أشرت في نهاية الحلقة السابقة إلى انتقال السي عمر إلى الرباط، ووعدتكم أن أحدثكم في هذه الحلقة عن مُقامه بهذه الحاضرة. وها أنذا بحمد الله أفعل، فعن مُقامه بالرباط سيكون حديثنا ليس في هذه الحلقة فحسب، وإنما في باقي الحلقات المخصصة لهذا الراحل العزيز عمر عزيز. واللهَ أسأل التوفيق والسداد وشرح صدري وتيسير أمري وحل عقدة لساني وما يخطه قلمي، حتى يفقه القارئون قولي فيخصوا من أكتب عن سيرته بدعوات يرفعه الله بها لمقام من ارتضى من العباد، محمد نبي الرحمة والآل الأطهار والصحابة الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى أن يقوم لربهم الأشهاد.

فما إن استقر السي عمر في عمله وتزوج وأنجب، حتى عادت إليه أحاديث النفس تتقوى يوما بعد يوم، ترهقه بأسئلتها الوجودية الحارقة. ها أنت كنت بالأمس القريب طفلا يافعا فتحولت فتى جلدا ثم شابا قويا فكهلا راشدا، ثم ماذا بعد؟…! وما أعددت لهذا البَعْدِ؟!!

وكان يحدث نفسه: إن نعم المولى علي لا تنقطع وحفظه لا يخطئني في أي وقت أو حين. أَطْعَمُ وغيري جائع، أملك بيتا يأويني وغيري يبيت في العراء لا سقف يظله ولا مِهاد يفترشه، لي زوج تسعدني وذرية تقر بها عيني وغيري لا أهل له ولا مال. وكثيرا ما كان يهجم على فكره حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”، فيقول: ها أنذا حزت الدنيا بحذافيرها، وأَكْرِمْ بالنعيم الذي أنا فيه، لكن ربي سائلي عنه بعد الممات ولتسألن يومئذ عن النعيم، فما عساني أن أقول، وكيف أجيب، وبم أتذرع؟ يا ويلي من تلك اللحظة، لحظة السؤال والحساب، الفائز فيها من زحزح عن النار وأدخل الجنة؛ فما سبيلي إلى الفوز وما طريقي إلى النجاة؟!!!.

وتعود به الذاكرة -وكأن التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه اليوم بأمس- إلى تساؤلات أيام أمزميز حول جهاد المستعمر وبذل الوسع والنفس كليهما في ذلك.

ويُقبل عمر على العبادة الفردية وقراءة الكتب الدينية، فما أن أنهى كِتابَيْ النووي: الرياض والأذكار، حتى شرع في قراءة كتب ابن القيم، ومنها مر إلى إحياء الغزالي، فظلال سيد قطب، وغير ذلك كثير. وكلما قرأ كتابا اجتهد لتطبيق ما فيه وأقبل على الاجتهاد في العبادة، فعفا عن ذقنه ولزم الصلوات في المسجد واشتغل بقراءة القرآن. لكن ومع ذلك تعَجَّبَ من نفسه لا تزيده قراءة الكتب إلا تحيرا وتيها: مالي أقبل على العبادة ولا أجد لها حلاوة؟ هذا العمل أُجهِد نفسي لآتيه، فأين الإخلاص فيه؟ ومالي لا أرى السكينة والطمأنينة تتبعه، وربنا عز وجل يقول: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب؟ كيف أعمل لأقوم بواجبي تجاه إسلامي، وأين أنا من صحابة رسول الله رضي الله عنهم، وما كانوا يفعلون؟ !!! كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، أشداء على الكفار رحماء بينهم، حتى نالوا الخيرية على كل القرون، شهد لهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانوا -رضي الله عنهم وأرضاهم- ما أن ينتهوا من جهاد إلا ويدخلون في جهاد أخر، فإذا عادوا -من لم يُستَشْهَدْ منهم- إلى أهليهم وذويهم، انخرطوا في الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى والشيطان، فما ترى منهم إلا الصوام القوام القارئ للقرآن المنفق ماله ابتغاء وجه الله ورضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال قائلهم: لولا ثلاث ما أحببت المُقام في هذه الدنيا: مكابدة السّاعات (يعني في قيام الليل)، وصوم الهواجر (في حرّ الصيف)، ومخالطة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي الآكل أطايب الثمر) وقال آخر: لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقيناً)!

وبينما هو منشطر ما بين اجتهاداته وتساؤلاته، عرف المغرب سنة 1973 جفافا شبه عام، إذ احتبس المطر فيبس الزرع وجف الضرع وغارت مياه الآبار وشحت العيون فلم تعد تجود بقطرة. وزار عمرَ ذوو رحمه فأخبروه بما تركوا عليه أهاليهم بالبادية، هلكت المواشي وضاعت الغلل ولم يعد الناس يجدون ماء الشرب، فشرعوا يهاجرون نحو المدن حيث -على الأقل- يجدون ماء يشربونه. اهتم عمر للأمر واغتم. فخرج إلى السوق واقتنى عصير فواكه وحلواء وشوكولاتة، وذهب إلى صغار الحي يستدعيهم لبيته، فأطعمهم وسقاهم، ثم وعظهم وهو يبكي حتى أبكاهم، وقال لهم هذا ربنا سميع الدعاء، فارفعوا أيديكم واسألوه أن يجود بالقطر من السماء. فما وصل الأطفال إلى بيوتهم قافلين من عنده، إلا وثيابهم تقطر من ماء السماء الذي استسقاه بهم عمر. فحمد ربه وأثنى عليه بما هو أهله، ونسب الفضل إليه سبحانه ثم إلى أبناء المسلمين الذين حافظ لهم آباؤهم على الفطرة التي فطرهم الله عليها، ولذلك لما استسقى بهم عمر سُقُوا. وتَذَكَّر وعيناه تدمعان أن الفاروق عمر رضي الله عنه، لما حاق بالمسلمين الجفاف في زمانه، استسقى بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فسقوا من حينهم غيثا نافعا.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال - الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز الحلقة الأولى: النسب والمولد والنشأة

