إذا كان كلام العقلاء منزها عن العبث، كما يقال، فما البال بمواقف الدولة وقراراتها، باعتبارها مسؤولة أمام الشعب الذي يفترض أنها تستمد منه الشرعية والسلطة. وفي الحالة المغربية تكاد تنعدم مسؤولية الدولة في العديد من الاستحقاقات في إصرار غريب على الاستخفاف بمشاعر المغاربة قبل ذكائهم؛ استخفاف يؤكد زيف شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، ففي كل نازلة/استحقاق تخلف الدولة الموعد وتهدر الفرصة وتُسلك دروبٌ ومسالكُ ملتويةٌ التفافا على الحقيقة وتغليطا للرأي العام.

1. قضية الإسباني مغتصب الأطفال

تفاعل الشارع المغربي مع فضيحة العفو عن مغتصب الأطفال، وعوض تنوير الرأي العام بملابسات الفضيحة وتقديم المسؤولين الفعليين عمن سولت لهم أنفسهم العبث بمشاعر المغاربة وكبريائهم اكتفي بإعفاء المسؤول عن إدارة السجون ضربا لعصفورين بحجر واحد: التخلص من مسؤول تردد اسمه في تقارير حقوقية عديدة وغدا عبئا على الدولة، وامتصاص غضب الشارع من حادث اغتصاب الأطفال.

2. فيضانات كلميم

لم تقتصر الفيضانات على فضح هشاشة البنية التحتية التي تقدم في الخطاب الرسمي ومناسبات التدشين أوراشا كبرى ترقى بالمغرب إلى مصاف الدول الراقية، مغرب اندرس فيه العوز والحرمان وحوربت فيه الأمية واستأصلت الأمراض، فلا عجب أن يسوَّق الفائض إلى دول الجوار الإفريقي، بل إن هول النازلة جلّـى تنكر أجهزة الدولة لأبسط واجباتها نحو المواطن وسلامته، إذ تركت العالقين يواجهون مصيرهم بإمكانيات بدائية، اللهم إذا بلغ إلى علم السلطات وجود أجانب بين العالقين، عندها تتحرك الطائرات المروحية وتستنفر الأجهزة الخاصة، وستبقى صورة نقل من قضوْا غرقا على متن شاحنات القمامة راسخة في الذاكرة الشعبية ومعبرة عن قيمة المواطن في وطنه.

3. مهرجان موازين والسهرة إياها

دورة بعد أخرى يتأكد أن المهرجان اكتسب صفة “السيادي”، ليس فقط من خلال مستوى رعايته، بل من خلال الإصرار الممنهج على زرع بذور الاستقطاب القيمي الهوياتي صناعة لمعارك مفتعلة تُهدر فيها الجهود والأوقات عوض الانكباب على قضايا مجتمعية حقيقية. وحيث تحرص الجهات المنظمة على تحرير مساحة أكبر في كل دورة نيلا من رصيد الحياء والعفة المجتمعيين، جاء نقل السهرة المعلومة بواسطة الإعلام العمومي وفي وقت الذروة ليضع الدولة وليس الحكومة فقط أمام حرج كبير، أو هكذا يتصور عموم الشعب، لتختار أسلوب التعويم ويؤثـِـر مسؤولون حكوميون شيمة التواضع مكتفين بنشر مواقفهم ومشاعرهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي مطالبين بمحاسبة المسؤولين.

4. تسريب امتحانات الباكالوريا

بدا أن تسريب امتحانات الباكالوريا لا يرقى إلى قضية من عيار ما سبق، وأن الكشف عن المتلاعب بمصداقية الباكالوريا المغربية خارجيا لن يتأخر، لكن تأكد مرة أخرى أن وراء الحادث تمساح أو دينصور كبير، فرغم فداحة النازلة وتداعياتها على المنظومة التعليمية ككل، تم التعامل معها بنفس المنطق: التفاف، تسويف، تغليط الرأي العام، سكوت وطي الملف، مقابل تسليط الضوء على حالات الغش التي مهما ضُخمت تبقى معزولة وأقل تأثيرا من فضيحة تسريب مواد من امتحانات الباكالوريا وليس مادة الرياضيات فقط.

