أجرت يومية المساء، في عدد السبت والأحد 3 و4 أكتوبر الجاري، حوارا مطولا مع الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تخص الجماعة وطريقة اشتغالها الداخلية وعلاقتها بمختلف الأطراف وموقفها من الانتخابات الأخيرة، نعيد نشره تعميما للفائدة:

قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، خاضت جماعة والعدل والإحسان صراعا عنيفا مع حزب العدالة والتنمية تبادل خلاله الطرفان الاتهامات، ووصل الأمر إلى حد التراشق الإعلامي، ما مبعث هذا الصراع؟

ليس هناك أي صراع عنيف مع أي حزب.. وإنما يتعلق الأمر بالتعبير عن مواقفنا من الانتخابات التي كانت صريحة ومسؤولة. وإذا كنت تقصد بعض الأخذ والرد الذي جرى بين بعض القيادات من الطرفين فإنه لم يخرج في عمومه عن الآداب المطلوبة في هذا السياق. أما التعليقات الفردية غير المسؤولة والمتجاوزة لحدود الأخلاق الإسلامية والآداب المرجوة في النقاشات والردود بين الطرفين فنحن غير مسؤولين عنها ونرجو لأصحابها السداد والاستقامة.

فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد وغيرهما “لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِئِ”.

أفهم من كلامك أنه ليس هناك أي خلاف بينكم وبين حزب العدالة والتنمية، وكل ما حدث كان مجرد اختلاف في وجهات النظر.

الاختلاف واضح بيننا وبين حزب العدالة والتنمية في منطلقات التغيير وفي منهجيته. نحن لا نرى فائدة في الانخراط في وضع مستبد يعمل على حل مشاكل النظام في مزيد من السيطرة والاستحواذ والاستفراد بالتدبير الحقيقي لشؤون البلد، ولا يعمل على حل مشاكل الشعب في الحرية والعدل وتكافؤ الفرص والعيش الكريم. أما بخصوص الانتخابات فمواقفنا واضحة لا تقية فيها أو تلبيس على الناس. نحن قاطعنا ودعونا للمقاطعة بشكل بين وجلي لا يحتمل أي تأويل آخر.

لكن عبد الإله بن كيران قال في آخر خروج إعلامي له قبل الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة إن العدل والإحسان تعرف مع من ستتفاوض وأن ملف الجماعة ليس بيده، كيف تنظرون إلى هذا التصريح؟

صحيح أن الملفات الأساسية ليست بيد الحكومة كالملفات الاقتصادية الكبرى والشؤون الخارجية وملف الصحراء والملفات الأمنية والتعليم والأوقاف وتدبير ما يسمونه الشأن الديني وغيرها لأنها حكومة لا تحكم، بل هي حكومة واجهة تزيينية يراد لها إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه من طبيعة حقيقية لاستبداد وفساد جاثمين على صدر هذا الوطن الحبيب.. وطبعا ملف العدل والإحسان من هذه الملفات الكبرى الشاهدة على وجود الاستبداد والظلم الذي يرفض تمتيع معارضة سلمية ومسؤولة بحقوقها التامة في العمل.. لكن في تقديرنا ليس من المسؤولية في شيء الرضا بمنطق السلطة الحاكمة فعليا التي تجعل كثيرا من الأحزاب هيآت خادمة وموظفة في مشروع مخزني أحادي الاتجاه ومعد سلفا ومحصن بأقفال تسلطية تعمل على إخضاع وإضعاف الجميع ليبقى قوي واحد يصول ويجول في الساحة السياسية ويدير اللعبة في الاتجاهات التي يريد ويمسح في هذه الأحزاب كل الإخفاقات.

الذي يفهم من كلام ابن كيران، أن ملف جماعة العدل والإحسان في يد القصر بمعنى آخر أن قضية حظر الجماعة لا يمكن أن تحل إذا لم تكن هناك مفاوضات مباشرة مع الملك.. ألم يحن الوقت بعد للخروج من دائرة الحظر؟

