في الوقت الذي اضطرب فيه المشهد الإقليمي والدولي بشكل يُقطِّع في الأمة أوصال الوحدة ويشوش على بوصلتها العمرانية والتحريرية والاستخلافية، يجدد الشعب الفلسطيني رسم أسطورة أمة لا تموت إلا لتحيى ولا يخبو لهيب مقاومتها إلا ليتوهج. شعب الصمود والمقاومة، يؤكد مرة أخرى أنه حيٌّ يحيي القضية في أجياله المتلاحقة، ويبعثها في شعوب الأمة التي حيل بينها وبين مقدساتها في أولى القبلتين والأرض المباركة.

لسنا في حاجة إلى الوقوف طويلا عند قراءة الساحة الفلسطينية من داخل ميدان المقاومة؛ فشبابها ونساؤها وشيوخها يسطرون أنصع صفحات التضحية بالنفس والجود بالغالي لتثبيت الوجود والدفاع عن الأرض والحفاظ على المقدسات التي تتعرض لهجمة صهيونية غير مسبوقة، ولكننا في حاجة ملحة إلى إعادة تذكير الأمة وشعوبها ونخبها بالواجبات التي تعضد تلك التضحيات الجسام التي تقدمها “انتفاضة السكاكين” إزاء جبروت الآلة العسكرية والأمنية الصهيونية.

على شعوب الأمة، المغلوبة على أمرها التحرك لتقديم الدعم الكافي لأبناء فلسطين المقاومين والمرابطين، موقنة بأن ما تقدمه إلى القضية الفلسطينية إنما تمد به ذاتها هي، وتحقن به شرايين الحياة فيها هي، وتقوي به مقومات الكينونة الإنسانية فيها هي. وبعد الدعم الآني، ينبغي التحلي بوعي استراتيجي مصيري؛ فآسر الأمة وآسر الأرض المباركة إنما هما عنصران متكاملان وعقبتان عصيتان في وجه تحررها؛ فالاستبداد والاِحتلال آفتان لوباء واحد، ولا يُتَخَيَّل التخلص من الثاني إلا بمغالبة الأول، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

أما المجتمع المدني بنخبه المتعددة المشارب، فيطلب إليه أن يجعل من القضية الفلسطينية بوصلة يقيس إليها قضاياه وتحدياتِه ومشاريعه وأصدقاءَه وخصومَه. مجتمع مدني بإمكانه أن يقدم ما هو أكبر بكثير مما يقدمه اليوم، وبإمكانه أن ينهض بدور طلائعي أكبر وزنا في المحافل الدولية والإقليمية وأكثر تأثيرا في استنهاض الشعوب نحو فلسطين، تساعده الآليات المتعددة المتاحة له، وفي القلب منها الإعلام؛ ذلك “الساحر العليم” الذي يستطيع أن يجعل من قضايا الأمة هَمَّ الناس الأول، أو أن يرميها في زاوية مهجورة يُغَيِّبُها عن اهتمامات الأمة بما له عليها من سلطان.

وأما الحكام، في حقيقة الأمر، فلا يعنينا أمرُهم ما دام لا يعنيهم من قضية فلسطين إلا الْقَدْرُ الذي يَذُرُّون به الرماد في العيون، يحسبون أن بعض العنتريات يمكن أن تغطي على خَرَس بعضٍ وتخاذل بعضٍ وتواطؤ بعضٍ، ولا يبذلون موقفا إلا بحسب ما يُسَوِّقُونَ به لتضامنهم الزائف المكشوف مع قضايا الأمة، وبقدر ما ينفسون به ضغط الشارع مكتوم الأنفاس.

إن المطلوب إلى شعوبنا ومجتمعاتنا المدنية دعم انتفاضة الشباب في حارات القدس وأزقة الضفة وعلى أسوار الأقصى. المطلوب إليها الالتفاف حول قضية فلسطين بما هي رمز لتحرر الأمة، وبما هي المقياس الدقيق لنبض قلبها، والامتحان الحقيقي لمن يدَّعي من الحكام دعم القضية، في الظاهر، ويتربص بها الدوائر ويتواطأ في الكواليس وفي دهاليز السياسة الإقليمية والدولية.

اليوم نحن أمام شرارة انتفاضة ثالثة؛ نعم يتربص بها الكثيرون الدوائر لوأدها، لكن الأكيد أن أهم ما فيها حيوية الشعب الفلسطيني المجاهد، وتجديده أساليب مواجهته للاحتلال البغيض، وإصراره على الصمود من أجل التحرير بنفس طويل، وصبره على ما يُحرِّق كبده من صمت ونكوص وخذلان الممسكين بأزمّة الحكم في الأمة… إن كل هذه الأوجه، من عظمة هذا الشعب المصابر، هي، بعد وعد الله الحق، علامة النصر، وسر القوة، وضمانة انبعاث انتفاضة ثالثة ورابعة وخامسة… حتى النصر والتحرير بإذن الله.

والله غالب على أمره. وما النصر إلا من عند الله.