مباشرة بعد إعلان جماعة العدل والإحسان في بيان 22 غشت 2015 أنها تقاطع الانتخابات المحلية وتدعو إلى مقاطعتها) وفي حمأة التخفيف من الآثار المحتملة لهذا الموقف، ثار سؤال فقال منتقدهم لموقف العدل والإحسان: لماذا تقاطع الجماعة الانتخابات بحجة أن أسسها الدستورية تنطلق من دستور ممنوح وتشارك في انتخابات اللجان الثنائية وهي استحقاقات تنبني على نفس الأسس الدستورية أي دستور ممنوح؟).

أجاب عن السؤال قياديون في الجماعة لكن أصحاب «الإشكالية» ظلوا يرددون نفس الحجج والطروحات التي لا تناقش عمق أفكار الجماعة وإنما تروم، في أغلبها، إلى تسفيه مواقفها ومحاولة تبيان تهافتها وتناقضها، بل ذهب بعضهم إلى حدودٍ في التطرف خرجت عن كل الضوابط الأخلاقية والسياسية في موضوع قد لا يحتمل كل هذا الجدل المفتعل. ولمن صبر علينا فإننا سنعالج السؤال ببساطة ووضوح من خلال أربع أبعاد، لكي تتضح الصورة في شموليتها، وهي:

منطق المشاركة

هب أن فنانا اجتهد حتى صار نجما، ثم نودي عليه ليأخذ وساما فرفض التوشيح لسبب من الأسباب؛ ماذا سنقول لمن عاتبه بالتالي: ولماذا تعاطيت للفن أصلا إن كنت ترفض الأوسمة!

هب أن مجموعة من الشباب انتخبوا مكتبا لتسيير جمعية تربوية، ثم نودي على رئيسها، العضو في مجلس دار الشباب، لكي يُصوت أو يترشح «للمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي» فرفض لسبب ما؛ هل يُعقل أن نعاتبه بقولنا: لماذا دخلت أصلا إلى العمل الجمعوي والشبابي!

هب أن مجموعة من العمال أسسوا مكتبا نقابيا بالانتخاب في جمع عام داخل مقاولة متوسطة؛ ثم طـُـلب من رئيسها، طبقا لمدونة الشغل، أن ينظم انتخابات مهنية لاختيار ممثلي المستخدمين من أجل تدبير مساراتهم ومشاكلهم المهنية داخل المقاولة؛ هل يُقبل عقلا أن نقول: مادام الممثلون سيصبحون هيئة ناخبة، وقد يُصوتون على مرشحي النقابات لمجلس المستشارين، العديم الفائدة، فيجب مقاطعة هذه العملية من الأصل وهو الامتناع عن اختيار ممثلين للأجراء داخل مقاولاتهم!

بل يجب، في منطق هؤلاء، الامتناع أصلا عن تأسيس نقابات عمالية أو مهنية لأنها « قد تختار » المشاركة في مؤسسات شكلية لا دور لها في نظام مصنف عالميا ضمن الأنظمة السلطوية!!

منطق القانون

معلوم أن بين الانتخابات المباشرة وغير المباشرة فروقا جوهرية من بينها اختلاف الهيئة الناخبة، ففي حين يصوت عامة الشعب في الانتخابات الجماعية ومجلس النواب لا يحق إلا لمن له صفة معينة أن يصوت في انتخابات مجلس المستشارين. وكلاهما يحتاج لإثبات «الأهلية» من خلال بيان الهوية. هوية الأول هي بطاقة التعريف التي تشهد للمصوت على أهليته لانتخاب من يمثله في الجماعة أو مجلس النواب، وهوية الثاني هي صفة حزبية أو اجتماعية أو اقتصادية تخول له دون غيره اختيار من يمثله في مجلس المستشارين.

في السياق النقابي تتقدم النقابات بلوائحها لانتخابات المستشارين، ولا شيء يمنعها بعدم الترشح لهذا المجلس، لكن لا يحق سوى للمناديب الرسميون للأجراء بالتصويت لصالح لوائح النقابات؛ بمعنى أن صفة «المندوب الرسمي» هي الأهلية الواجبة لمن يريد أن يصوت لمجلس المستشارين. هل يقبل عقلا أن يُخوَّن المواطن الذي يمتلك الأهلية للتصويت في الانتخابات المباشرة إنْ قاطعها؟ فكيف يخون مندوب الأجراء!