جوهر المشكل أن النظام عندنا في المغرب لا يؤمن بالشراكة الحقيقية بين القوى السياسية من أجل تدبير الشأن العام للبلد كما هو متعارف عليه في كل بيئة شورية وديمقراطية معاصرة وهذا ناتج في تقديرنا عن غياب إرادة حقيقية للإصلاح عند النظام من جهة، ومن جهة ثانية ناتج عن وجود هيآت سياسية قبلت الخضوع لمنطق التحكم، وقبلت لعب دور مشوه في عملية سياسية مغشوشة وعبثية يخيل إلى بعض الناظرين إلى واجهتها أنها تسعى نحو إصلاح أو تغيير ما، وهي في حقيقة الأمر تكرس وضعا فاسدا قائما وتضيع على الأمة في كل مرة فرص الانطلاق الجدي نحو الإصلاح الحقيقي الذي يقطع فعليا مع المنظومة المتعفنة للفساد والاستبداد. ولا ضير وقتئذ أن يكون الإصلاح خطوة خطوة.. لهذا وفي غياب مقومات الحد الأدنى لتأسيس عمل سياسي جاد فإن الجماعة غير مستعدة نهائيا للمشاركة في تسويق الوهم للشعب المغربي ولعب دور شاهد زور في عملية فاسدة من أولها إلى آخرها.

إلياس العماري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، أكد في حوار سابق مع الجريدة أن جماعتكم ساندت حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة، وقال إنكما تتقاسمان نفس المشروع المجتمعي نافيا أن يكون هناك أي تعارض بينكما.. كيف ترى مثل هذا التصريح؟

في الحقيقة الوضع الذي عليه الجماعة من الوضوح والسلمية وقوة الموقف والثبات على المبادئ وصدق النصيحة للحاكم وللشعب، برغم الحصار والتضييقات يمتعضه الدائرون في فلك السلطة، ويودون لو ارتمت في الأحضان كما ارتموا، وقبلت بما قبلوا وأخذت نصيبها من كعكة النظام وعلى الشعب السلام.. لهذا يحاول البعض خلط الأوراق في محاولة لتيئيس الشعب من كل الفاعلين على مستوى المجتمع بما فيهم الجماعة. لكن مثل هذه الدعاوى متهافتة ولا تنطلي على ذي عقل.

دعوتم إلى مقاطعة الانتخابات الجماعية والجهوية وشككتم في نسب المشاركة الانتخابية التي أعلنتها وزارة الداخلية، إلى ماذا استندتم للقول إن نسبة المشاركة المعلنة لم تكن حقيقية؟

واضح أن السلطة تقوم بالتدليس في ما يخص هذه النقطة. إذ كيف يعقل أن يتم احتساب نسبة المشاركة من عدد المسجلين وليس من عدد الذين لهم حق التصويت وهم أكثر من 26 مليون مغربي ومغربية؟ وقد تحدث عن هذا كثير من المحللين السياسيين وفصلوا في ذلك وانطلاقا من أرقام وزارة الداخلية بينوا أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 30% دون احتساب الأوراق الملغاة التي قاربت المليون. والمهم من هذا المعطى أن نزول السلطة ومعها المنخرطين في اللعبة ومعهم كل وسائل الإعلام والدعاية والدعم السخي والمال المشروع وغير المشروع، كل ذلك لم يستطع إقناع عموم المغاربة بجدوى هذه العملية السياسية. والحصيلة من هذا كله أن هناك مشكلا سياسيا حقيقيا وكبيرا في بلدنا جعل الشعب يفقد الثقة في سلوك الحاكمين ويوجه بعزوفه رسالة واضحة لمن يهمه الأمر أن قد استبصر الجميع بعبثية هذا المسار وغوغائيته خصوصا ما تبعه من استهتار بإرادة القلة التي صوتت وتحريف توجهات الناخبين برشاوى بلغت عشرات ومئات الملايين واستعمال النفوذ في افتراس المناصب وتشكيل مجالس مناقضة تماما لاتجاهات التصويت الشعبي، مما يفرغ العملية السياسية المخزنية الهجينة من كل مصداقية ويحكم بتفاهتها ويكشف نوايا النظام منها بكونها ملهاة لاستمالة النخبة وترويضها وتدنيسها أمام الرأي العام ومحاولة إظهار النظام بمظهر المنقذ الذي لم يجد سندا من نخبة ذات مروءة.

تصر جماعة العدل والإحسان على أن تشتغل في دائرة السر، فلا أحد عرف كيف تمت طريقة انتخابكم خلفا للشيخ عبد السلام ياسين، ولا أحد يعرف كذلك كيف تشتغلون وكأن الأمر يتعلق بمنظمة سرية تشتغل في دولة بوليسية، الشيء الذي يمنح الانطباع لدى المتتبعين أن الجماعة ترفض خيار الانفتاح.. هل تتفق معي؟

منذ انطلقت الجماعة وهي تصر على الوضوح والعمل العلني. لكن تعسف السلطة هو الذي حال ويحول أمام ظهور أنشطة الجماعة إلى العلن. ولطالما طلبت الجماعة وفي مناسبات عديدة عقد لقاءات واجتماعات في قاعات عمومية ويتم الرفض. أما الجماعة فهي منفتحة على الجميع ويدل على ذلك شبكات تواصلها المتنوعة وعلاقاتها المقدرة مع مختلف الفاعلين الإعلاميين والسياسيين والحقوقيين والدعويين وغيرهم.

