الفصل الأول: مأزق التفكير الاستراتيجي وقصوره

المبحث الأول: التفكير الاستراتيجي وسياقه

قبل الخوض في بيان أهم الفروق الجوهرية بين التفكيرين؛ الاستراتيجي والمصيري، لابد من التأكيد على حجم الثغرة الهائل الذي أحدثه الرهان على التفكير الاستراتيجي كأداة للتصدي للمعضلات التي تضرب واقعنا في كل مجالاته ومستوياته وموضوعاته الفردية والجماعية، وامتدت هذه الثغرة إلى الواقع الدولي بسلبية غالبة وحاجبة لكثير من الإيجابيات التي لم تستطع التقدم إلى مواقع التأثير وبناء أساليب التدافع مع سلبيات مهيمنة على واقع العلاقات بين الأفراد والدول والشعوب، إلى أن وصلنا إلى وضع كارثي يعيش فيه الانسان العربي والمسلم بين سندان تدمير كل قواه ميدانيا وبين مطرقة انحسار حاد في أنظمة التفكير، في الغالب، منعها، هذا الانحسار، من رسم طريق الخروج من نفق مظلم لا تتشكل الصورة فيه إلا من دماء تسفك وحريات تسلب وأرض تخرب ودمار شامل؛ ذلك أن الانتقال من أنظمة التفكير التقليدية، التي هيمنت قرونا من الزمن على عقلنا العربي والإسلامي، حصل ضمن واقع الاستعمار والانبهار بالمنتوج الغربي الذي كرس كلية وجودية حاسمة في طبيعة وجوده متكونة من شطرين غير منفصلين؛ يتجلى الأول في تحديد موقع معين للدين في حركة المجتمع والدولة مفاده الانفصال التام على قاعدة أن الدين مسألة تتعلق بالفرد اتجاه خالقه فقط، ويتجلى الثاني في كلية النظام السياسي من حيث معنى السلط القائمة في المجتمع ومعنى العلاقة بينها، ومن حيث طبيعة المؤسسات التي تشكل الوسائل الكلية في إنجاز تفاصيل هذا النظام امتدادا في الزمان وتوسعا في الجغرافيا والمكان.

لقد خلق هذا الواقع ثلاثة أنماط على مستوى بناء الموقع والموقف لدى نخبنا.

الأول: الحفاظ على المواقع التقليدية من خلال متاريس ثابتة ليس لها الإمكانية على استيعاب التحولات والتغيرات الطارئة في الوجود البشري، ومن ثمة تم بناء مواقف غير منتبهة إلى حجم هذه التحولات والمعطيات التي أفرزتها حركة الغرب بناء على اشتغاله على القاعدة الكلية الوجودية المشار إليها، وغير مستشعرة لحجم الآثار المستقبلية لهذه التحولات على الواقع الإنساني.

ولا شك أن هذا النمط بنى مواقع هشة وضيقة حيث لم يستطع تجديد وسائله، وإن أتيحت لقسط هام منه إمكانات مادية ضخمة، وهو ما هيأه للاختراق الكبير من طرف التجربة الغربية والانخراط بوعي أو من دون وعي ضمن الاستراتيجية العامة لهذه التجربة من جهة بناء قيمها الجديدة وتصورها لأنظمة العلاقات بين الدول والشعوب وللنظام العالمي، ومن جهة التعامل مع نتائج هذا الاختراق في الواقع العربي والإسلامي، لكن الخطير هو استسلامه الكامل لنظام التفكير المشكل للعقلية الغربية عموما المتجلي في تحكم كليات التفكير الاستراتيجي كما صاغتها التجربة الغربية عند التصدي للقضايا التفصيلية مع بقاء الهيمنة لقواعد تفكير تقليدية هي نتاج الانكسار التاريخي الذي ضاعت معه كليات التفكير الإسلامي المستقلة وتبعثرت على صورة لا تسمح بالجمع من جديد في ظل الشروط القائمة؛ أي لا تسمح بالتحرر والاستقلال.

هنا كان التحالف بين بعض دول الخليج (خاصة آل سعود) في مراحل تاريخية معينة مع التجربة الوهابية أهم ركائز هذا النمط حيث استطاع الامتداد جغرافيا واخترق بنى أغلب تجارب الحركة الإسلامية بنسب متفاوتة وعادى بعضها إلى حد التكفير مستثمرا فائض البترول المالي والرمزي.