لا ينتخب الأجراءُ مندوبهم لكي يمثلهم في البرلمان وإنما لكي يمثلهم داخل مؤسسة الشغل، من أجل أهداف محصورة حددتها مدونة الشغل في المادة 432 فقالت: تتمثل مهمة مندوبي الأجراء في: – تقديم جميع الشكايات الفردية، المتعلقة بظروف الشغل الناتجة عن تطبيق تشريع الشغل أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي، إلى المشغل، إذا لم تقع الاستجابة لها مباشرة؛ – إحالة تلك الشكايات إلى العون المكلف بتفتيش الشغل، إذا استمر الخلاف بشأنها).

هذا في القطاع الخاص، أما في الوظيفة العمومية فيتم تفصيل مهام ممثلي الموظفين في إطار اللجان الثنائية كالتالي: النظر في ترسيم الموظفين وترقيتهم، لها دور المجلس التأديبي، النظر في محو العقوبة التأديبية، الاستشارة في سحب أثر العقوبة المتخذة في حق الموظف بعد مرور الآجال القانونية، إبداء الرأي في حالة امتناع عن قبول استقالة الموظف، النظر في إعفاء الموظف أو إحالته على التقاعد بسبب عدم كفاءته المهنية…

هل في هذه الاختصاصات شيء يخالف منطق العدل والإحسان؟ وهل من المنطق أن نُسفّه موقف المقاطعين لمجلس المستشارين لأن الدستور أعطى لهؤلاء المناديب الحق في التصويت ولم يلزمهم بذلك. لو كان إلزاميا على الهيئة الناخبة أن تصوت لهان الإشكال.

منطق الواقعية

سمعنا قبل أيام من وزير ورئيس حزب مشارك في التحالف الحكومي يطالب بالتراجع عن نظام المجلسين لأن مجلس المستشارين لا يمكن أن يؤدي الوظائف الدستورية المقررة بإزاء واقع الحال. سيقول قائل إنه موقف نشاز لقيادة سياسية مفجوعة من نتائج الانتخابات… قد يكون الأمر كذلك في انتخابات كان شعارها المال ثم المال لحيازة المقعد، ولم تقتصر الفاجعة على سياسي أو نقابي معزول بل إن الغالبية تشتكي… لكن ضد مجهول…

كيف نقرأ نسبة المشاركة لتكوين هذا المجلس فقط من خلال هيئة ممثلي المأجورين؟ الذين لهم الحق في التصويت على لوائح النقابات كان عددهم حتى 15 يونيو 2015 في حدود 34946 صوّت منهم فقط 14 ألف و926 على لوائح النقابات السبعة أي بنسبة 42%، وقاطع ما مجموعه 20 ألف من المناديب الرسميون للأجراء؟ هل هؤلاء اقتنعوا بموقف العدل الإحسان أم أن شيئا آخر لا يحفزهم لممارسة هذا الحق؟ أيجوز تخوين 58% من المقاطعين؟

أكاد أسمع إلى من يقول الآن من النقابيين : المقاطعون هم من الفئة الغالبة من المناديب المستقلين عن النقابات… بعض ذلك صحيح، لكن لماذا كنتم متخوفون من نقابة حزب البام أن تحوز أصوات المناديب المستقلين وارتحتم لما لم تتعدى مقعدا واحدا؟ لماذا لا تستطيعون إقناع هذه الفئة بالانضمام إلى العمل النقابي؟

المنطق النقابي

من بين 76 دولة ذات البرلمان ثنائي التمثيل bicaméral (نواب ومستشارون) فقط المغرب من جعل كوطا للنقابات في مجلس المستشارين، هذا الشذوذ كانت تشترك معنا فيه تونس لكنها ألغته بدستور 2014.

