أسدل الستار على المسلسل الانتخابي بانتخاب رئيس مجلس المستشارين، وقد كانت ملابسات هذا الانتخاب وسيلة إيضاح جديدة لمن لا زال عنده ذرة شك أن الانتخابات في المغرب تفتقد بيئتها الحقيقية وهي الديمقراطية وتفتقد روحها وهي احترام إرادة الشعب وتفتقد عنصرها المحفز وهو التعددية السياسية الحقيقية.

ما حدث أمس من خلط في المواقع وغياب منطق الاصطفاف السياسي مؤشر على أننا نصنف ضمن الدول السلطوية التي تفقد الديمقراطية من مضمونها وتحتفظ بالشكل بهدف التسويق فقط. وهذه بعض الملامح:

1- عجزت الأغلبية عن تقديم مرشح ولو بشكل رمزي/نضالي رغم أنها تتوفر على عدد يؤهلها لذلك.. وفي هذا مؤشر على عدم تماسك هذه الأغلبية في المحطات المفصلية؛

2- لم يحترم منطق التقاطب السياسي، حيث صوتت أحزاب من الأغلبية لمرشح المعارضة في إشارة مناقضة لكل الخطاب الرسمي الداعي إلى تخليق الحياة السياسية ودم ثقة المواطن في المسلسل الانتخابي؛

3- شكلت هذه المناسبة الضربة القاصمة للمعارضة الضعيفة أصلا وغير المؤثرة في مجريات الحياة السياسية والنيابية. وطبعا سيكون لهذا التشتت ما بعده من تداعيات لا تخدم التوازن السياسي؛

4- أظهرت كذلك هذه المناسبة أن الغرفة الثانية عبء إضافي وسيف على رقبة الحكومة للتحكم في مخرجات العمل التشريعي، وأنها أبعد ما تكون عن مواصفات الغرفة الثانية في البلدان التي اختارت نموذج الثنائية البرلمانية؛

5- وضحت هذه المناسبة أن المؤسسات الرسمية ليست إلا مؤسسات أقلية، إذ كيف يعقل أن لا يفوز شخص بانتخابات بلدية وبعدها يصبح رئيس غرفة برلمانية، وكيف يعقل أن يصبح خاسر في انتخابات بلدية رئيس جهة، وكيف يعقل أن يصبح رئيس حزب حاز مليون صوت فقط رئيس حكومة، وكيف وكيف؟؟؟ هي مؤسسات أقلية وكفى؛

6- الرابح الأكبر في هذا المسلسل الانتخابي هو التيار المقاطع الذي أكدت مجريات العملية الانتخابية صواب مقاربته واصطفاف الشعب إلى رأيه بدون بذل مجهود ورغم حرمانه من وسائل التواصل مع الشعب؛

7- الرابح الثاني، هو المخزن الذي استطاع اختراق تيار المقاطعة واستقطاب ثلاثة أحزاب للمشاركة في المسلسل الانتخابي رغم علاته ورغم أنه منبثق عن دستور قاطعته هذه الأحزاب (الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة، المؤتمر الوطني الاتحادي)؛

8- الرابح الثالث في هذا المسلسل هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي استطاع، رغم الحملة التي شنت عليه، أن يفوز بأكبر عدد من الجماعات والجهات والغرف وبرئاسة مجلس المستشارين في ظل انتخابات يشرف عليها سياسيا بنكيران الذي كال كل التهم لهذا الحزب الذي ترافقه تهم التحكم والارتباط بالدولة العميقة/الموازية منذ النشأة، وهي تهم لم يستطع إلى حد اليوم التخلص منها. لذلك، استطاع حزب الأصالة والمعاصرة اكتساب “مشروعية شعبية وانتخابية وديمقراطية” في هذه الانتخابات؛

9- الرابح الرابع في هذه الانتخابات هو العدالة والتنمية لأنه حقق تقدما انتخابيا معبرا ويصعب على أي حزب أن يحققه في ظل نمط انتخابي معطوب، ولكنه، رغم ذلك، لم يترجم هذا الفوز على مستوى الظفر برئاسة الجهات لأنه ظل أسير أغلبية غير منسجمة ولم يخبر بعد ميكانيزمات صناعة التحالفات ومنطقها، ومما يدل على أنه رابح أنه حصد هذا التقدم الانتخابي رغم وجوده في قيادة الحكومة وهو عكس ما درج عليه الناخب المغربي منذ حكومة التناوب التوافقي، حيث كان يعاقب بعد كل انتخابات الحزب القائد للحكومة (الاتحاد الاشتراكي في 2002 والاستقلال في 2011)؛

10- الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات هو حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اللذين أديا ثمن اصطفافهما السياسي إلى جانب الأصالة والمعاصرة، وهو اصطفاف لا ينسجم مع هويتهما وتاريخهما والنتائج خير دليل على ذلك؛

11- خاسر آخر لا يقل عنهما هو فيدرالية اليسار التي خرجت بخفي حنين، سواء من حيث عدد المقاعد أو عدد المصوتين أو عدد الجماعات، وهي النتائج التي تصنفه في خانة الأحزاب الصغرى رغم حضوره الوازن في الساحة الحقوقية والنقابية ودوره في الحراك الشعبي لسنة 2011؛

12- الخاسر الآخر هو باقي أحزاب الأغلبية التي لم تستفد من موقعها الحكومي كما هو الشأن بالنسبة للعدالة والتنمية.

في المحصلة، ضيع المغرب فرصة جديدة لإعطاء المسلسل الانتخابي معنى ديمقراطيا، وفشل منظمو الانتخابات في تحقيق مشاركة شعبية واسعة، وما زالت تلاحق الإدارة تهم الحياد السلبي مع عجز في صياغة ترسانة قانونية تضع حدا للتلاعب الانتخابي وتجعل مدخلات ومخرجات العملية الانتخابية سليمة وشفافة ومنسجمة ومنطقية.