كما أن من تجليات هذا النمط تحالفه، في الغالب، مع الحكام أو سكوته عن مظالمهم، بناء على نظرية المستولي بالسيف التي قعد لها الفقه السلطاني عبر تاريخ الانكسار التاريخي منذ الانقلاب الأموي على نظام الخلافة. ذلك أنه لا يمكن فتح آفاق جديدة لأنظمة التفكير في عالمنا العربي والإسلامي مع بقاء الهيمنة لأنظمة سياسية جامدة مستندة إلى تفكير منحبس مهما تفاعل مع جزئيات الأمر الواقع.

الثاني: الانتقال الكلي إلى مواقع فكرية ونفسية وثقافية من إنتاج التجربة الغربية، ومن ثمة تشكلت مواقف هذا النمط انطلاقا من موقعه الجديد، مما أعطى تصورات غير بنائية؛ سواء من حيث الموقف من الماضي وتراثه ورجالاته ومن الواقع المعيش سياسيا واجتماعيا واقتصاديا…، أو من حيث الموقف من التجربة الغربية نقدا واستفادة؛ مما جعل أنظمة التفكير لديه غير قادرة على اختراق السقف الذي بنته التجربة الغربية، وغير قادرة على إعادة بناء واقعه هو بناء صحيحا وسليما وفق نسق وسياق مناسبين له. علما أن هذا النمط عاش تجارب من خلال ممارسة السلطة في مصر وتركيا وتونس وغيرها من الدول، كما ساد في أوساط النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وهو يدعو إلى القطيعة المنهجية التامة مع التراث واعتماد مفاهيم الحداثة الغربية كقاعدة للانطلاق نحو التقدم والرقي.

الثالث: بنى حركته الفكرية والنفسية والعملية على عملية تلفيقية من خلال مفهوم “الأصالة والمعاصرة”، وهو لم يكن عمليا إلا تشبثا ببعض الشكليات الفولكلورية في الفكر والنفس والحركة لا يمكنها أن تصمد أمام قوة المدلول الغربي من حيث مفاهيمه ومضامينه واستراتيجياته المرتكزة على مفهوم القوة كما يفهم الغرب الخارج من حروب بشعة القوة. مما جعل مواقف هذا النمط مرتبكة وغامضة اتجاه الماضي والحاضر والمستقبل.

طالع أيضا  من التفكير الاستراتيجي إلى التفكير المصيريأو من سياق الانكسار والاستعمار إلى سياق القوة والاستقلال 2/2

لقد راهن هذا النمط على عملية اختراق معقدة تستند على نظام تبيئة المفاهيم ومدلولاتها الغربية من خلال البحث عن مثيلاتها في التراث العربي والإسلامي بحيث تخضع لعملية ملأ معرفية تزيحها عن المعنى الموروث باعتباره عامل تخلف ويجعلها محتضنة للمعنى الحداثي الغربي لتنطلق الحركة نحو التقدم.

لقد أصيب هذا النمط بفشل سياسي كبير كما النمط الأول لما لم يستطعا مقاومة أنظمة استبدادية غالبا ما تحمل نفس شعاراتهما بطريقتها الخاصة، ولما لم يستطعا تعبئة الشعب نحو أطروحاتهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

كما أن هذه الأنماط الثلاث لم تستطع أن تلغي نمطا فرضت عليه الظروف مواقع هامشية مكنته من مواقع نقدية جعلت منها تطورات الأحداث تجربة يجب الانتباه إلى مضمونها الصافي وتطويره ليصبح معطى يمكن الاستفادة منه بما يسهم في تحول جوهري والخروج من الواقع المعيش، ذلك أن واقع الصراع المدمر والعنيف الذي يضرب في مجتمعاتنا اليوم لا يمكنه إلا أن يكون عامل فرملة وانتباه ضروريين لبيان مسؤولية الأنماط الثلاث في هذا الواقع ولاكتشاف الطريق لشق مسيرة بناء السياق الجديد المناسب للحرية من دون خوف والكرامة من دون حيف والقوة من دون عنف؛ ولن يكون ذلك إلا من خلال نظام تفكير يملك مقوماته الذاتية على المقاومة والزحف نحو التحرير الحقيقي.