في تونس رضي النقابيون الذين كانوا شركاء في الثورة بهذه الوضعية التي تمنعهم من الدخول للبرلمان بصفتهم النقابية، أما في المغرب فإن النقابات التي لم تشارك في الحراك حافظ لها النظام على بعض المقاعد في البرلمان بعدما كان النص الأول للتعديل الدستوري لـ2011 يروم الاكتفاء بتمثيلية النقابيين فقط في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

هنا تكمن مشكلة عدم الثقة في العمل النقابي وفي عدم فاعليته داخل المؤسسة التشريعية التي أنهت، بوجود النقابات، مع ملفات اجتماعية كبيرة ضد المصلحة العليا للوطن والمواطنين. هل أحتاج إلى حجج من قبيل تفويت المؤسسات العمومية إلى القطاع الخاص وتحويل المرافق العمومية إلى شركات مساهمة تبحث عن مزيد من الأرباح بإزاء وسائل من قبيل قتل العمل النقابي… أمامكم نموذج واضح في قطاع الاتصالات والبريد ثم الفوسفاط والطاقة على نفس الخطى. شاركت النقابات في النقاش حول مدونة الشغل لسنوات عديدة ومع ذلك تَقرّر العقاب في المواد 19 و39 من المدونة على النقابيين المضربين! وتشارك النقابات في التناظر حول المادة 288 من القانون الجنائي، وتراسل الهيئات الدولية في المجال وتستنجد بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي “ينصفها” بتوصية معزولة… أما الحكومة فعازمة على الاحتفاظ بالمادة 288 من القانون الجنائي التي تجرّم الإضراب!

النقابات لا تقوم بشيء حتى يخرج مشروع قانون الإضراب الذي يقرر عقوبات على المضربين…! وواقع الحال يقول أن النقابات تدافع عن سلاحها الوحيد “الإضراب” بإزاء وسائل ليست ضمن عتادها وفي حلبة هي فيها اللاعب الأضعف… ميدان التشريع!

ماذا لو قاطعت النقابات السباق نحو مجلس المستشارين؟ الذي لم ولن ينفعها في توقيف أي من هذه القوانين أو التأثير في مسالكها التشريعية. ماذا لو تصالحت النقابات مع النضال، ومع حركة المجتمع، ومع العمق الجماهيري…؟ تلك العنوانين التي تعتبر مدخلا أصيلا لمبادئ وهويات العمل النقابي وشروطا رئيسة للتحول من بنيات “الضبط الاجتماعي” إلى مشروع “الحركة العمالية”.

بدون هذه العناوين لن تتشافى النقابات ولو اعترفت ببعض العلل من قبيل اعترافها بعبثية مجلس المستشارين، حيث في 19 أبريل 2008 قررت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الانسحاب من مجلس المستشارين، ثم عللت قرار انسحابها بسبب قصور مجلس المستشارين عن القيام بمهامه وأدواره في التشريع ومراقبة الحكومة وما يطبع أشغاله من بؤس في التعاطي مع القضايا الوطنية التي تحكم مستقبل المغرب، فضلا عن غياب التصور في معالجة الملفات المختلفة).

لماذا لا تعتزل العدل الإحسان العمل النقابي وحال النقابات كما أسلفنا؟ لسبب بسيط هو أن العدل والإحسان ليست حركة عدمية لأنها تراهن ليس على الإطارات الميتة ولكن على الفاعلين الأحياء وهؤلاء لا يزالون يقاومون أجهزة التسلط من مواقعهم النقابية والاجتماعية إلى أن يقتنعوا بالحتمية الجماعية للخلاص.

الخلاصة

الذي يقرأ بموضوعية أدبيات العدل والإحسان يكتشف بسهولة أنها لا ترفض المشاركة في البرلمان، ترشيحا أو تصويتا، من حيث كونه يحمل هذا الاسم، إنما سبب الرفض هو كون هذه المؤسسة، الضرورية في السياق الديمقراطي، أفرغها الاستبداد المغربي من وظائفها الدستورية المُعلنة وحولها إلى سرك كبير يُكرِّس من خلالها عدم أحقية الأمة بالسيادة فيتكرَّس احتكارُها من طرف مؤسسات الملك.

العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا وإنما حركة اجتماعية، ومنطقُ عملِ الحركات الاجتماعية يقول بأنها يجب أن تملأ الفراغات التي تتركها السلطوية، التي لا تعترف في الغالب بتلك الحركات الاجتماعية، لكي تتوسع في «مؤسسات الجماهير» بإزاء مشروع يروم تغيير الأسس الاجتماعية ولا يستهدف الدخول والتمدد في «مؤسسات النظام» السلطوي. أما إذا طـُـلب من تلك الحركات الاجتماعية بأن تختار بين أمرين إما الدخول في مؤسسات النظام أو الانعزال عن المجتمع، فإن الطالب يخيرها بين التحزب المُدان أو العصيان المدني.