاتفية بل تعداه، إلى التربص بمحيط منزله لتقصي أخباره من طرف “مجهولين”، بعد عودته من أوروبا حيث قدم “أبو نهب”. هذا بعد أن كان قد تلقى التهديدات نفسها إبان حراك 20 فبراير بهدف الحد من دفق المد الجماهيري الذي كانت إبداعات الرجل تزيدها قوة.

أحمد بن الصديق

أما المهندس أحمد بن الصديق، فلم تكن الرسائل والتصريحات التي نشرها منذ 2008 بما تضمنته معطيات تكشف مظاهر الفساد في “حامة مولاي يعقوب” التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، وتتعلق بمسؤولين في مستويات متقدمة من القرار كافية لفتح الملفات التي أثارها وكانت تستحق من المعنيين بالأمر إيلاءها ما تستحق من اهتمام مسؤول، بل تم التعامل معها بلامبالاة وصمت وتنصل من المسؤولية، ووُوجِه بتعتيم إعلامي كبير. وبعد نشره لرسالة موجهة إلى القصر، تقرر عزله من جميع المناصب التي كان يشغلها في الشركات التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، بعدما وجهت له تهمة إهانة الملك وعدم احترامه).

علي المرابط

أما الصحفي علي المرابط، “Demain online”، فإن قضيته تعتبر سابقة في تاريخ الصحافة في هذا البلد، فقد منع بسبب رأيه من ممارسة الصحافة لمدة عشر سنوات، وبعد انقضاء مدة منعه عادت السلطات المغربية من جديد للتضييق عليه، بحرمانه من حق بسيط: “شهادة السكنى” لتجديد بطاقته الوطنية وجواز سفره. ثم ما لبث من يهمهم الأمر حتى حركوا حملة إعلامية مسعورة ضده، وهو ما دفعه إلى خوض عدد من الأشكال الاحتجاجية، آخرها دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام ابتداء من 24 يونيو 2015 أمام مقر الأمم المتحدة بجنيف.

مصطفى الحسناوي

في يوم 16 ماي 2013م، تم استدعاء الصحفي مصطفى الحسناوي من قبل الشرطة القضائية بالدار البيضاء. حيث تم احتجازه ووجهت إليه تهمتا تكوين عصابة إرهابية وعدم التبليغ عن إرهابيين)، بعد ذهابه إلى تركيا من أجل إنجاز تحقيق داخل مخيمات اللاجئين السوريين.

وبعد عام من اعتقاله دخل الحسناوي في إضراب لا محدود عن الطعام ابتداء من يوم الجمعة 16 ماي 2014، وهو اليوم الذي صادف مرور سنة على اعتقاله من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء، مما جر عليه مجموعة من الإجراءات التعسفية في حقه، ومنها إصرار إدارة السجن على حرمانه من كتبه ودفاتره وبعض لوازمه ومن حقه في الصحة وزيارة الطبيب.

ولا يزال الحسناوي يقبع خلف القضبان دليلا على إصرار السلطة على كتم أنفاس أصحاب الرأي في هذا البلد.

منير ركراكي

وليس عجبا، لا في رجب ولا في غير رجب، أن يحاكم الشاعر الأستاذ منير ركراكي بسبب قصيدته الشعرية عجب في رجب) والتي نظمها تضامنا مع مختطفي فاس السبعة، الذين اختطفوا شهر يونيو 2010 من قبل الأجهزة الأمنية بالفرقة الوطنية وتعرضوا للتعذيب.

ففي خطوة مخزنية تصعيدية قرر وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بفاس إحالة الأستاذ منير ركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، على المحاكمة في 13 دجنبر 2010، وذلك بعد أن تقدم محامي بشكاية ضد ركراكي يتهمه فيها بالسب والقذف على خلفية قصيدته “عجب في رجب”. وقضت المحكمة الابتدائية بفاس في حقه بشهر موقوف التنفيذ وغرامة قدرها 10.000 درهم وتعويض قدره 50.000 درهم. ثم قضت الغرفة الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية بفاس، في 5 فبراير 2015، بتأييد الحكم الابتدائي في ملف الشاعر منير، والقاضي بأداء 60000 درهم غرامة وتعويضا للمشتكي.

