بحلول عقد الخمسينات، كان الفتى اليافع عمر يعيش مرحلة المراهقة، وكان آنذاك يدرس بالثانوية. ولم يكن مراهقو تلك الحقبة –خاصة منهم المنحدرين من القرى والأرياف وبالأخص من ذوي الدخول المحدودة- يعيشون حياة الدلال والتنعم المصحوبين بالمشاكسة ومعاكسة الأكبر سنا وخاصة الوالدين، وإنما كانوا يعتبرون أنفسهم بلغوا مبلغ الرجال فأصبحوا ملزمين بما يُلْزم به الرجال، وعن الرجال المؤمنين حديثنا في هذه الحلقات.

فقد كان يرى حال والده وهو يكد ويجتهد ويبذل الجهد الوفير في اكتساب دريهمات لا تفي بالحاجيات ولا تسعف لتلبية الضروريات. كان يرى الحيف والظلم الاقتصادي يحيط به من كل جانب. فالعمل يقوم به ويعتصر حياته اعتصارا لتجويده المستضعَفُ من أبناء البلد الأصليين، ويجني الثمرة ويظفر بالغلة الوافدُ المستعمِرُ أو من وضعوا أيديهم في يديه ودانوا له بالطاعة والولاء من “قُيَّاد” وباشوات وشيوخ ومقدمين وأَجناد من المخبرين أو المتعاونين.

بالمدن الكبرى، بالدار البيضاء وفاس ومراكش وسلا وتطوان وغيرها، تسنى لعدد ممن كان يفكر فيما كان يفكر فيه عمر، ويقارن كما كان يقارن عمر، الالتقاء بشخصيات أكبر منهم سنا وأغزر علما وأسمق مكانة اجتماعية، فحدثوهم بمثل ما كان يجيش بخَلَدِ عمر، وفصلوا لهم القول عن ظلم المستعمر واستغلاله وعدم شرعية وجوده وموقف الدين من استيلاء العدو الكافر على بلاد المسلمين وممتلكاتهم وفرض سيادته عليهم. كلموهم عن المقاومة والجهاد لطرد العدو الغاشم واستمالوهم للنضال، فانخرط كثير منهم في المقاومة والعمل المنظم لتحرير البلاد. لكن مثل هذا لم يتح لأبناء القرى والمراكز الحضرية الصغيرة، والتي لم يكن يَسْمَحُ مجالها للتحرك السياسي أو النضالي -وللتنبيه فالحال لم يتغير كثيرا اليوم-، فكل زائر غريب يكون موضوع متابعة لصيقة، يُبلَّغُ نبأُ قدومه الحاكمَ ويُخبَرُ بموضوع زياته، وويل لمن استقبَلَ ولم يبلغ. كما أن المجالات القروية ومن في حكمها، لم تكن تصلها الجرائد وقليل من ساكنها كان يتوفر على المذياع.

لذلك، لم يتح للشاب عمر الالتحاق بصفوف المقاومة، والذي يعرفه ويعرف تحرقه على أمته، وانشغاله بحال المحرومين، وعدم رضاه عما كان عليه الأمر، لربما تعجب من هذا واستغرب. والجواب ما ذكرناه. فبالرغم مما أسلفنا فيه القول من كونه دائم الفكر في الموضوع، إذ كان يرى ما عليه المستعمرون الغرباء عن البلد الوافدون من رفاه، وما لهم من نفوذ وجاه، وفي المقابل ما يعانيه أبناء الوطن الأصليون من عوز وحرمان. كان يقارن ما عليه فرنسا وأوروبا من تطور وازدهار في الطب والهندسة والصناعة والفلاحة وما تمتلكه من قوة عسكرية، مع ما عليه أقطار وبلاد المسلمين. وكان يعلم أن ما أوصل الأوربيين إلى ما هم عليه، إنما هو العلم والدراسة. فكان يحز في قلبه ما يرى من قيود وحواجز توضع أمام المغاربة كي لا يلتحقوا بالمدارس والمعاهد، ومن التحق لا يسمح له باستكمال الدراسة والذهاب فيها بعيدا. كما كان يرى تجبر أعوان الاستعمار على بني جلدتهم وفي المقابل تذللهم المشين أمام أسيادهم المعمرين.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الخامسة: بلاء عمر في الدعوة إلى الله