يبدو أن موت الشيخ عبد السلام ياسين أثر كثيرا على إشعاع الجماعة وعلى قيادتها، ففي الوقت الذي كان مرجعا يحتكم إليه لحل الخلافات الداخلية وتجنيب الجماعة خطر الانشقاق، طفت الخلافات على السطح بين قياداتها ولم تعد الجماعة تتوفر على ذات التأثير الذي كانت تتمتع به حينما كان الشيخ عبد السلام ياسين مرشدا عاما للجماعة…

الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المؤسس له مكانته وتقديره الخاص حيا وميتا الآن في الجماعة، ونحسب أن ذلك سيستمر في الأجيال اللاحقة إن شاء الله، نظرا لما حظي به جيل التأسيس والجيل الثاني والثالث من صحبة ورعاية وتربية وحنو وتوجيه وتعليم وتنظير وبث للأنوار الربانية في النفوس، ولقيم الشجاعة والشهامة والأخلاق الفاضلة، والالتزام بالقيم الشورية وبتطبيقاتها العملية، والإيثار والمبادرة إلى الخيرات وإلى تجديد التوبة والعكوف على باب الرحيم الودود دعاء وتضرعا وابتهالا. والجماعة الآن سائرة على هذا المنوال بإذن الله لن تزل أو تضل. وقد لملمت أحزان الفراق الصعب للإمام رحمه الله وتعزت في فقده برسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلقت منذ الوهلة الأولى للعمل على ما مات عليه الإمام رحمه الله وهو خدمة الدعوة والاستمرار في إنجاز وإنجاح مختلف المهمات المطلوبة بنفس الروح الأخوية التي انطلقت بها الجماعة منذ تأسيسها وبالاحتكام للمبادئ الشورية الملزمة والمفتوحة التي أسس لها الإمام نفسه رحمه الله قيد حياته. أما ما سميته خلافات داخلية بالمعنى المعروف داخل مجموعة من التنظيمات بين القيادات أو بين تيارات فقد عصم الله منها الجماعة بحمد الله ونسأل الله تمام النعمة والسلامة والعافية حالا واستقبالا، والجماعة غير منزهة عن الخطأ.

ولعل جعل “النصيحة والشورى” في منهاجنا واسطة عقد النواظم الثلاث – بعد الحب في الله – من العواصم التي حفظ بها الله الجماعة من الخلافات الممزقة ومن التيارات المتنازعة، فكل مؤسسات الجماعة محليا وقطريا مبنية على الشورى والنصيحة بصدقها وضوابطها وآدابها، ولكل واحد داخل الجماعة الحق -بل من واجبه وهو مسؤول عن ذلك- في أن ينصح ويقول ما يرى فيه صوابا وخيرا للدعوة وسير الجماعة متى صلحت النية وكان الحادي الصدق مع الله وابتغاء وجهه والدار الآخرة، فمن أهم ما ربى عليه الأستاذ المرشد رحمه الله رحمة واسعة قيادات الجماعة وأعضاءها النفور من حب الرئاسة وحب الظهور وما ينتج عنهما من أمراض الانتصار للنفس وغلبة الهوى وتلبيس إبليس.

أريد أن أسألك بشكل صريح: هل لدى الجماعة رغبة حقيقية في أن تتحول إلى حزب سياسي؟

جماعة العدل والإحسان حركة دعوية تربوية في الأساس. والسياسة بعض ما تشتغل به لأنها من الأمور التي أقر الشرع الاهتمام بها لارتباطها بتدبير شؤون الناس خدمة وتواضعا لا غنيمة واستكبارا. لهذا فغير مطروح نهائيا أن تتخلى الجماعة عن وظيفتها الدعوية والتربوية وتتحول إلى نادي سياسي محض. أما تأسيس حزب سياسي يعبر عن رؤية الجماعة السياسية وعن رؤاها واختياراتها وعن اقتراحاتها للنهوض بالشأن العام فنعتبره حقا لكل الهيآت والتيارات، وتعتبره السلطة منحة وامتيازا يعطى لزبناء سياسيين يقبلونه بشروط السلطة ويأتون خاضعين غير معترضين على اختيارات السلطة الفعلية في البلد ليتصارعوا مع حكومة صورية ويتم إخراج مشهد سياسي عقيم يدور بالبلد في حلقات مفرغة. يوم تتحرك في النفوس الغيرة الحقيقية على الوطن وعن التخلف الذي يعيشه وعن المآسي التي تتخبط فيها فئات عريضة من هذا الشعب المكلوم، ويوم تنبعث الجدية وينبعث الصدق أو يضطر الوضع المتفاقم سياسيا واجتماعيا مضطرا إلى هذه الجدية، يومها يكون للكلام في تقديرنا عن حزب سياسي معنى معتبر.