5. انتخاب مجلس المستشارين

لعل الصفة التي لازمت استحقاقات 04 شتنبر 2015 هي ارتفاع منسوب تبادل التهم بين حزب العدالة والتنمية القائد للائتلاف الحكومي وبين قطبي المعارضة الأصالة والمعاصرة والاستقلال، تبادل قصف خطابي ارتقى أحيانا لاتهام مباشر يقتضي في الدول الديمقراطية فتح تحقيق ومساءلة قضائية صيانة للممارسة السياسية من العبث، وإلا ما معنى أن يُتهم طرف باستعمال عائدات الاتجار في المخدرات في شراء الأصوات واستمالة الناخبين ولا تتحرك الجهات القضائية التي لا تتردد في متابعة صحفيين من خلال قراءة ما بين سطور ما يخطون؟

لقد ارتفعت أصوات هيئات سياسية وفعاليات أكاديمية وحقوقية تشجب افتقار الاستحقاق الانتخابي لشروط النزاهة والتنافس والمصداقية، وهو ما يضفي على الاستحقاق الانتخابي صفة الشكلية والعبثية، غير أن صرخة نبيل بنعبد الله بصفته وزيرا ووصفه عملية انتخاب أعضاء مجلس المستشارين بالفضيحة الكبرى، ذلك أن حوالي 70 في المائة من الأصوات المحصلة حيزت بشراء أصوات الناخبين الكبار، حيث علا رنين الدراهم بالملايين للصوت الواحد على الالتزام السياسي قبل الأخلاقي. أزمة سياسية لم تجد الحكومة في شخصي وزير العدل والحريات ووزير الداخلية بدا، حفاظا على ماء وجه الحكومة، من الاعتراف بإمكانية وجود بعض حالات استعمال المال في انتخاب مجلس المستشارين، والحال أن قيمة الصوت وكلفة الفوز برئاسة المجالس المنتخبة ترابية أو إقليمية أو جهوية معلومة لدى العام قبل الخاص. ترى كيف يستقيم أن يسائل عضو أو فريق سياسي الحكومة عن سوء تدبير أو تقصير أو هدر للمال العام وهو يعرف جيدا كيف سلك إلى المجلس واكتسب صفة “المستشار المحترم”؟ أليس الأولى فتح تحقيق نزيه ومستقل قد يخلص لإلغاء هذا الاستحقاق؟

6. الأزمة الدبلوماسية مع السويد

دون سابق إنذار انفجرت أزمة دبلوماسية بين المغرب والسويد بسبب إعداد مشروع قرار تعترف بمقتضاه دولة السويد بعد برلمانها بجبهة البوليساريو، ووفاء لنفس النهج الالتفافي، وعوض سلوك القنوات الدبلوماسية، وقبلها تفقد الماكينة الدبلوماسية الرسمية التي لازمها الإخفاق لأسباب تتمثل في احتكار القصر لملف السياسة الخارجية وإدارة ملف الوحدة الترابية بأسلوب عتيق غدا متجاوزا من جهة، وفي تلكؤ النظام في الانخراط في مشروع إصلاحي حقيقي يكرس التداول الفعلي على السلطة ويرسخ الحريات والحقوق ويوزع الثروة بل وينتجها؛ بدل ذلك، ورطت الدولة نفسها في دوامة من العداء سيتجاوز دولة السويد إلى الدائرة الاسكندنافية وربما منظومة الاتحاد الأوروبي.

7. حادث ازدحام مِـنـى

تفاجأ المغاربة عموما، وأهالي الحجاج خصوصا لتدبير الجهات المعنية لحادث ازدحام منى ضُحى الخميس 10 ذي الحجة، ففي الوقت الذي بادرت دول كثيرة لمواكبة الحادث أولا بأول توارت أجهزة الدولة المغربية وأخلت المجال لانتشار أخبار غير مؤكدة من هنا وهناك لتنقلب فرحة العيد إلى نكد وقلق تتزايد حدتهما مع ارتفاع عدد الضحايا، قبل أن تستجمع أنفاسها وتطلع على المغاربة ببيانات غير دقيقة، فقد صرح أحد المعلقين في مواقع التواصل الاجتماعي على بيان الديوان الملكي بوفاة ثلاثة حجاج مغاربة قائلا: لقد توفيت خالتي واثنين من جيراننا، فهل هؤلاء من يعنيهم البيان!. السؤال: لماذا تكون مؤسسات الدولة دون انتظارات المواطنين وقت الأزمات، إن على مستوى الخدمات أو على مستوى تنوير الرأي العام بالمعلومة دقيقة وفي وقتها؟ وارتباطا بموسم الحج، إلى متى سيظل تدبير ملف الحج يراكم الإخفاقات وسوء الخدمات مقارنة ببلدان متواضعة إمكانيات وموارد بشرية؟

أزمات وفضائح وقضايا لم تواكبها عمليات استقالة أو متابعة أو اعتذار ـ وهذا أضعف الإيمان ـ في إصرار غريب على أن الجناية في حق الشعب وقيمه وسيادته ـ ومهما عظمت ـ لا تزعج القائمين على شأنه ما داموا يعتبرون أنفسهم غير مسؤولين أمام الشعب.