كانت الأخبار تتتابع والروايات تتكاثر عن معاقبة المستعمر وجلاوزته لكل من سولت له نفسه أن يعارض السياسة الاستعمارية حتى في صغائر الأمور، فما بالك بمن يعارض وجوده أصلا. كم كان يتألم عندما يسخر المغاربة جماعات في خدمة مصالح أفراد من الفرنسيين لم يكونوا يروا منهم إلا الاستغلال والإذلال. وكيف ينسى ما تحاكاه الناس عندما جاءت معمرة فرنسية تحتج على باشا المنطقة المغربي بشدة، تسب وتزبد وترعد، لكونه سخر المغاربة (الأنديجان بلغتها أو الأوباش السكان الأصليين بلغة الواقع) لتحية الحاكم الفرنسي والاصطفاف على جنبات الطريق للتصفيق عند مرور موكبه والتطبيل والتزمير، ولم يبادر لإرسال أفواج منهم للتعرض لأسراب الجراد الهاجم على ضيعتها ليحدثوا الضوضاء وينشروا الدخان إبعادا لها أن تحط على مزروعاتها. وتسخيرهم سواء للتصفيق للحاكم تحت حر الشمس الحارقة أو لنشر الدخان الذي يؤذي عيونهم ويجرح بلاعمهم، قبل أن يصل إلى أسراب الجراد في عنان السماء، إنما يتم بدون مقابل، وويل منهم لمن تأخر.

لقد كان كثيرا ما يحدث نفسه، إن الله وصف عباده المؤمنين بكونهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فمالي أرى غير ذلك. ألم يخبر المولى في كتابه بأن العزة لله ولرسوله وللمومنين، فكيف تسنى في بلاد المسلمين المخاطبين بالتنزيل أن يعيش الكافر الغازي في تمام العزة والمنعة ويقبع المؤمن في براثن الذلة والمهانة. ثم يضيف مهمهما: أيقبل بهذا، من سُمِّيَ عمر، وعُمَرُ كان نموذجا للعزة ورفض الدنية والمهانة؟! وكم كان يُمرِّرُ بمخيلته مشهد عمر بن الخطاب في هجرته والمسلمون يتسللون في جنبات الأودية أو وينتظرون حلكة الليل لتخفيهم عن المشركين، وهو على عكس ذلك يخرج في وضح النهار شاهرا سيفه ينادي بأعلى صوته من أراد أن يُثْكِلَ أمه ويُيَتم ولده ويُرْمِل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي. ما أكرمك يا عمر وما أعزك، وإني لفخور بأن أحمل اسمك، فأنت عمر العزيز، وأنا عمر عزيز. وإني لأسأل الله الذى منحني اسمك أن يمنحني العزة التي منحك.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة السادسة: عمر داخل بيته

لم يكن عمر يخفي هذا الأمر على معارفه وزملائه، بل كان كثيرا ما يردد في محيطه مقولة عمر “لم نعطي الدنية من ديننا”، ونحن أكرمنا الله بالإسلام، دين العزة والكرامة لا دين المذلة والخناعة، ونقبل بالكافر الغاشم يستعبدنا ويسخرنا كما تسخر الدواب في مصالحه، فكان الجواب الذي يسمعه لا يكاد يختلف من شخص لآخر:

حذار! حذار! فالمخزن تعرفه، وهو في هذا الأمر لا يتساهل، فإن وصل سمعه ما تقول ووشى بك للحاكم الفرنسي، وهو فاعل لا محالة، فلن تحمد عقبى ما به تفوهت، وعليك أن تودع المدرسة إلى غير رجعة ولربما كذلك الأهل والأحباب. “ادخل سوق رأسك” وأتمم دراستك، فأنت محظوظ، ألا ترى أن معظم أقرانك يشتغلون في “السرحة” (رعي الأغنام والماعز) أو الفلاحة!.

ولم يتردد بعض من فاتحهم في الذهاب إلى والد عمر يشير عليه بضرورة أن ينتبه لولده قبل فوات الأوان.

