ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره أنه لما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا 1 ، بكى سيدنا عمر رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ما يبكيك؟” قال: (أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص) فقال: “صدقت”.

كان السيد الفاروق من الْمُحَدَّثين، وكان ينظر إلى واقع المسلمين ومستقبلهم بعين البصيرة المتنورة.

نجد تفسير هذا “النقص” في حديث المعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القائل: “يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً”. وفي حديث “خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً- قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ” 2 .

ويتعدى هذا الضعفُ أفرادَ الأمة من حيث مستوى الإيمان ودرجة الصلاح والتقوى، إلى حال الأمة جمعاء من حيث عزتها بين الأمم، ومن حيث تمكينها في الأرض، وحملها رسالة الله إلى العالمين هداية ورحمة وشهادة بالقسط. عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ:” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ :بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْل، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْن”. قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”” 3 .

وهكذا وبعد استعلاء من الإيمان أورث القرونَ الفاضلةَ أرضَ الأعداء، وبعد خيرية في النيات والأعمال جعلت قلوب الناس تهفو إلى دين الله، يعود الإسلام إلى الاغتراب من جديد كما أخبر بذلك الرؤوف الرحيم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: “إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ” 4 .

داء “الغربة” – بِنَصِّ الحديث – أصاب جميعَ “الدين”، يعني أصاب الدين بمراتبه الثلاث كما هي مبينة في حديث جبريل عليه السلام. الإسلام والإيمان والإحسان – كلُّها – كانت ضحيةَ هذا الخمول، وآلت إلى ما أنبأ به الحبيب من تراجع وضمور.

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول2– (الفقه في الدين) والفتح

أورد المحدثون الحديثَ نفسَه (أي حديث الغرباء) بلفظتي: الإسلام والإيمان. وهو ما نعتبره تفصيلا للرواية السابقة، وإشارة إلى غربة هاتين المرتبتين بغربة الأركان الجوارحية، والحقائق الإيمانية بين الناس. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”” 5 . و“عَنِ ابْنٍ ِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: “إِنَّ الْإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الْإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا”” 6 .

رواية (بدأ الإسلام) يعضُدها ما ورد من تضييع الصلاة، ومنع الزكاة، ونقض العهد مع الله ورسوله، والحكم بغير ما أنزل في الكتاب. أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد رحمهم الله جميعا عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة”. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: “يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن، و نزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، و لولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم، و مالم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم”.

ورواية (بدأ الإيمان) لها من الشواهد أحاديثُ نقصان أهل الصلاح، وذهاب الخيرية، ورفع الأمانة من قلوب الرجال. “عن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَديثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنا أَنْتَظِرُ الآخَرَ حَدَّثَنا أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قَالَ: “يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مثل أَثَر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقى أَثَرُها مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؛ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا”” 7 .

وبتضييع قواعد الإسلام، وذبول جذوة الإيمان، تَقِلُّ – إن لم تنعدم – كلُّ دواعي التطلع الإحساني. ويَلُفُّ هذه المنزلةَ العظمى في الدين ثوبُ التغافل والنسيان. ويصير مجردُ الحديث عن “الإحسان” نُطقا بما لا تحتمله الأفهام ولا تستسيغه العقول، بل جُرما يُتَابَعُ صاحبُه بفتاوى “العلماء الفحول”. لذلك نجد أهل هذا المقام في الندور كالكبريت الأحمر. غربتهم من غربة علومهم النفيسة وأرواحهم الطاهرة. “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ” 8 . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: “هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء”، قال: فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: “ثكلتك أمك يا زياد، إني كنت لَأَعُدُّكَ من فقهاء أهل المدينة، هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟” قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت له: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ وأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا” 9 .

تَفَرُّسُ سيدنا عبادة رضي الله عنه في أهل المسجد – ونحن في ختام هذه المقالة – يُذَكِّرُنا بنورانية سيدنا عمر في أولها. اغترب الدين بذهاب أمثال هؤلاء. ويخرج من غربته إن شاء الله بالوقوف على أسباب هذا الاغتراب من خلال البيان القرآني والهدي النبوي، وهو ما ستتناوله الورقات التالية بحول الله.

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول3- الفقه في الدين والصحبة

[1] المائدة: 4.\
[2] رواهما الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه.\
[3] رواه الإمام أبو داود رحمه الله.\
[4] رواه الإمام أحمد رحمه الله.\
[5] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[6] رواه الإمام أحمد رحمه الله.\
[7] متفق عليه.\
[8] رواه الإمام البخاري رحمه الله.\
[9] رواه الإمام الحاكم رحمه الله.\