لقد حاولت بعض الحركات الإسلامية أن تكون بديلا عن هذه الأنماط الثلاث وراكمت تجربة تتمتع بشيء من الاستقلالية، لكنها، في الغالب، لم تستطع أن تتخلص من آثار هذه الأنماط على الرغم من وعيها بعدم انسجامها مع اختياراتها، ولعل العامل وراء ذلك أنها لم تخرج من موقع ردة الفعل إلى موقع الفعل الشامل، مما جعلها قوة مجتمعية ضعيفة الأفق الفكري التحرري، ذلك أن رد الفعل مهما كان أثره المباشر لايمكنه أن يفتح أفقا كبيرا خاصا به، ومن ثمة يبقى رهين القوى الكبرى المهيمنة على الواقع والناجزة لسياقه.

لذلك يجب الانتباه إلى أن الواقع المعيش لم يكن وليد المؤامرات الخارجية الصرفة، بل ما كانت لتفعل هذه المؤامرات فعلها لولا هذا الصراع الوهمي بين هذه الأنماط الذي تحول من مستوى فوقي إلى تغطية كل المستويات التحتية للمجتمعات العربية والإسلامية مهددا بالانهيار الشامل، مما دفع كل نمط إلى التمترس حفاظا على مواقعه ومكتسباته من فترة الغموض والارتباك والاختراق ولم ينخرط في عملية حوارية تدافعية شاملة تستطيع أن تفرز العناصر الإيجابية الجامعة وتهمش وتبعد العناصر السلبية عن مواقع التأثير في العمليات الفكرية والنفسية والسياسية والاجتماعية والتفاعلية.

ولعل الضمانة الوحيدة التي بقيت والتي يمكن أن تغير وجه العالم هي أن الشعوب العربية والإسلامية لم تعلن انتقالها من مرجعيتها الجامعة؛ المرجعية الإسلامية، إلى مرجعية أخرى رغم عجز النمط الأول (نمط التقليد والجمود) وإصرار الثاني (نمط الانتقال الكلي) وارتباك واضطراب الثالث (نمط التلفيق بين الأصالة والمعاصرة) وضعف النمط البديل بسبب ضعف أفقه الفكري.

إنها ضمانة لم تتحول بعد إلى واقع علمي شامل يحرك الوعي ويبني الإرادة وينجز القوة المجتمعية وفق مشروع تجديدي شامل، وهنا مأزق التفكير الاستراتيجي وقصوره والحاجة إلى التفكير المصيري وتفاصيله.

فالتفكير الاستراتيجي الذي أصبح الوسيلة الكبرى في معالجة الأزمات الواقعة والمتوقعة لم يمنع من واقع الانهيار الذي تعيشه مجتمعات ومؤسسات متعددة ومتنوعة، ومن ثمة نحن بحاجة، تنزل منزلة الضرورة الوجودية، إلى التحرر من قبضة نظام تفكير لم يفتح أفقا تجديديا كافيا، ومن واقع صراعي صنعته تفاعلات الأنماط الثلاث في علاقتها بحركة الشعوب التواقة إلى الحرية والانعتاق، وفي علاقتها فيما بينها (أي الأنماط)، وفي علاقتها بامتداد التجربة الغربية زمانا ومكانا؛ حيث أفضى هذا الصراع إلى تمزق وتشرذم حادين قد تصبح رؤية الجمع معهما مستحيلة من زاوية نمط التفكير السائد حيث عمق واقع الانشطار المجتمعي العمودي على قواعد فئوية طائفية مذهبية عرقية قبلية وما شابه، الأمر الذي سيفضي، حتما، إلى صراع عنيف ومدمر وغير معلوم المدى.

فإذا كان هذا هو السياق الذي احتضن التفكير الاستراتيجي فماذا نعني به هنا.

التفكير الاستراتيجي أداة تدبير جزئية دون أن نغفل أن أصوله عسكرية حربية، ولهذا معناه وتجلياته في البناء النفسي عند الاكتفاء بسقف التفكير الاستراتيجي، الذي يشكل السياق الخاص للتخطيط الاستراتيجي والارتهان بطريقته في صياغة الأهداف.

لقد ترعرع نظام التفكير الاستراتيجي في المدرسة الغربية بعد إحكام قواعد نظامها السياسي الكلي فكرا وممارسة واستقر بناؤها ضمنها، وعلى الخصوص، ضمن نظامها العسكري الذي صقلته حروب دامية على مدى التاريخ وطاحنة، خاصة الحربان العسكريتان العالميتان وما سمي بالحرب الباردة وسباق التسلح في القرن العشرين، دون أن نغفل أن الأنظمة العسكرية ترتكز على عنصر الاستخبارات الذي تطور أثره على جميع الأصعدة بشكل مرعب جدا.

