بداية أسجل خجلي من أن أتدثر بتعليق وأن أخصف علي من الكلام في الوقت الذي تكسر فيه فتاةٌ الحجارةَ وترمي بها جنودا مدججين بالسلاح، وفي الوقت الذي يجعل فيه رجل صدره حاجزا في وجه الصهاينة المقتحمين لباحات المسجد الأقصى، وفي الوقت الذي يحمل فيه شاب سكينا يطعن بها مستوطنا وهو موقن باستقباله لرصاصة الموت.

لقد اختار الصهاينة الوقت الخطأ لكي يحققوا شيئا من متعتهم بممارسة طقوسهم السخيفة في الحرم القدسي ولكي يفرضوا واقع وجودهم بعد الاقتحامات المتكررة اليومية. اختاروا الوقت الخطأ حين ظنوا أن فلسطينيي مدينة القدس والضفة الغربية قد هجنوا وروضوا ونجحت عمليات القتل النفسي الممارسة على الضفة من استباحتها بكل حرية عكس غزة المحصنة، ومن الاعتقالات التعسفية، ومن ممارسات الأجهزة الأمنية الفلسطينية العميلة في كبح جماح الشباب الثائر، ومن تقطيع أوصال الضفة والتضييق على الناس في المعابر وتوسيع بؤر الاستيطان، ظنوا أن كل هذا نجح في قتل هَمِّ حماية بيت المقدس لدى الإنسان الفلسطيني وماتت عنده نخوة الانتصار لعرضه ومقدساته. اختاروا الوقت الخطأ كذلك حين ظنوا أن ما يقع للأمة الإسلامية من ويلات خاصة في سوريا الشامية سيجعل الإنسان الفلسطيني كأخيه العربي يخاف من كل ما يمت للثورة بصلة، وبالتالي لن يقف أمام بطش اليهود. ظنوا وخاب ظنهم عندما هبّ حماة المسجد الأقصى شبابا وشيبا، رجالا ونساء وأطفالا، يسترخصون أرواحهم فداء لمقدسات الأمة ليكونوا بذلك قد حازوا مفتاح النصر.

رجوعا إلى العنوان وتفصيلا في مفتاح النصر، أقول أن قضية فلسطين على خلاف ما يقال بأنها قضية الأمة الإسلامية المركزية، هي مجرد جرح من جراح الأمة التي هي نفسها القضية، فمن جراح الشيشان وكوسوفو، وأفغانستان والعراق، وإفريقيا الوسطى وبورما، إلى الحرب على ثورات العرب وما إلى هنالك، وإلى بطش حكام الجبر الجاثمين على رقاب الشعوب. الأمة الإسلامية هي نفسها “القضية” التي تعرضت في القرن الماضي من عمرها المبارك إلى تحول عظيم، بل لزلزال عظيم تمثل في تفكك الإمبراطورية العثمانية وتعرض بقاع العالم الإسلامي للاستعمار وتمزيقه إلى دويلات وتعرض جزيرة العرب لصفقة آل سعود وتنصيب الحكام الطواغيت، ونتج عن هذا التحول من بين ما نتج، الجرح الغائر فلسطين. وعليه فتحرير المسجد الأقصى الذي جاء اغتصابه في هذا السياق العام العالمي العظيم، لن يكون إلا في سياق عظيم مماثل تزلزل فيه بعض قواعد ومسلمات العالم الحديث من هيمنة دولة اليهود الثانية بأمريكا ونظامهم العالمي، وتتخلص فيه الأمة الإسلامية من بطش حكامها لتعود شيئا فشيئا لوحدتها فعزتها وقوتها. الوعد الإلهي بين أيدينا نتلوه في كتابه العزيز من سورة الإسراء: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، وعد الأمة سائرة إليه بمشيئة الله. ولعل ما تشهده من مخاض عسير أطاح بعروش بعض الطواغيت وكاد بأخرى، وفضح حقد أعداء الأمة، وأعاد لكثير من أبناء الأمة مفتاح النصر وجرعة الدواء، لعل كل هذا يقدم للسياق العظيم المماثل. المقصود بمفتاح النصر هو ما دلنا عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القصعة الصحيح، “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومِن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت”. الدواء ومفتاح النصر هو مقابل الداء المتمثل في حب الدنيا وكراهية الموت. مفتاح النصر هو ما شاهدناه في حماة بيت المقدس من سعيهم إلى الموت والشهادة في سبيل الله، الدواء هو ما شاهدناه في أبطال سوريا من الرجوع إلى الله تعالى والتذلل بين يديه وحب الموت في سبيله وكراهية دنيا الخنوع. سوريا بعين الواقع كارثة الأمة والإنسانية، لكنها بعين أخرى حلقة من حلقات النصر القادم بما حققه أهلها من حيازة المفتاح حتى اضطر كثير من أعداء الأمة المتباينة مشاريعهم ومصالحهم في المنطقة من عرب الخليج واليهود والشيعة والغرب بوجهيه لأن يتوحدوا لمواجهة ثورة سوريا، وحتى اضطر “حزب الله” أن يقاتل علنا، واضطر الحرس الثوري الإيراني أن يقاتل علنا، واضطر الغرب أن يختلق مدخل داعش، واضطر آخر من اضطر الروس لأن يقاتلوا علنا. لم يضطروا ولم يجبروا على ذلك إلا لأنهم وجدوا مقاومة منصورة من عند الله تعالى، ولينصرن الله من ينصره.

أرى أن اليهود الصهاينة قد استعجلوا حتفهم والحال أن الموعد لم يحن بعد، لكنه قريب إن شاء الله تعالى بعد أن ينتج عن المخاض العسير “السياق العظيم المماثل”، ولعل ما أبدعه شباب بيت المقدس من انتفاضة السكاكين تذكر بالموعد الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تكون المعركة بين المسلمين واليهود في إحدى صورها بالسلاح الخفيف والمواجهة المباشرة التي يخشاها أحفاد الصهاينة وينادي فيها الشجر والحجر: “يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله”.