هشام المنصوري

وإلى من سبق من أصحاب الرأي، يضاف هشام المنصوري، الناشط بالجمعية المغربية لصحافة التحقيق، الذي اعتقل في 17 مارس 2015 والذي أصدرت في حقه المحكمة الابتدائية بالرباط في 30 مارس 2015 حكما بالسجن النافذ 10 أشهر إضافة إلى غرامة مالية قدرها 40 ألف درهم، بتهمة الخيانة الزوجية) وتهمة إعداد وكر للدعارة)، التي فندها حارس العمارة وجيرانه الذين وقعوا عريضة ينفون فيها هذه التهمة، وهو ما يؤكد الدوافع السياسية للمحاكمة في سياق الانتقام المخزني الذي تمارسه الأجهزة الرسمية في حق المدافعين عن حقوق الإنسان والنقابيين والنشطاء السياسيين.

رشيد غلام

ويعتبر الفنان الكبير رشيد غلام، نموذجا آخر للتضييق المخزني بسبب الانتماء إلى جماعة العدل والإحسان ولاختياراته الفنية ومواقفه السياسية الجريئة، حيث بدأت سلسلة محنته مع المخزن بعد أحداث 16ماي 2003 حيث تم اعتقاله صحبة 60 عضوا من مجلس النصيحة بسيدي البرنوصي بالبيضاء، واستدعي عدة مرات من طرف الأمن الوطني بالبرنوصي والمعاريف لاستفساره حول المجالس التي كان يعقدها وحول أسفاره خارج الوطن وأنشطته الفنية داخل الوطن وخارجه، ليتم منع عشرات الأنشطة الفنية والسهرات الغنائية التي كان ينظمها في المسارح والمركبات الثقافية.

وكان الحدث الأبرز في سلسلة التضييق المخزني تجاهه اختطافه بتاريخ 25/03/2007 وتعريضه للتعذيب والتهديد والمساومة، ليتم تلفيق تهمة لاأخلاقية له ومحاكمته محاكمة سياسية بامتياز، ليحصحص الحق وتتم تبرئته مما نسب إليه ظلما وزورا بعد أن أصدرت محكمة الاستئناف بالجديدة، في 27 أبريل 2011، قرارا يقضي ببراءته.

ويتعرض الفنان غلام منذ ذلك الوقت لإقصاء ممنهج وتضييق مستمر يمنعه من حقه في الفضاء والإعلام العموميين داخل الوطن، في الوقت الذي تفتح أكبر المحافل الفنية الدولية أبوابها له.

المعطي منجيب

وبعد سلسلة قرارات المنع التي اتخذتها السلطات تجاه اللقاءات والأنشطة المدنية التي كان مركز ابن رشد للدراسات والتواصل يستعد لتنظيمها، والمضايقات والضغوط والمراقبة اللصيقة التي بلغت حد المطاردة بالسيارات التي مارستها السلطات في حق أعضاء المركز والمتعاونين معه وضيوفه الأجانب، والاعتداء الذي قام به مجهولون يوم 24 شتنبر 2014 ضد أحد المتعاونين معه أثناء قيامه بمهامه، قرر هذا المركز الذي يرأسه الدكتور المعطي منجيب، وضع حد لأنشطته ابتداء من نهاية عام 2014 تمهيدا لحله بشكل نهائي في أجل 31 يناير 2015.

وبعد سلسلة من التضييقات، سيتم منع منجيب من السفر خارج البلاد بدعوى متابعته في “قضية تتعلق باختلالات مالية” بـ”مركز ابن رشد”، في الوقت الذي أوضح فيه أن التهم التي وجهت له، خلال استنطاقه من طرف الشرطة القضائية، هي تهم سياسية بالدرجة الأولى، مما يظهر حقيقة الدوافع الكامنة وراء الستار.