طالع أيضا  من التفكير الاستراتيجي إلى التفكير المصيريأو من سياق الانكسار والاستعمار إلى سياق القوة والاستقلال 2/2

فإذا تم تجريد التفكير الاستراتيجي من سياقه العام والخاص ظهر كأداة نظيفة راسخة القدم العلمي، لكن بما هو أداة فرعية ضمن حركة عامة فلا قيمة له إلا حينما يكون فاعلا، أي ليس في موضِع التجريد، ولذلك إذا تم توظيفه في سياق غير سياقه سيفضي إلى نتائج غير مرغوب فيها وغير متوقعة؛ لذلك يكون جلب أداة فرعية مرتبطة بالجانب الإنساني خاصة الثقافي والفكري منه لتوظيفها في سياق غير سياقها الأصلي يحمل من الخطورة أو القصور ما يؤدي وظائف عكسية، إذ عوض حل الأزمة يكرسها أو يتسبب في سوء فهمها، وعوض أن يصحح اتجاه الحركة، مثلا، يكرس انحرافها أو غموض أفقها، وعوض أن يدل على الوسائل الأصلية المناسبة للعمل وتجاوز الأزمات يفرض وسائل غريبة وغير مناسبة للعمل، وهكذا. لأن التفكير الاستراتيجي تفكير جزئي محدود الأفق، لكونه دائما مستسلما لقواعد النظام السياسي والمجتمعي المهيمنة لأنها صارت بالنسبة إليه أصلا ولا يستطيع تغييرها، إذ أحسن وظائفه أن يساهم في إصلاحها متى كانت قابلة للإصلاح.

فالتفكير الاستراتيجي، في سياقه العام والخاص، أداة تغيير بمعنى الإصلاح، أي أداة إجرائية، لأنك حينما تسمع خبيرا أمريكيا، أو غربيا عموما، يتحدث عن التغيير فإنما يقصد الإصلاح من داخل النظام الكلي الذي تحقق حوله الإجماع أو شبه الإجماع عبر مسيرة تاريخية غير يسيرة من التضحيات والاجتهادات والتصويبات والتصحيحات وتبلور النظريات في شتى المجالات، وهكذا، ولذلك حينما تعتمد نظام التفكير الاستراتيجي، كما صاغته التجربة الغربية، أداة بناء القيادة التغييرية والحركة التعييرية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية إنما تصنع أداة عوجاء متقوقعة لا تقدر على إنجاز هذه المهمة لكون الوضع العام القائم بكل أنظمته لا يحتاج إلى اجتهاد إصلاحي إجرائي جزئي مرهون بأصول غير أصول الإنسان والمجتمع الذي ولد ونشأ فيه، علما أن مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية والمجتمعية تحتاج إلى تغيير شامل عبر عملية تغيير جذري شاملة تباشر العمق. ثم إن هناك اختلافا جوهريا بين أفق حركة الغرب وبين أفق حركة الأمة العربية والإسلامية، فضلا عن الاختلاف بين مصير الإنسان كما تتصوره التجربة الغربية القائمة وبين مصير الإنسان كما تتصوره التجربة الإسلامية، وأن أية عملية تلفيق بين الأفقين أو المصيرين إنما هي إنتاج لواقع الغموض الكبير ومن ثمة الفوضى العارمة.

المبحث الثاني: نفق التفكير الاستراتيجي فيما سمي بالربيع العربي

تشكل انتفاضة الشعوب العربية في ما سمي بالربيع العربي منذ 2011 أكبر مؤشر على الضمانة المجتمعية على إمكانية إنجاز واقع الحرية، لأن هذه الانتفاضة، في حقيقتها، لم تكن على أنظمة سياسية استبدادية فقط ولا لأجل مطالب اجتماعية فقط، بقدر ما كانت صرخة مدوية على قبضة الأنماط الثلاث على مفاصل تدبير شؤون هذه الشعوب وحرمانها من التوجه الحقيقي نحو الحرية؛ إذ لم تعد هذه القبضة ممكنة بالنظر إلى حجم الكوارث المعيشة في كل المجالات، وبالنظر إلى طبيعة النفق الذي دخلت إليه هذه الشعوب بين يدي نخب سياسية وفكرية وثقافية وعلمية لم تصنع طريقا سالكا إلى الحرية الحقيقية.