ويعود عمر لدروسه ومراجعاته، لكن سرعان ما يعاوده التفكير، وهكذا! …

وجاء شهر نونبر من سنة 1955، فأعلن الاستقلال، وعمر في حدود الثامنة عشرة من سنيه، فحمد الله أن أذهب عن البلد غمة الاستعمار وتسلط النصارى، وتحسر أن فاتته المشاركة بالفعل في الجهاد لطرده، فما كانت النية المعقودة مهما صدقت تكفي أمثاله من ذوي الهمم العالية، حتى يترجموها عملا يراه الله ورسوله والمومنون. لكن الظروف لم تُسْعِفْ، وفوق طاقتك لا تلام.

وذات صباح، جاءه زميل له بالدراسة، وقد كانا كثيرا ما يتبادلان الحديث حول أمورهما وما يختلج صدورهما، يخبره أن الدولة بحاجة إلى توظيف معلمين وأن بإمكانهما المشاركة في مباراة التوظيف، لتوفرهما على الشروط المطلوبة، وقبل أن يترك لعمر الرد أو التعليق، أردف قائلا:

– لقد فاتنا يا عمر المساهمة في إخراج المستعمر، فلا يفوتَنَّنا المساهمة في القضاء على مخلفاته ومنها الجهل والأمية مصدر كل شر وبلية.

لم يغادر الزميل عمر إلا وقد اتفقا على مكان الالتقاء للسفر لاجتياز المباراة. وهكذا انقطع عمر عن الدراسة وكان بإمكانه أن يتفوق فيها ويحصل المراتب المتقدمة، خاصة وأن الله طوع له اللغة الفرنسية التي كان يتقنها، والتحق بسلك التعليم، فعين معلما بإحدى المدارس القروية.

طالع أيضا  من المؤمنين رجال... الراحل الأخ المجاهد عمر عزيز نموذجاالحلقة الأخيرة: الوصية

كان مطمحه أن يتسنى له تربية النشء وتعليمه، وأن يمرر له ما تلقاه في الكتاب من القرآن وتربية القرآن ولغة القرآن، وما تلقاه في مدارس الفرنسيس من لغتهم ومعارفهم. كان مبتغاه أن يساهم في تربية وتكوين جيل يقوم بأعباء البلد فيتدارك المغرب ما ضيعه أثناء قرون في الجمود والتحجر والفتن السياسية والقبلية والخلاف، وهو ابن المُهَجَّرِ عن أرض الأجداد المُبْعَدِ عنها نتيجة ذلك. كما كان مأموله أن يشارك في وضع بلده على سكة التقدم العلمي والمعرفي، الذي هو أساس كل تقدم وازدهار.

مرت سنوات قضاها عمر في سلك التعليم بالبادية. فكان يبذل قصارى جهده في القيام بعمله بتفان وإخلاص. كان لا يقتصر على التعليم داخل القسم، وإنما يتعدى ذلك إلى التربية والمصاحبة الاجتماعية، يكاد يقتسم أجره الزهيد مع تلامذته، وجلهم من أبناء ضعفاء البادية، وعندما نقول ضعفاء البادية فهم الضعفاء حقا. يشتري لهذا كتبا وللآخر محفظة ولذاك دواء وللرابع حذاء.

استمر في عمله سنوات، لكن مع مرور الوقت وتعاقب أفواج التلاميذ، وتأمله في مسارهم ومصائرهم، بدأ يتضح له أن عمله الفردي في الإصلاح، لا يعدو أن يكون كمن يصب كؤوس الماء على أرض جرداء قاحلة، ينتقصها من ماء شربه، فإذا به لا ماء أبقى ولا خصبا حصل. وتوالت خيبات أمله تتعاقب من خيبة إلى ما هو أخيب منها، حتى أحس أنه لم يعد بوسعه الاستمرار على هذا الحال: عمل مضن شاق بالبادية في ظروف لا تطاق ونتائج لا تكاد تذكر. وبدأ يتطلع إلى التغيير. فما أن أخبر بأن إدارة السكك الحديدية أطلقت مباراة توظيف، حتى شارك فيها. وهذا ما فعله كذلك زميله في المدرسة الذى أتاه بخبر توظيف المعلمين، فكان أن قُبِل كلاهما والتحقا بالرباط للعمل.

استقر السي عمر بعاصمة المغرب الرباط وبها تزوج وأنجب.

وللحديث عن عمر في الرباط بقية نتحدث عنها إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة.

يتبع… الحلقة القابلة: حيرة ولا من يخلص منها