وجدير بالذكر أن منجيب يخوض بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان منذ منتصف شتنبر 2015 إضرابا مفتوحا عن الطعام ، احتجاجا على منعه من السفر وعلى الحملة الإعلامية التشهيرية ضده.

حميد المهدوي

وإلى الملفات السابقة، خاصة في الجسم الصحفي، ينضاف ملف الزميل حميد المهداوي، مدير تحرير موقع بديل، الذي تعرض وما يزال لسلسلة مستمرة من التضييقات وذلك بسبب طبيعة الخط التحريري لبديل الذي لا يعجب السلطة.

ويتابع الزميل المهدوي في مجموعة من الملفات والقضايا، جعلت النقابة الوطنية للصحافة المغربية تسجل في بيان لها العدد الكبير من الشكايات المباشرة التي وجهت للقضاء ضد مدير الموقع الإخباري “بديل” وهي رزمة من القضايا التي رفعت دفعة واحدة في مناطق مختلفة من أنحاء البلاد). وتوبع المهداوي على خلفية طريقة تعاطي موقع “بديل” مع قضية شاب الحسيمة كريم لشقر، الذي مات داخل مخفر للشرطة، ونقل الموقع على لسان شخصيات مغربية معروفة قوهم أنه قتل، في وقت قالت رواية السلطة أنه توفي نتيجة تناوله لممنوعات وتأثره بجروح ناجمة عن سقوطه من منحدر. وحكمت في حقه بأربعة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة قدرها 10 ملايين سنتيم.

كما أدين بتهمة نشر أخبار زائفة بنية سيئة لزعزعة الأمن العام)، بعد شكاية تقدم بها والي جهة مكناس تافيلالت، وهي القضية التي أدين فيها بغرامة مالية قدرها 3 ملايين سنتيم، مع توقيف الموقع لثلاثة أشهر.

المرواني وحزب الأمة

وما يسري على الأفراد في هذا البلد السعيد، يسري على الجماعات؛ فما كاد حزب الأمة يعقد مؤتمره التأسيسي قبيل الانتخابات التشريعية لعام 2007 حتى رفع وزير الداخلية دعوى قضائية ضده. ولم يشفع للحزب أن يقدم مؤسسه محمد المرواني أمام هيئة المحكمة الادارية بالرباط ملف الحزب كاملا، ولا المحامون ورجال القانون الذي ساندوه أمام المحكمة الإدارية، ليكشف المظهر الديمقراطي للمغرب عن مصير كل من تسول له نفسه الاستقلال عن بقراره ومشروعه السياسي عن الدولة.

ولعل الاعتقال التعسفي الذي تعرض له الأمين العام للحزب في فبراير 2008 م في الوقت الذي كان فيه الحزب يخلد الذكرى السنوية الأولى للإعلان عن تأسيسه (19 فبراير2007) جاء في سياق منع هذا الحزب من حقه في الوجود، وفي هذه السلسلة الطويلة من المنع الذي يطال الأصوات والمنابر الحرة في البلد.

أخيرا وليس آخرا

هذه عينة، ليس إلا، من نماذج تفضح ما تجده الأصوات الحرة من ظلم المخزن وعتوه في السنوات الأخيرة ولا تزال، وإلا فإن اللائحة طويلة ممتدة على مدى “العهد القديم”، ومتجددة متصاعدة على مدى “العهد الجديد”، الذي لا تخفي حقيقتَه مساحيقُ الإعلام الزائف، ولا يعلو صوت صرير أقلامه المأجورة على نبرة الأصوات الحرة، التي تظل وفية لمبادئها، رافضة الانبطاح بين يدي الفساد والاستبداد على حساب كرامة الشعب.