هنا يكون سؤال القيادة مناسبا ومصيريا، ولذلك كان كل ما كتبته مباشرة بعد انتفاضة تونس ومصر وباقي الدول بعد 2011 كان حول “الرحيل من زمن الثورة إلى زمن الأمة” وحول “القيادة والتغيير السياسي” وحول “القوة المجتمعية” كضمانة لتجنب الفوضى والانهيارات الشاملة، وحول حتمية “الاصطفاف الواعي المجتمعي والسياسي في أوطاننا”، واليوم أكمل الحديث عن مرحلة تاريخية حاسمة ببحث “حتمية الانتقال من التفكير الاستراتيجي التفكير التقليدي إلى التفكير المصيري” أو “الانتقال من سياق الانكسار والاستعمار إلى سياق القوة والاستقلال”، باعتبار هذا الانتقال المدخل المناسب لشق طريق التحرر والاستقلال، إذ دون هذا دوران في الحلقة المغلقة والحلبة المفرغة، وهو ما لا تقبله عجلة التاريخ إطلاقا.

فليس مرد انتكاسة ما سمي بالربيع العربي إلى دهاء “الثورة المضادة” والقوى الرافضة للتغيير المتآمرة مع عناصر المؤامرة الخارجية، بل مرده إلى مأزق التفكير لدى من تصدى ورشح نفسه لقيادة هذا الربيع، ذلك أنه في مثل هذه اللحظات لا تكفي النوايا الحسنة والصادقة بل مضاف إلى هذا قدرة نظام التفكير المتصدي لهذه المهمة على فتح أفق تجديدي تاريخي بصرامة وانسجام تام مع إرادة الشعوب التي لا تقف فقط عند مطلب اجتماعي، أو حتى سياسي، بل تتجاوز ذلك، وقد تصبر على عدم وجوده، لأجل الحرية والأمن والاطمئنان في الحال وعلى المآل، لأن الشعوب لا تقاس بأعمار الفرد من الناس، بل هي امتداد في الزمان؛ إذ لا تفصل نظرتها لحالها عن نظرتها في مستقبل أجيالها وأجيال الإنسانية، ومن ثمة من لم يفقه خطاب الشعوب بمعناه التاريخي والوجودي المصيري لا يستطيع أن يتأهل لقيادتها لانحصاره ضمن تفكير منحبس ينتج فكرا أكثر انحباسا لما يشتغل على قواعد علمية ومعرفية جزئية وتجزيئية، وعلى أفق محدود لا يتجاوز سقف سؤال الدولة ونمطها والسلطة ومقتضياتها والتنمية ووسائلها إلى معنى القيمة الإنسانية ككلية ناظمة للوجود وعمليات التدافع الطبيعي بين عناصره، ومهمة الأمة التاريخية في تنظيم هذا التدافع، وعلاقة كل ذلك بطبيعة الأنظمة السياسية القائمة وبطبيعة النظام العالمي الذي ينبغي أن يسود.

طالع أيضا  من التفكير الاستراتيجي إلى التفكير المصيريأو من سياق الانكسار والاستعمار إلى سياق القوة والاستقلال 2/2

إن أكبر خطأ ارتكبته القيادات في ما سمي بالربيع العربي أن اختزلت حركة التغيير في عمليات سياسية بسيطة مهما كان الضجيج الذي أنتجته.

وهنا يكون سؤال العلاقة مع الوحي سؤالا مصيريا بالنسبة للمسلمين، إلا أن هذا السؤال لا يقف عند مجرد العلاقة، بل يتجاوز ذلك إلى الكيف وماذا نريد من الوحي؛ بله ماذا يريد منا الوحي؟

أي نحن أمام حتمية التجديد الشمولي للمنهجية الأصولية في الاستنباط ومخاطبة الوحي، لأنها هي القابضة على نمط التفكير التقليدي في التعامل مع الوحي حتى نتمكن من القدرة على عرضه عرضا كاملا وككلية جامعة لنستوعب الواقع في كل أبعاده على قاعدة “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” مع استثمار الرصيد العلومي الهائل في حقل علم المقاصد استثمارا نقديا بنائيا.