تقصدون أنه إذا توفرت الشروط التي تتحدثون عنها، ستفكرون في إنشاء حزب سياسي؟

الحزب السياسي نقطة في بحر الإشكالات الكبرى التي ينبغي حلها في المغرب. لهذا همنا منصب على إيجاد حل لهذه المعضلات الكبرى ومسألة الحزب لا تمثل لنا هاجسا لأننا نرفضها أصلا في ظل المعطيات المشوهة الحالية من جهة، ولأننا نعتبرها تبعا لقضية الحقوق والعدالة والحريات وربط المسؤولية بالانتخابات الحرة وبالصلاحيات الكاملة وبالمحاسبة من جهة أخرى. فإذا حلت هذه الإشكالات حلت النقاط الفرعية التابعة.

واحد من الأسباب التي تجعل الدولة تتوجس منكم هو الطريقة التي تشتغلون بها، إذ رفضتم في مرات كثيرة أن تعلنوا عن العدد الحقيقي للمنتسبين إلى الجماعة، هل أنتم مستعدون للدخول في حوار مباشر مع الدولة لإنهاء حالة “البرود التام” في العلاقة بينكما دون شروط مسبقة؟

في دولة كالمغرب تحصي أنفاس مواطنيها، وفي ظل عمل شبه علني للجماعة قد لا تحتاج السلطة لكثير عناء لمعرفة الأعداد التقريبية لأعضاء الجماعة. كما أن المتتبع للشأن العام يقدر حجم الجماعة في المجتمع وحضورها الدعوي والسياسي. ونحن ليس همنا أعدادنا بالدرجة الأولى رغم تزايد الإقبال على الجماعة ومشروعها ولله الحمد، لكن همنا الأكبر بعد طلب رضا الله ورحمته ومغفرته هو هذا الوطن كيف يلتئم شمله ويعيش كل أبنائه تحت سقف واحد في سكينة وأمن وطمأنينة وتوافق وتعاون على البر والخير والتقوى، وكيف ينطلق حقيقة نحو حياة الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. قال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. ونحن على استعداد لكل حوار جاد من أجل هذه المبادئ.

في حوار مع المؤرخ زكي مبارك قال بالحرف إن شيخ الجماعة الراحل كان معجبا بتجربة الإخوان المسلمين بمصر، هل تريدون استنساخ التجربة ذاتها في بعديها السياسي والدعوي؟

يعلم الجميع استقلالية وتميز عمل الجماعة تجاه الداخل والخارج تصورا ومنهاجا وقرارا. فهي ليست نسخة مكررة لجهة ما. وحديث المرشد رحمه الله عن تجربة الإخوان فرج الله عنهم يأتي في سياق قناعته بضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين مسلمين كانوا أو غير مسلمين. لأن الحكمة ضالة المؤمن كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور.

ألا تعتقدون أن الصراع مع الدولة يضعف الجماعة أكثر مما يقويها ويجعل دائرة تأثيرها محدودة جدا؟

غير وارد في منهاج الجماعة الصراع مع أي كان. فالجماعة سلمية ومتواصلة وذات مؤسسات مسؤولة. وكل ما يقع من تضييق على الحريات والأرزاق واعتقالات ومصادرة الحقوق وتشميع البيوت لسنوات ظلما وعدوانا، كل هذا إنما يقع من مصدر واحد، من السلطة ضد الجماعة وضد غيرها من المعارضين للوضع المستبد الحالي. وهذه الممارسات ليست وليدة اليوم بل مست المرشد رحمه الله حتى قبل تأسيس الجماعة بقرابة عقد من الزمن، ثم صاحب هذا القمع الجماعة منذ التأسيس إلى الآن ولم يؤثر على حضورها وانتشارها. أما دوائر تأثيرها الدعوية والسياسية والاجتماعية وغيرها فمعلومة لدى الخاص والعام.