لبث عمر لسنوات على حاله، محافظا على صلواته في المسجد، يعتني بتربية أولاده، لكنه ليس مطمئنا إلى ما هو عليه، تساوره الشكوك كل حين وتحن نفسه إلى عمل جماعي يرتفع بأصحابه ليتشبهوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لقي شابا ملتحيا كان يلازم المسجد فتكونت مع توالي الأيام علاقة تحاب بينهما، وأخبره الشاب بأنه يجتمع مع ثلة من الموظفين في بيت أحدهم يدرسون كتبا في التفسير والسيرة والفقه، ولهم برنامج لحفظ آيات من القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن بإمكانه الالتحاق بهم إن رغب في ذلك. رحب عمر بالدعوة، وقال لَعَلِّيَ أجد عندهم أجوبة عن تساؤلاتي التي لا تنقطع، ولعلهم يكونون عونا لي على تجاوز ما أنا فيه من غَبْنٍ ونقص، فعلي كرم الله وجهه يقول: من استوى يوماه فهو مغبون ومن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان) وأنا أراني واقفا في مكاني لا أتزحزح عنه.

لعل القارئ فَطِنَ إلى أن ثلة الموظفين الذين كانوا يجتمعون في بيت أحدهم، لدراسة كتب وحفظ آيات وأحاديث، واستقطبوا إليهم عمر عزيز، لم يكونوا يجتمعون اتفاقا أو بمبادرة معزولة من أحدهم أو اثنين، وإنما كانوا يعملون في جماعة منظمة سرية، وكان مؤسسها يقيم في الخارج لكونه مطلوبا من العدالة. لقد كانت قواعد السرية تقضي بأن يُسْتَقطب الفرد إلى الجلسات، ويمتحن في ثباته وجديته، ويُطْمَأَنَّ على سلوكه وعدم “مشبوهيته”، قبل أن يُخْبَرَ بحقيقة الأمر وينضم للتنظيم إن رغب في ذلك.

وبالفعل أثبت عمر جديته، واطمأن الإخوان على حسن سلوكه وانضباطه، فأخبروه خبرهم واقتنع بالعمل ضمن صفوفهم للدعوة لإسلام حركي، يعمل على أن تعاد للإسلام مكانته في الحكم والتشريع وسائر مسائل المجتمع ونوازله. وفي تلك الفترة كانت هذه الجماعة تعيش اضطرابا وتجاذبا بين الأمير الهارب وقيادة الداخل المتخاصمة معه، وبين الموالين له والموالين للقيادة المنفصلة عنه أو الذين توقفوا في أمرهم إلى غاية أن يتبينوا أمرهم وسموا بمجموعة التبين.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الرابعة: وتتم اللقيا ويهتدي الحيران

كان الاضطراب حاضرا بينا ملموسا. وكان الشباب المحيطون بعمر ليس لهم من التجربة ولا من العلم والحكمة القدر الكافي ليستوعبوا عمر ومن في سن عمر وحكمة عمر ورجاحة عقله ويقظة قلبه ووجاهة الأسئلة التي تؤرقه. لكنه صبر معهم ولبث في صحبتهم.

وفي أواخر صيف سنة 1982 لاحظ عمر أن أحد الشباب طال غيابه عن جلسات الإخوان، فلما لقيه سأله عن السبب، فأجابه بأنه سئم من “لعب الذراري” على حد تعبيره، وأنه التقى عالما “شارب عقله” (راشدا ناضجا) له رؤية واضحة للعمل الدعوي وله في ذلك مشروع متكامل، ويجتمع حوله ثلة من الشباب الرصين، فالتحق للعمل معه. كما أخبره أن أخا آخر كان يجالسهم، وكان وثيق الصلة بعمر، التحق بدوره به. تأسف عمر لفراق الأخوين واللذين كان يأنس بهما ويرتاح إليهما.

وتتابعت الجلسات التي يحضرها عمر، وتتابع معها واتضح ما تعاني من اضطراب في الرؤية وضبابية في التصور. فدب الخلاف وتقوى المراء، فما لبث أن خاب ظن عمر فيمن يجالسهم وتبين له أن مكانه ليس مع هؤلاء الشباب، الذين لا يتهم إخلاصهم ولكنه يعيب عليهم قلة تجربتهم ونِدِّيَتَهُم بعضهم بعضا في السن والعلم والتجربة، وغياب الزعامة الراشدة التي يجب أن يحتكموا إليها في تدبير خلافاتهم. فكر عمر في هذا الأمر طوال ليله، ولما انتهى من عمله في اليوم الموالي، قصد الشاب الذي تكلمنا عنه في الفقرة السابقة، وقال له: إني لم أعد أرتاح إلى هؤلاء الشباب الذين أجالسهم، وإني لأبحث عن الجدية والوضوح في العمل، ولقد أعياني التذبذب والدوران في حلقة مفرغة). فاقترح عليه الشاب أن يزورا الأستاذ عبد السلام ياسين في بيته بمدينة سلا.

وفي الحلقة القابلة أتحدث إليكم إن شاء الله عن لقياه بهذا الرجل. رحمهما الله، وأسكنهما فسيح جنانه.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الأخيرة: الوصية

يتبع … الحلقة القادمة: وتتم اللقيا ويهتدي الحيران