فعجز التفكير الاسترايتجي أمام حجم الكوارث التي تواجهنا اليوم، خاصة بعد انكشاف محدودية ما سمي بالربيع العربي في تعبئة الجهود لما أتت مرحلة البناء بعد الانتفاضات، وانهيار الاستيعاب الغربي أمام حجم مطالب المستضعفين ونوعها وتهميشه لحق هؤلاء في العيش الكريم، يفرض على الجميع ضرورة التفكير من خارج نسق فكري فرضه سياق تاريخي بعد الانكسار التاريخي وإحكام الاستعمار قبضته وفق تصور محدد لمعنى الإنسان والكون والحياة والصراع والعالم، وقد تكرس أكثر هذا التصور كنهاية للتاريخ بعد انهيار المعسكر الشرقي وسيادة مفاهيم العولمة الغربية وقيمها.

إن انتكاسة واقع ما سمي بالربيع العربي إما إلى واقع عنيف بين مكونات المجتمع أو بينها وبين دولة التلفيق والغموض والارتباك والتسلط والاستبداد والقصور، وإما إلى الرضى بعمليات إصلاحية جزئية لا تتعدى الشكلية بالمقارنة مع مستوى التغيير المطلوب وجوهره، لا تعني إلا أننا أمام عمليات تصحيح تاريخية هائلة. ولا شك أن هذه العمليات تحتاج إلى قيادة عالمة وخبيرة ورفيقة وبصيرة بالمآلات وعبر أجيال.

لكن عمليات التصحيح هذه لن تكون عبر نفس نظام التفكير ولا عبر نفس الفكر الذي أدى إلى هذه الانتكاسة العنيفة؛ بل ستفتح بابا جديدا لنظام تفكير جديد ومن ثمة لفكر جديد.

هنا فقط يفرض شرط الحرية لهذا النظام الجديد في التفكير لتحقيق الاشتغال من خارج سياق عام رسمته التجربة الغربية بعد تحكمها بعد الحربين العالميتين خلال القرن العشرين بحساب الغرب، والانخراط في سياق تجديدي له القدرة على نقد الماضي والواقع وتفكيكهما في اتجاه بناء المستقبل؛ مستقبل الحرية والعدل والكرامة والاستقلال والقوة.

لذلك لا تتجلى انتكاسة ما سمي بالربيع العربي في فشل العمليات السياسية التي أعقبته، ولا في مستوى العنف الذي ولدته، ولا في حجم الانشطار المجتمعي والسياسي الذي كشفته، ولا في قدرة المؤامرة الخارجية على تبديد طموحاته وتحالفها مع عناصر الثورة المضادة، بل تتجلى في عدم اكتشاف المواقع الحقيقية لبناء الحركة التجديدية التغييرية، فضلا عن عدم اكتشاف ضرورة التغيير الجذري لأنظمة التفكير وأصولها العلمية والمعرفية.

هنا السؤال حول تجربة التفكير الاستراتيجي في التغيير الذي أصبح موضة الوقت؛ هل يستطيع أن ينتج التدريب عليه قادة التحول التاريخي الذي يخرج بحركة الأمة من سياق التقليد والاستعمار إلى سياق التجديد والبناء الشامل والاستقلال؟

لقد كشفت انتكاسة ما سمي بالربيع العربي أمرين هامين؛ يتجلى الأول في عجز التفكير المقاصدي لدى علمائنا عن استيعاب الواقع وفتح أفقه التجديدي التغييري التحرري، لأن هذا التفكير لا زال يشتغل على مقاصد الشريعة من حيث هي أحكام لا على مقاصد الوحي من حيث لها غاية جامعة. أي لم يتخلص بعد من قبضة التفكير ضمن سياق الانكسار التاريخي المحكوم سقفه بالمنهجية الأصولية التقليدية.

ويتجلى الأمر الثاني في قصور التفكير الهارب من نظام المنهجية الأصولية إلى نظام التفكير الاستراتيجي عن بناء قواعد التغيير المفضية إلى التحرر الشامل وبناء مراحل هذا التحرر.

وفي كلا الأمرين نجد عجزا واضحا في بناء القيادة القادرة على قيادة مراحل التغيير والإصلاح والتحرير ومواجهة الأمر الواقع الذي فرضه الانكسار التاريخي والاستعمار الغربي في كل المجالات، إذ لا يمكن قيادة التغيير دون بناء موقع الحرية في النظر والتفكير في التغيير.